وَقَالَ بَعضهم لَا يدْخلُونَ فِي الْخطاب بالشرعيات وَهُوَ اخْتِيَار الشَّيْخ أبي حَامِد ﵀
[ ٨٠ ]
وَقَالَ بعض النَّاس هم مخاطبون بالمنهيات دون المأمورات
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا سلككم فِي سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين﴾ وَهَذَا يدل على أَنهم مخاطبون بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة إِذْ لَو لم يَكُونُوا مخاطبين بهَا لما حسن عقوبتهم على ذَلِك
فَإِن قيل المُرَاد بذلك لم نَكُنْ من معتقدي الصَّلَاة وَالزَّكَاة
قيل هَذَا خلاف الظَّاهِر فَإِن اللَّفْظ حَقِيقَة فِي فعل الصَّلَاة وَفعل الْإِطْعَام وَلَا يحمل على الِاعْتِقَاد من غير دَلِيل
وَلِأَن الْعقُوبَة على ترك الِاعْتِقَاد قد علم من قَوْله ﴿وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدَّين﴾ فَيجب أَن يحمل الأول على غَيره
فَإِن قيل الظَّاهِر يَقْتَضِي اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة بِمَجْمُوع هَذِه الْأَشْيَاء وَهِي ترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة والتكذيب بِيَوْم الدَّين
قُلْنَا لَو لم يكن كل وَاحِد مِنْهَا يسْتَحق الْعقُوبَة على تَركهَا لما جمع بَينهم فِي اسْتِحْقَاق الْعقُوبَة
وَلِأَن بالتكذيب بِيَوْم الدَّين يسْتَحق الْعقُوبَة من غير أَن يضم إِلَيْهِ معنى آخر
[ ٨١ ]
وَكَذَلِكَ بترك الصَّلَاة وَالزَّكَاة يجب أَن يسْتَحق الْعقُوبَة من غير أَن يَنْضَم إِلَيْهِ معنى آخر
وَيدل عَلَيْهِ أَنه لفظ مُطلق فَدخل الْكفَّار فِيهِ كالأمر بِالْإِيمَان
وَلِأَن من تنَاوله الْأَمر بِالْإِيمَان تنَاوله الْأَمر بالعبادات كَالْمُسلمِ وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْمُسلم إِنَّمَا دخل فِي الْأَمر لصلاح اللَّفْظ لَهُ فِي اللُّغَة وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي الْكَافِر فَيجب أَن يكون دَاخِلا فِي الْأَمر وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَيْسَ فِيهِ أَكثر من الْكفْر وَهُوَ يقدر على إِزَالَته وَمن قدر على شَرط الْفَرْض كَانَ مُخَاطبا بِالْفَرْضِ كالمحدث إِذا دخل عَلَيْهِ وَقت الصَّلَاة
فَإِن قيل الْحَدث لَا يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى صَحَّ أَن الْمُتَيَمم يُصَلِّي وَهُوَ مُحدث وَلَيْسَ كَذَلِك الْكفْر فَإِنَّهُ يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة أَلا ترى أَنَّهَا لَا تصح مَعَ الْكفْر بِحَال
قُلْنَا الْحَدث أَيْضا يُنَافِي صِحَة الصَّلَاة مَعَ الْقُدْرَة على المَاء ثمَّ هَذَا الْمَعْنى لَا يمْنَع من توجه الْخطاب بِفَرْض الصَّلَاة فَبَطل مَا قَالُوهُ
وَأما مَا يدل على فَسَاد قَول الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَنَقُول
النَّهْي أَمر بِالتّرْكِ وَالْأَمر أَمر بِالْفِعْلِ فَإِذا دخل الْكَافِر فِي أحد الْأَمريْنِ دخل فِي الْأَمر الآخر
فَإِن قيل الْأَمر بِالتّرْكِ لما دخل فِيهِ تعلق عَلَيْهِ أَحْكَامه من الْحُدُود وَغَيرهَا وَلما لم يتَعَلَّق عَلَيْهِ أَحْكَام الْأَمر بِالْفَرْضِ من صِحَة الْفِعْل وَوُجُوب الْقَتْل على تَركهَا وَالْقَضَاء بفواتها دلّ على أَنه لم يدْخل فِي الْأَمر
قيل الْعقُوبَة على الْمُخَالفَة وَوُجُوب الْقَضَاء بالفوات لَيْسَ يتَعَلَّق بِالْأَمر
[ ٨٢ ]
بل يفْتَقر إِلَى أَمر ثَان وَذَلِكَ لم يُوجد فَسقط وَهَذَا لَا يَنْفِي الْوُجُوب فِي الِابْتِدَاء كقضاء صَلَاة الْجُمُعَة يسْقط عَن الْمُسَافِر لعدم الدَّلِيل على وُجُوبه ثمَّ لم يدل على أَن الْأَمر بهَا لم يتَوَجَّه فِي الِابْتِدَاء
فَإِن قيل النَّهْي يَصح مِنْهُ امتثاله وَهُوَ التّرْك فَدخل فِيهِ الْأَمر وَالْأَمر لَا يَصح مِنْهُ امتثاله فَلم يدْخل فِي خطابه
قيل هَذَا يبطل بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ فِي حق الْمُحدث فَإِنَّهُ لَا يَصح مِنْهُ امتثاله ثمَّ هُوَ دَاخل فِيهِ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَو كَانَ الْكَافِر مُخَاطبا بالشرعيات لوَجَبَ أَن يَصح ذَلِك مِنْهُ فِي حَال الْكفْر ولوجب عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي حَال الْإِسْلَام وَلما لم يَصح فِي الْحَال وَلم يجب الْقَضَاء فِي ثَانِي الْحَال دلّ على أَنه غير مُخَاطب بهَا كالحائض فِي الصَّلَاة
وَالْجَوَاب أَنه إِنَّمَا لم يَصح مِنْهُ لعدم الشَّرْط وَهُوَ الْإِسْلَام وَهَذَا لَا يَنْفِي توجه الْخطاب كالمحدث لَا يَصح مِنْهُ فعل الصَّلَاة وَلَا يدل على أَنه غير مُخَاطب بهَا وَأما الْقَضَاء فَإِنَّمَا يجب بِدَلِيل غير الْأَمر وَذَلِكَ لم يُوجد فَسقط وَهَذَا لَا يَنْفِي الْخطاب فِي الِابْتِدَاء كَمَا قُلْنَا فِي قَضَاء الْجُمُعَة تسْقط عَن الْمُسَافِر لعدم الدَّلِيل ثمَّ لَا يدل على أَن الْأَمر بهَا لم يتَوَجَّه عَلَيْهِ
وَأما الْحَائِض فَالْمَعْنى فِيهَا أَنَّهَا لَا تقدر على إِزَالَة الْمَانِع وَتَحْصِيل الشَّرْط وَلَيْسَ كَذَلِك الْكَافِر فَإِنَّهُ يقدر على إِزَالَة الْكفْر فَهُوَ كالمحدث فِي الصَّلَاة
وَاحْتَجُّوا أَيْضا بِأَن خطابه بالعبادات خطاب بِمَا لَا مَنْفَعَة لَهُ فِيهِ والتكليف لَا يتَوَجَّه بِمَا لَا ينْتَفع بِهِ الْمُكَلف
[ ٨٣ ]
وَالْجَوَاب هُوَ أَنا نخاطبه على وَجه ينْتَفع بِهِ وَهُوَ أَن يقدم الْإِيمَان وَمَتى دخل على هَذَا الْوَجْه انْتفع بِهِ فَوَجَبَ أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِ الْخطاب
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ مُخَاطبا بِفعل الصَّلَاة معاقبا على تَركهَا لعوقب على تَركهَا بالدنيا فِي الْقَتْل وَالضَّرْب كَسَائِر الْمُسلمين
قُلْنَا إِنَّمَا لم يقتل وَلم يضْرب لِأَنَّهُ مُجْتَهد فِي وجوب ذَلِك عَلَيْهِ وَمَعَ الِاجْتِهَاد لَا تجب الْعقُوبَة وَلَيْسَ كَذَلِك الْمُسلم فَإِن وجوب ذَلِك عَلَيْهِ غير مُجْتَهد فِيهِ فَاسْتحقَّ الْعقُوبَة على التّرْك فِي الدَّاريْنِ
ثمَّ هَذَا يبطل بِأَهْل الذِّمَّة فَإِنَّهُم مخاطبون بِالْإِيمَان معاقبون على تَركه فِي الْآخِرَة ثمَّ لَا يعاقبون عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا
وَيبْطل بشربه الْخمر فَإِن الذِّمِّيّ لَا ينْهَى عَنهُ ثمَّ لَا يحد
[ ٨٤ ]
مَسْأَلَة ١٨