وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِنَّه لم ينْقل شَيْء من ذَلِك عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَإِنَّمَا ورد الشَّرْع بشرائط وَأَحْكَام مُضَافَة إِلَى مَا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة وَهُوَ قَول الأشعرية
[ ١٩٥ ]
لنا هُوَ أَن هَذِه الْأَسْمَاء إِذا أطلقت لم يعقل مِنْهَا إِلَّا هَذِه الْعِبَادَات فِي الشَّرْع وَلِهَذَا يُقَال أحرم فلَان بِالصَّلَاةِ إِذا كبر وَأحرم بِالْحَجِّ إِذا نوى الْحَج وَإِن لم يَأْتِ بِشَيْء مِمَّا وضع لَهُ الِاسْم فِي اللُّغَة
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة عبارَة عَمَّا وضع لَهُ اللَّفْظ فِي اللُّغَة من الدُّعَاء لوَجَبَ إِذا عرى عَن ذَلِك أَن لَا تسمى صَلَاة وَلما أجمعنا على تَسْمِيَة صَلَاة الْأَخْرَس صَلَاة وَإِن لم يَأْتِ فِيهَا بِشَيْء من الدُّعَاء دلّ على أَنه اسْم مَنْقُول
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الزَّكَاة فِي اللُّغَة هِيَ الزِّيَادَة والنماء وَلِهَذَا يَقُول الْعَرَب إِذا كثرت الْمُؤْتَفِكَات زكى الزَّرْع أَي إِذا كثرت الرِّيَاح زَاد الزَّرْع ثمَّ جعل فِي الشَّرْع اسْما لإِخْرَاج جُزْء من المَال وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَة نُقْصَان وَلَيْسَ بِزِيَادَة فَدلَّ على أَنه مَنْقُول
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لما حدث فِي الشَّرْع عبادات وهيئات وأفعال وَلم يكن لَهَا اسْم فِي اللُّغَة دعت الْحَاجة إِلَى أَن يوضع لَهَا اسْم فِي الشَّرْع يعرف بهَا كَمَا وضع أهل الصَّنَائِع لكل مَا استحدثوه من الأدوات اسْما يعرفونها بِهِ عِنْد الْحَاجة إِلَى ذكرهَا
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ وَالصَّلَاة بِلِسَان الْعَرَب هِيَ الدُّعَاء وَالصَّوْم هُوَ الْإِمْسَاك وَالْحج هُوَ الْقَصْد فَإِذا ورد الشَّرْع وَجب أَن تحمل على مَا يَقْتَضِيهِ لِسَان الْعَرَب
وَالْجَوَاب هُوَ أَن هَذِه الْآيَات تَقْتَضِي أَنه خاطبها بِلِسَان الْعَرَب وَنحن نقُول بذلك لِأَن هَذِه الْأَسْمَاء كلهَا عَرَبِيَّة وَالْخطاب بهَا خطاب بلغَة الْعَرَب وَلَيْسَ إِذا اسْتعْمل ذَلِك فِي غير مَا وَضعته الْعَرَب يخرج عَن أَن يكون خطابا بِلِسَان الْعَرَب أَلا ترى أَن الْحمار قد اسْتعْمل فِي غير مَا وَضعه الْعَرَب وَهُوَ الرجل البليد وَالْبَحْر فِي
[ ١٩٦ ]
غير مَا وَضعته الْعَرَب وَهُوَ الرجل الْجواد وَلَا يخرج الْخطاب بذلك عَن أَن يكون خطابا بِلِسَان الْعَرَب فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْأَسْمَاء شَيْء مَنْقُول لبينه النَّبِي ﷺ بَيَانا يَقع بِهِ الْعلم وَلَو فعل ذَلِك لعلمناه كَمَا علمْتُم وَلما لم يعلم ذَلِك دلّ على أَنه لم ينْقل
قُلْنَا قد بَين النَّبِي ﷺ ذَلِك بَيَانا تَاما أَلا ترى أَن كل مَوضِع ذكر الصَّلَاة لم يرد بِهِ إِلَّا هَذِه الْأَفْعَال وَلَكِن لَيْسَ من شَرط الْبَيَان أَن يَقع بِهِ الْعلم لكل أحد أَلا ترى أَنه بَين الْحَج بَيَانا تَاما ثمَّ لم يَقع الْعلم بِهِ لكل أحد حَتَّى اخْتلف الْعلمَاء فِي إِحْرَامه فَقَالَ بَعضهم كَانَ مُفردا وَقَالَ بَعضهم كَانَ قَارنا فَكَذَلِك هَاهُنَا
[ ١٩٧ ]
مَسْأَلَة ٧