وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج يجوز بِالسنةِ المتواترة وَلكنه لم يُوجد فِي الشَّرْع
[ ٢٦٤ ]
وَذهب أَكثر الْفُقَهَاء والمتكلمين إِلَى جَوَاز ذَلِك بالأخبار المتواترة
وَذهب بعض النَّاس إِلَى جَوَاز ذَلِك بالمتواترة والآحاد وَهُوَ مَذْهَب بعض أهل الظَّاهِر
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة أَو ننسها نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا﴾ فَأخْبر أَنه لَا ينْسَخ آيَة إِلَّا بِمِثْلِهَا أَو بِخَير مِنْهَا وَالسّنة لَيست مثل الْقُرْآن وَلَا هِيَ خير مِنْهُ فَوَجَبَ أَن لَا يجوز النّسخ بهَا
فَإِن قيل المُرَاد نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا فِي الثَّوَاب وَقد يكون فِي السّنة مَا هُوَ خير من الْمَنْسُوخ فِي الثَّوَاب
قيل هَذَا لَا يصلح لوجوه
مِنْهَا أَنه قَالَ ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِهِ وَالسّنة إِنَّمَا يَأْتِي بهَا النَّبِي ﵇
وَلِأَنَّهُ قَالَ فِي سِيَاق الْآيَة ﴿ألم تعلم أَن الله على كل شَيْء قدير﴾ وَالَّذِي يخْتَص الله بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ هُوَ الْقُرْآن
[ ٢٦٥ ]
وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا آخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه
وَلِأَنَّهُ قَالَ نأت بِخَير مِنْهَا أَو مثلهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون الْمثل من جنس الْمَنْسُوخ كَمَا إِذا قَالَ لَا أَخذ مِنْك ثوبا إِلَّا أَعطيتك خيرا مِنْهُ اقْتضى خيرا مِنْهُ من جنسه
وَلِأَن الْمثل يَقْتَضِي أَن يكون مثله من كل وَجه وَالسّنة قطّ لَا تماثل الْقُرْآن فِي الثَّوَاب فِي تِلَاوَته وَلَا فِي الدّلَالَة على صدق النَّبِي ﵇ بنظمه
فَإِذا قيل لَو كَانَت السّنة لَا تماثل الْقُرْآن فالقرآن أَيْضا لَا يكون بعضه خيرا من بعض فَيجب أَن يكون المُرَاد بِهِ الْأَحْكَام
قيل قد يكون بعض الْقُرْآن خيرا من بعض فِي الثَّوَاب أَلا ترى أَن سُورَة الْإِخْلَاص وَيس وَغَيرهمَا أفضل من غَيرهمَا من الْقُرْآن فِي الثَّوَاب وَقد يكون بَعْضهَا أظهر فِي الإعجاز من بعض أَلا ترى أَن قَوْله ﷿ ﴿وَقيل يَا أَرض ابلعي ماءك وَيَا سَمَاء أقلعي﴾ أبلغ فِي الإعجاز من غَيره
فَإِن قيل قَوْله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ لَيْسَ فِيهِ أَن مَا يَأْتِي بِهِ هُوَ النَّاسِخ وَيجوز أَن يكون النَّاسِخ غَيره
قُلْنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ شَرط وَقَوله ﴿نأت بِخَير مِنْهَا﴾ جَزَاء وَلِهَذَا جزم قَوْله ﴿مَا ننسخ﴾ وَإِذا كَانَ كَذَلِك وَجب أَن يكون مَا يَأْتِي بِهِ لأَجله وبدلا عَنهُ كَمَا إِذا قَالَ مَا تصنع اصْنَع وَمَا آخذه أعْط مثله اقْتضى أَن يكون الْجَزَاء لأجل الشَّرْط وبدلا عَنهُ فَدلَّ على أَنه هُوَ النَّاسِخ
[ ٢٦٦ ]
فَإِن قيل النّسخ إِنَّمَا يَقع فِي الحكم لَا فِي التِّلَاوَة وَلَا مفاضلة بَين حكم الْكتاب وَحكم السّنة وَإِنَّمَا المفاضلة بَين لفظيهما والنسخ لَا يَقع إِلَّا فِي اللَّفْظ
قيل الْخلاف فِي نسخ التِّلَاوَة وَالْحكم وَاحِد فَإِن عِنْدهم لَو تَوَاتَرَتْ السّنة بنسخ التِّلَاوَة وَجب النّسخ بهَا وَلَا مماثلة بَينهمَا وعَلى أَن نسخ الحكم أَيْضا يَقْتَضِي نسخ الْآيَة أَلا ترى أَنه إِذا نسخ حكم الْآيَة قيل هَذِه آيَة مَنْسُوخَة فَيجب أَن لَا يكون ذَلِك إِلَّا بِمِثْلِهَا أَو بِخَير مِنْهَا
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن السّنة فرع لِلْقُرْآنِ أَلا ترى أَنه لَوْلَا الْقُرْآن لما ثبتَتْ السّنة فَلَو جَوَّزنَا نسخ الْقُرْآن بهَا لرفعنا الأَصْل بفرعه وَهَذَا لَا يجوز وَلِأَن السّنة دون الْقُرْآن فِي الرُّتْبَة أَلا ترى أَنَّهَا لَا تساويه فِي الإعجاز فِي لَفظه وَلَا فِي الثَّوَاب فِي تِلَاوَته فَلم يجز نسخ بهَا ويدلك عَلَيْهِ أَن الْقيَاس لما كَانَ دون الْخَبَر فِي الرُّتْبَة لم يجز نسخه بِهِ فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿وأنزلنا إِلَيْك الذّكر لتبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم﴾ والنسخ بَيَان للمنزل فَيجب أَن يكون ذَلِك بَيَانا لَهُ
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْبَيَان يُرَاد بِهِ الْإِظْهَار والتبليغ أَلا ترى أَنه علقه على جَمِيع الْقُرْآن والنسخ لَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الْقُرْآن فَدلَّ على أَن المُرَاد بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ
وَلِأَن النّسخ لَيْسَ بَيَانا للمنسوخ وَإِنَّمَا هُوَ إِسْقَاط وَرفع فَلَا يدْخل فِي الْآيَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ دَلِيل مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ فَجَاز نسخ الْقُرْآن بِهِ كالقرآن
[ ٢٦٧ ]
قُلْنَا هَذَا يبطل بِالْإِجْمَاع فَإِنَّهُ مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ ثمَّ لَا يجوز النّسخ بِهِ
وعَلى أَنه لَا يمْتَنع أَن يتساوى الْقُرْآن وَالسّنة فِي الْقطع ثمَّ يجوز النّسخ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر أَلا ترى أَن الْخَبَر وَالْقِيَاس يتساويان فِي أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مظنون ثمَّ يَصح النّسخ بِأَحَدِهِمَا دون الآخر
ثمَّ الْمَعْنى فِي الْقُرْآن أَنه يماثل الْمَنْسُوخ فِي التِّلَاوَة والإيجاز فَجَاز نسخه بِهِ وَلَيْسَ كَذَلِك هَاهُنَا فَإِن السّنة دون الْقُرْآن فِي الثَّوَاب والإعجاز فَلم يجز نسخه بهَا
قَالُوا وَلِأَن النّسخ إِنَّمَا يتَنَاوَل الحكم وَالْكتاب وَالسّنة المتواترة فِي إِثْبَات الحكم وَاحِد وَإِن اخْتلفَا فِي الإعجاز فَيجب أَن يتساويا فِي النّسخ
قُلْنَا هما وَإِن تَسَاويا فِي إِثْبَات الحكم إِلَّا أَن أَحدهمَا أَعلَى رُتْبَة من الآخر فَجَاز أَن يختلفا فِي النّسخ أَلا ترى أَن الْخَبَر وَالْقِيَاس يتساويان فِي إِثْبَات الحكم ثمَّ يجوز نسخ السّنة بِأَحَدِهِمَا دون الآخر لما اخْتلفَا فِي الرُّتْبَة فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا وَلِأَن الْمَانِع من ذَلِك لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون فَضله على السّنة فِي الثَّوَاب أَو فَضله عَلَيْهَا فِي الإعجاز وَلَا يجوز أَن يكون الْمَانِع بِفضل الثَّوَاب لِأَنَّهُ يجوز نسخ أَكثر الْآيَتَيْنِ ثَوابًا بأقلهما وَلَا يجوز أَن يكون الْمَانِع فضل الإعجاز لِأَنَّهُ يجوز نسخ الْآيَة المعجزة بِالْآيَةِ الَّتِي لَا إعجاز فِيهَا وَإِذا بَطل هَذَانِ الْوَجْهَانِ لم يبْق مَا يتَعَلَّق بِهِ الْمَنْع فَوَجَبَ أَن يجوز
[ ٢٦٨ ]
قُلْنَا الْمَانِع عندنَا معنى آخر وَهُوَ رفع كَلَام الله تَعَالَى بِغَيْر كَلَامه وَهَذَا لم يدلوا على إِبْطَاله
أَو الْمَانِع من ذَلِك رفع الأَصْل بفرعه وَهَذَا أَيْضا لم يدلوا عَلَيْهِ
ولأنا لَو جعلنَا الْمَانِع مَا ذَكرُوهُ من فضل الْقُرْآن على السّنة بالإعجاز لصَحَّ وَمَا ذَكرُوهُ من نسخ الْآيَة المعجزة بِغَيْر المعجزة لَا يَصح لِأَن النَّاسِخ كالمنسوخ فِي الإعجاز أَلا ترى أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا إِذا طَال وَكثر كَانَ معجزا وَإِذا لم يطلّ لم يكن معجزا
وَاحْتج من أجَاز النّسخ بأخبار الْآحَاد خَاصَّة أَن مَا جَازَ نسخ السّنة بِهِ جَازَ نسخ الْقُرْآن بِهِ كالقرآن
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَيْسَ إِذا أجَاز أَن يسْقط بِهِ مثله جَازَ أَن يسْقط بِهِ مَا هُوَ أقوى مِنْهُ أَلا ترى أَن الْقيَاس يجوز أَن يُعَارض مثله وَلَا يجوز أَن يُعَارض الْخَبَر
قَالُوا وَلِأَن النّسخ إِسْقَاط لبَعض مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهر الْقُرْآن فَجَاز بِالسنةِ كالتخصيص
وَالْجَوَاب هُوَ أَنه لَا يمْتَنع أَن يجوز التَّخْصِيص بِهِ وَلَا يجوز النّسخ بِهِ أَلا ترى أَن تَخْصِيص الْخَبَر بِالْقِيَاسِ جَائِز ونسخه بِهِ لَا يجوز
وَلِأَن التَّخْصِيص إِسْقَاط بعض مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ اللَّفْظ بِعُمُومِهِ فَجَاز تَركه بِخَبَر الْوَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك النّسخ فَإِنَّهُ إِسْقَاط اللَّفْظ بِالْكُلِّيَّةِ فَلم يجز بِمَا دونه
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ النّسخ إِلَى غير بدل فجوازه إِلَى بدل ثَبت بِلَفْظ دونه أولى
قُلْنَا لَو كَانَ هَذَا صَحِيحا لوَجَبَ أَن يجوز بِالْقِيَاسِ فَيُقَال إِنَّه إِذا جَازَ رَفعه إِلَى غير بدل فَلِأَن يجوز إِلَى بدل يثبت بِالْقِيَاسِ أولى
وَلِأَن النّسخ إِلَى غير بدل لَا يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْقُرْآن بِمَا دونه لِأَنَّهُ يجوز أَن
[ ٢٦٩ ]
يكون قد نسخ بِمثلِهِ أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ والنسخ بِالسنةِ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاط الْقُرْآن وَرَفعه بِمَا هُوَ دونه وَهَذَا لَا يجوز
قَالُوا وَلِأَنَّهُ قد وجد فِي الْقُرْآن آيَات مَنْسُوخَة بأخبار الْآحَاد وَوُجُود ذَلِك يدل على جَوَازه فَمن ذَلِك
الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين نسخه قَوْله ﵇ لَا وَصِيَّة لوَارث
وَنسخ الْحَبْس فِي حق الزَّانِي بقوله ﵇ وَالْبكْر بالبكر جلد مئة وتغريب عَام وَالثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جلد مئة وَالرَّجم
وَنسخ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ بقوله ﵇ اقْتُلُوا ابْن خطل وَإِن كَانَ مُتَعَلقا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة
وَنسخ قَوْله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما على طاعم يطعمهُ إِلَّا أَن يكون ميتَة﴾ بِمَا رُوِيَ أَنه نهى عَن أكل كل ذِي نَاب من السبَاع وكل ذِي مخلب من الطُّيُور
[ ٢٧٠ ]
وَنسخ قَوْله ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ بقوله ﵇ لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا
وَالْجَوَاب هُوَ أَن الْوَصِيَّة نسخت بِآيَة الْمَوَارِيث وَلِهَذَا قَالَ ﵇ إِن الله أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث
وَآيَة الْحَبْس نسخت فِي الْبكر بقوله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَة وَالزَّانِي فاجلدوا كل وَاحِد مِنْهُمَا مائَة جلدَة﴾ وَفِي الثّيّب بِآيَة الرَّجْم الَّتِي كَانَت فِي الْكتاب وَنسخ رسمها وَهِي الشَّيْخ وَالشَّيْخَة إِذا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّة نكالا من الله
وَقَوله ﴿وَلَا تقاتلوهم عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام﴾ نسخ بقوله ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْركين حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
وَقَوله ﴿قل لَا أجد فِيمَا أُوحِي إِلَيّ محرما﴾ فَالْمُرَاد بِهِ مَا هُوَ مستطاب عِنْدهم وَلَيْسَ ذَلِك من الْخَبَائِث فَهُوَ عُمُوم دخله التَّخْصِيص
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَأحل لكم مَا وَرَاء ذَلِكُم﴾ فَهُوَ عُمُوم دخل التَّخْصِيص بالْخبر وَإِذا أمكن الْبناء وَالْجمع لم يَصح حمله على النّسخ فَسقط مَا قَالُوهُ
[ ٢٧١ ]
مَسْأَلَة ٧