وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ يدْخل النَّبِي ﷺ فِيمَا أَمر بِهِ أمته
لنا أَنه استدعاء للْفِعْل فَلَا يدْخل المستدعي فِيهِ كالسؤال والطلب وَلِأَن الْأَمر فِي اللُّغَة استدعاء للْفِعْل بالْقَوْل مِمَّن هُوَ دونه وَهَذِه الْحَقِيقَة لَا تُوجد فِي حق الْآمِر لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يكون دون نَفسه
وَأَيْضًا فَإنَّا لَا نعلم خلافًا بَين عُلَمَاء أهل اللِّسَان أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده فَقَالَ اسْقِنِي مَاء لَا يدْخل هُوَ فِي هَذَا الْأَمر فَكَذَلِك النَّبِي ﷺ مثله
[ ٧٣ ]
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ دُخُوله مَعَ غَيره لجَاز أَن يدْخل فِي أمره لنَفسِهِ وَحده وَهُوَ أَن يَقُول افْعَل كَذَا وَلما ثَبت أَنه لَا يجوز أَن يخص نَفسه بِالْأَمر فَيكون أمرا ومأمورا كَذَلِك لَا يجوز أَن يدْخل فِي عُمُوم الْأَمر
وَلِأَن الْمَأْمُور لَا يجوز أَن يكون آمرا فَكَذَلِك الْآمِر لَا يجوز أَن يكون مَأْمُورا
وَاحْتَجُّوا بِأَن أَمر النَّبِي ﷺ يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن وُجُوبه فِي الشَّرْع فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا لَو قَالَ هَذِه الْعِبَادَة وَاجِبَة
وَالْجَوَاب أَنه يتَضَمَّن الْإِخْبَار عَن وُجُوبه على غَيره وَأما الْوُجُوب على الْإِطْلَاق فَلَا وَأما الأَصْل فَلَا يسلم وَإِن سلمنَا كَانَ الْمَعْنى فِيهِ أَن قَوْله هَذِه الْعِبَادَة وَاجِبَة إِيجَابا مُطلقًا فَاقْتضى الْعُمُوم وَفِي مَسْأَلَتنَا إِيجَاب خَاص للمخاطبين فوزانه من مَسْأَلَتنَا أَن يَقُول فرضت عَلَيْكُم وأوجبت عَلَيْكُم فَلَا يدْخل هُوَ فِيهِ
وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن نقُول إِن الْإِخْبَار عَن نَفسه وَحده يجوز كَمَا لَو قَالَ كتب عَليّ وَلم يكْتب عَلَيْكُم وَفِي مَسْأَلَتنَا لَا يجوز أَن يَأْمر نَفسه وَحدهَا كَذَلِك لَا يجوز أَن يأمرها مَعَ غَيرهَا
وَلِأَن فِي الْخَبَر لَا تعْتَبر الرُّتْبَة وَفِي الْأَمر تعْتَبر الرُّتْبَة وَذَلِكَ لَا يُوجب فِي نَفسه
[ ٧٤ ]
مَسْأَلَة ١٥