[ ٢٣١ ]
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب وَهُوَ قَول أَصْحَاب أبي حنيفَة
لنا مَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يَقُول من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فقد غوى فَقَالَ لَهُ ﵇ بئس الْخَطِيب أَنْت قل وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَلَو كَانَت الْوَاو تفِيد الْجمع دون التَّرْتِيب لَكَانَ قد نَهَاهُ عَن شَيْء وَأمره بِمثلِهِ وَذَلِكَ لَا يجوز
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَن عبد بني الحسحاس أنْشد عمر ﵁ قَوْله
عميرَة ودع إِن تجهزت غاديا كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهيا
[ ٢٣٢ ]
فَقَالَ عمر ﵁ لَو قدمت الْإِسْلَام على الشيب لأجزتك فَدلَّ على أَن الْوَاو اقْتَضَت التَّرْتِيب
وَأَيْضًا مَا رُوِيَ أَن رجلا قَالَ لِابْنِ عَبَّاس ﵁ كَيفَ تقدم الْعمرَة على الْحَج وَقد قدم الله الْحَج على الْعمرَة فَقَالَ ابْن عَبَّاس كَمَا تقدم الدَّين على الْوَصِيَّة فَدلَّ على أَنهم فَهموا من التَّقْدِيم فِي اللَّفْظ التَّقْدِيم فِي الحكم
وَأَيْضًا هُوَ أَن رجلا لَو كتب كتابا فِي معنى رجلَيْنِ وَقَالَ أنفذت إِلَيْك فلَانا وَفُلَانًا سبق إِلَى فهم كل أحد من أهل اللُّغَة أَن الْمُقدم فِي الذّكر هُوَ الْمُقدم فِي الرُّتْبَة فَدلَّ على أَن الْوَاو اقْتَضَت التَّرْتِيب
وَلِأَن الْمَعْنى نتيجة اللَّفْظ وَاللَّفْظ فِي أَحدهمَا سَابق فَكَانَ الْمَعْنى سَابِقًا
وَلِأَنَّهُ لَو قَالَ لامْرَأَته الَّتِي لم يدْخل بهَا أَنْت طَالِق وَطَالِق وَقعت الأولى دون الثَّانِيَة فَلَو كَانَت الْوَاو للْجمع دون التَّرْتِيب لوقعت الطلقتان كَمَا لَو قَالَ أَنْت طَالِق تَطْلِيقَتَيْنِ وَلما وَقعت الأولى دون الثَّانِيَة دلّ على أَن الأولى سبقت فِي الْوُقُوع ثمَّ جَاءَت الثَّانِيَة فصادفتها وَهِي بَائِن فَلم تقع
[ ٢٣٣ ]
وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ سمع رجلا يَقُول مَا شَاءَ الله وشئت فَقَالَ أمثلان أَنْتُمَا قل مَا شَاءَ الله ثمَّ شِئْت وَلَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لما نَقله عَن الْوَاو إِلَى ثمَّ لِأَنَّهُمَا فِي التَّرْتِيب سَوَاء
وَالْجَوَاب هُوَ إِنَّمَا نَقله عَن الْوَاو إِلَى ثمَّ لِأَن الْوَاو وَإِن اقْتَضَت التَّرْتِيب فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي المهلة وَثمّ تَقْتَضِي المهلة فنقله عَمَّا لَا يَقْتَضِي المهلة إِلَى مَا يَقْتَضِي المهلة فِي الاسمين المتفقين
قَالُوا وَلِأَن الْوَاو تدخل فِي الاسمين الْمُخْتَلِفين بَدَلا من التَّثْنِيَة فِي الاسمين المتفقين فَإِذا كَانَ لفظ فِي الاسمين المتفقين لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب وَجب أَن تكون الْوَاو فِي الاسمين الْمُخْتَلِفين لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب
وَالْجَوَاب أَن هَذِه دَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا ثمَّ هُوَ بَاطِل بتكرير الطَّلَاق على من لم يدْخل بهَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت الْوَاو تَقْتَضِي التَّرْتِيب لجَاز أَن تجْعَل فِي جَوَاب الشَّرْط كالفاء وَلما لم يجز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط دلّ على أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيب
قُلْنَا يبطل بثم فَإِنَّهَا لَا تسْتَعْمل فِي جَوَاب الشَّرْط ثمَّ تَقْتَضِي التَّرْتِيب
فَإِن قيل إِنَّمَا لم يَجْعَل ثمَّ جَوَابا للشّرط لِأَنَّهَا تَقْتَضِي المهلة وَمن حكم
[ ٢٣٤ ]
الْجَواب أَن لَا يتَأَخَّر عَن الشَّرْط وَالْوَاو لَا تَقْتَضِي ذَلِك وَلَو اقْتَضَت التَّرْتِيب لجَاز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط
قيل إِن كَانَت ثمَّ تَقْتَضِي المهلة فَلم تجْعَل جَوَابا للشّرط حَتَّى لَا يتَأَخَّر الْجَزَاء عَن الشَّرْط فَكَذَلِك الْوَاو وَلم تجْعَل جَوَابا للشّرط لِأَنَّهَا تحْتَمل التَّرَاخِي وَمن حكم الْجَزَاء أَن لَا يتَأَخَّر عَن الشَّرْط فَلم يجز أَن تجْعَل جَوَابا للشّرط لذَلِك
قَالُوا ولأنا رَأينَا الْوَاو تسْتَعْمل فِي مَوَاضِع تحْتَمل التَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة﴾ ﴿وَقُولُوا حطة وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ فَلَو رتبت الْوَاو لم يجز أَن يقدم فِي أحد الْمَوْضِعَيْنِ مَا أَخّرهُ فِي الْموضع الآخر وكقول الشَّاعِر
ومنهل فِيهِ الْغُرَاب ميت كَأَنَّهُ من الأجون زَيْت سقيت مِنْهُ الْقَوْم واستقيت
وَمَعْلُوم أَنه استقى أَولا ثمَّ سقى فَدلَّ على أَنه لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيب
قُلْنَا لَيْسَ إِذا اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا تحْتَمل التَّرْتِيب دلّ على أَنَّهَا غير مَوْضُوعَة للتَّرْتِيب أَلا ترى أَن ثمَّ اسْتعْملت فِي مَوَاضِع لَا تحْتَمل التَّرْتِيب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فإلينا مرجعهم ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ وَالْمرَاد بِهِ وَالله شَهِيد
وَقَول الشَّاعِر
[ ٢٣٥ ]
كهز الرديني تَحت العجاج جرى فِي الأنابيب ثمَّ اضْطربَ
وَمَعْلُوم أَن الاهتزاز وَالِاضْطِرَاب لَا يفترقان وَلَا يدل على أَن ثمَّ غير مَوْضُوعَة للتَّرْتِيب والتفريق
وعَلى أَن الْبَيْت الَّذِي ذكره لَا حجَّة فِيهِ لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك إِخْبَارًا عَن أَفعَال مُتَفَرِّقَة لَا يتَعَلَّق بَعْضهَا بِبَعْض فَتكون على التَّرْتِيب
قَالُوا لَو كَانَت الْوَاو ترَتّب لما حسن اسْتِعْمَال لفظ الْمُقَارنَة فِيهِ بِأَن تَقول جَاءَ زيد وَعَمْرو مَعًا كَمَا لَا يجوز جَاءَ زيد ثمَّ عمر مَعًا
قُلْنَا يجوز أَن يكون اللَّفْظ يَقْتَضِي معنى ثمَّ يتَغَيَّر ذَلِك بِمَا يدْخل عَلَيْهِ من الْحُرُوف والألفاظ
أَلا ترى أَن قَوْله زيد فِي الدَّار يَقْتَضِي الْإِخْبَار ثمَّ تدخل عَلَيْهِ الْألف فَنَقُول أَزِيد فِي الدَّار فَيصير استفهاما فَكَذَلِك هَاهُنَا
[ ٢٣٦ ]
مَسْأَلَة ٦