وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِنَفس اللَّفْظ
لنا هُوَ أَن اللَّفْظ الْمُقَيد لَا يتَنَاوَل الْمُطلق فَلَا يجوز أَن يحكم فِيهِ بِحكمِهِ من غير عِلّة
أَلا ترى أَن الْبر لما لم يتَنَاوَل الْأرز لم يجز أَن يحكم فِيهِ بِحكمِهِ من غير عِلّة فَكَذَلِك هَاهُنَا
وَلِأَن اللَّفْظ الْمُطلق لَا يتَنَاوَل الْمُقَيد فَلَو جَازَ أَن يَجْعَل الْمُطلق مُقَيّدا لتقييد
[ ٢١٢ ]
غَيره لجَاز أَن يَجْعَل الْقَيْد مُطلقًا لإِطْلَاق غَيره وَلما لم يجز أَحدهمَا لم يجز الآخر
وَأَيْضًا هُوَ أَنه لَو جَازَ أَن يَجْعَل مَا أطلق مُقَيّدا لتقييد غَيره لجَاز أَن يَجْعَل الْعَام خَاصّا لتخصيص غَيره ولوجب أَن يَجْعَل الْمُطلق مَشْرُوطًا لدُخُول الشَّرْط فِي غَيره وَهَذَا يمْنَع التَّقْيِيد بالْكلَام وَيبْطل الْفرق بَين الْعَام وَالْخَاص وَهَذَا لَا يجوز
وَاحْتَجُّوا بِأَن حمل الْمُطلق على الْمُقَيد من جِهَة اللَّفْظ لُغَة الْعَرَب
أَلا ترى أَن الله تَعَالَى قَالَ ﴿ولنبلونكم بِشَيْء من الْخَوْف والجوع وَنقص من الْأَمْوَال والأنفس والثمرات﴾ وَأَرَادَ نقص من الْأَنْفس وَنقص من الثمرات وَلكنه لما قَيده بالأنفس اكْتفى بِهِ فِي الْبَاقِي وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ فقيافي أحد الجنسين وَاكْتفى بِهِ فِي الْجِنْس الآخر وَقَالَ الشَّاعِر
وَمَا أَدْرِي إِذا يممت أَرضًا أُرِيد الْخَيْر أَيهمَا يليني
هُوَ الْخَيْر الَّذِي أَنا أبتغيه أم الشَّرّ الَّذِي هُوَ يبتغيني
فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر وَقَالَ الآخر
[ ٢١٣ ]
أَنا الرجل الحامي الذمار وَإِنَّمَا يدافع عَن أحسابهم أَنا أَو مثلي
فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر
وَالْجَوَاب أَن فِيمَا ذَكرُوهُ إِنَّمَا يحمل الْمُطلق على الْمُقَيد لِأَنَّهُ لَو لم يحمل الثَّانِي على الأول لالتبس الْكَلَام وَلم يفد فَحمل أَحدهمَا على الآخر لموْضِع الضَّرُورَة وَلَيْسَ هَاهُنَا ضَرُورَة تَقْتَضِي الْحمل وَلَفظ أَحدهمَا لَا يتَنَاوَل الآخر فَحمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على ظَاهره
وَاحْتَجُّوا بِأَن الْقُرْآن من فاتحته إِلَى خاتمته كالكلمة الْوَاحِدَة فَوَجَبَ ضم بعضه إِلَى بعض
قُلْنَا هَذَا دَعْوَى فَكيف يكون كَذَلِك وَهُوَ يشْتَمل على معَان مُخْتَلفَة وأصناف شَتَّى من الْقَصَص والأمثال وَالْأَحْكَام وَغير ذَلِك
ثمَّ لَو كَانَ هَذَا يُوجب حمل بعضه على بعض لوَجَبَ أَن يخص كل عَام فِيهِ لِأَن فِيهِ مَا هُوَ مَخْصُوص وَيجْعَل كل أَمر فِيهِ ندبا لِأَن فِيهِ مَا هُوَ مَنْدُوب وللزم أَن يَجْعَل مَا قَيده فِيهِ مُطلقًا وَلم يكن حمل الْمُطلق على الْمُقَيد بِأولى من حمل الْمُقَيد على الْمُطلق وَلما بَطل هَذَا بَطل مَا قَالُوهُ
[ ٢١٤ ]
مَسْأَلَة ٢