وَقَالَت الأشعرية لَيْسَ للْعُمُوم صِيغَة وَمَا يرد من أَلْفَاظ الْجمع فَلَا يحمل على الْعُمُوم وَلَا على الْخُصُوص إِلَّا بِدَلِيل
وَمن النَّاس من قَالَ إِن كَانَ ذَلِك فِي الْأَخْبَار فَلَا صِيغَة لَهُ وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الْأَمر وَالنَّهْي فَلهُ صِيغَة تحمل على الْجِنْس
[ ١٠٥ ]
وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين تحمل أَلْفَاظ الْجمع على أقل الْجمع ويتوقف فِيمَا زَاد وَهُوَ قَول أبي هَاشم وَمُحَمّد بن شُجَاع الثَّلْجِي
لنا قَوْله تَعَالَى فِي قصَّة نوح ﵇ ﴿ونادى نوح ربه فَقَالَ رب إِن ابْني من أَهلِي وَإِن وَعدك الْحق﴾ فَحكى الله تَعَالَى عَن نوح أَنه تعلق بِعُمُوم اللَّفْظ وَلم يعقب ذَلِك بنكير بل ذكر أَنه أجَاب بِأَنَّهُ لَيْسَ من أَهله فَقَالَ ﴿إِنَّه لَيْسَ من أهلك إِنَّه عمل غير صَالح﴾ فَدلَّ على أَن مُقْتَضى اللَّفْظ الْعُمُوم
وَأَيْضًا مَا روى أَنه لما نزل قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ قَالَ عبد الله بن الزِّبَعْرَى لأخصمن مُحَمَّدًا فجَاء إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ قد عبدت الْمَلَائِكَة وَعبد الْمَسِيح أفيدخلون النَّار فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون﴾ فاحتج على النَّبِي ﷺ بِعُمُوم اللَّفْظ وَلَو لم يقتض اللَّفْظ الْعُمُوم لما احْتج بِهِ ولأنكر النَّبِي عَلَيْهِ احتجاجه
[ ١٠٦ ]
فَإِن قيل إِنَّمَا تعلق بِاللَّفْظِ فِيمَا ذكرْتُمْ لِأَن اللَّفْظ يصلح للْعُمُوم
قُلْنَا لَو كَانَ لصلاح اللَّفْظ لَكَانَ لَا يقطع بِأَنَّهُ يخصم مُحَمَّدًا ﵇ لِأَنَّهُ بالصلاح لَا يُمكنهُ أَن يخصم
وَأَيْضًا إِجْمَاع الصَّحَابَة ﵃ روى أَن عمر ﵁ قَالَ لأبي بكر الصّديق ﵁ فِي مانعي الزَّكَاة كَيفَ تقَاتلهمْ وَقد قَالَ النَّبِي ﵇ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله فاحتج بِعُمُوم اللَّفْظ وَلم يُنكر عَلَيْهِ أَبُو بكر وَلَا أحد من الصَّحَابَة بل عدل أَبُو بكر فِي الْجَواب إِلَى الِاسْتِثْنَاء الْمَذْكُور فِي الْخَبَر وَهُوَ قَوْله إِلَّا بِحَقِّهَا وَإِن الزَّكَاة من حَقّهَا
وروى ابْن عمر وعليا ﵉ قَالَا فِي الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ بِملك الْيَمين أَحَلَّتْهُمَا آيَة وحرمتهما آيَة وَالتَّحْرِيم أولى فحملا اللَّفْظَيْنِ على الْعُمُوم ثمَّ رجحا لفظ التَّحْرِيم
وروى أَن عُثْمَان بن مَظْعُون ﵁ أنْشد
أَلا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل وكل نعيم لَا محَالة زائل
فَقَالَ كذب فَإِن نعيم أهل الْجنَّة لَا يَزُول وَلَو لم يكن قَول الشَّاعِر اقْتضى الْعُمُوم لما جَازَ تَكْذِيبه
[ ١٠٧ ]
فَإِن قيل هَذِه أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يحْتَج بهَا فِي مسَائِل الْأُصُول
قُلْنَا وَإِن كَانَت من أَخْبَار الْآحَاد إِلَّا أَن الْأمة أَجمعت على قبُولهَا وَإِن اخْتلفت فِي الْعَمَل بهَا فَصَارَت مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهَا
وَيدل عَلَيْهِ هُوَ أَن الْعَرَب وضعت للْوَاحِد صِيغَة وللاثنين صِيغَة وللثلاثة صِيغَة فَقَالُوا رجل ورجلان وَرِجَال وَفرقت بَينهَا كَمَا فرقت بَين الْأَعْيَان فِي الِاسْم فَقَالُوا فرس وحمار وبغل فَلَو كَانَ احْتِمَال لفظ للاثنين كاحتماله لما زَاد لم يكن لهَذَا التَّفْرِيق فِي الْوَضع معنى
وَأَيْضًا هُوَ أَنه يَصح أَن يسْتَثْنى من أَلْفَاظ الْجمع كل وَاحِد من الْجِنْس فَتَقول رَأَيْت النَّاس إِلَّا زيدا وَإِلَّا عمرا وَلَو لم يقتض اللَّفْظ جَمِيع الْجِنْس لم يَصح الِاسْتِثْنَاء لِأَن الِاسْتِثْنَاء يخرج من اللَّفْظ مَا لولاه لدخل فِيهِ وَلِهَذَا لَا يَصح أَن تستثنى الْبَهَائِم من النَّاس حِين لم يدْخل فِي اللَّفْظ
فَإِن قيل إِنَّمَا حسن الِاسْتِثْنَاء لصلاح اللَّفْظ لكل وَاحِد من الْجِنْس
قيل هَذَا لَا يَصح لِأَن الِاسْتِثْنَاء لَا يخرج إِلَّا مَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظ فَإِنَّهُ مَأْخُوذ من قَوْلهم ثنيت عنان الدَّابَّة إِذْ صرفته وَقيل إِنَّه يُسمى بذلك لِأَنَّهُ تَثْنِيَة الْخَبَر بعد الْخَبَر وَأيهمَا كَانَ اقْتضى دُخُول الْمُسْتَثْنى فِي اللَّفْظ حِين نصرفه عَنهُ فِي قَول بَعضهم وثنى الْخَبَر بعد الْخَبَر فِي قَول الْبَعْض
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ حسن الِاسْتِثْنَاء لجَوَاز أَن يكون دخلا فِي اللَّفْظ لوَجَبَ أَن يَصح من النكرات كَمَا يَصح من المعارف الْمُقْتَضِيَة للْجِنْس فَلَمَّا لم يحسن ذَلِك فِي النكرات دلّ على بطلَان مَا ذَكرُوهُ
وَأَيْضًا هُوَ أَنه إِذا قَالَ لرجل من عنْدك حسن أَن يُجيب بِكُل وَاحِد من
[ ١٠٨ ]
جنس الْعُقَلَاء وَلَو لم يكن اللَّفْظ عَاما فِي الْجِنْس لما صَار مجيبا بِكُل وَاحِد من الْجِنْس لجَوَاز أَن يكون المسؤول عَنهُ غير الَّذِي أجَاب بِهِ
فَإِن قيل إِنَّمَا حسن أَن يُجيب بِكُل وَاحِد من الْجِنْس لِأَن اللَّفْظ يصلح لكل وَاحِد مِنْهُم
قيل اللَّفْظ يصلح لمن أجَاب بِهِ وَلغيره فَيجب أَن لَا يَصح الْجَواب حَتَّى يعلم مُرَاد السَّائِل وَيدل عَلَيْهِ أَنه لَو قَالَ من دخل الدَّار فَلهُ دِرْهَم أَو من رد عَبدِي الْآبِق فَلهُ دِرْهَم اسْتحق كل من وجد ذَلِك مِنْهُ الْعَطاء فَدلَّ على أَن اللَّفْظ يَقْتَضِي الْكل
وَأَيْضًا هُوَ أَن الْعُمُوم مِمَّا تَدْعُو الْحَاجة إِلَى الْعبارَة عَنهُ وتعم الْبلوى بِهِ فِي مصَالح الدَّين وَالدُّنْيَا فَيجب أَن يكون وضع لَهُ لفظ يدل عَلَيْهِ كَمَا وضعُوا لسَائِر مَا دعت الْحَاجة إِلَى الْعبارَة عَنهُ من الْأَعْيَان وَغَيرهَا
فَإِن قيل فقد وضع لَهُ مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ التَّأْكِيد
قيل إِذا سلمتم أَن أَلْفَاظ التَّأْكِيد تدل على الْعُمُوم فقد سلمتم الْمَسْأَلَة لِأَن التَّأْكِيد لَا يدل إِلَّا على مَا يدل عَلَيْهِ الْمُؤَكّد وَلَا يُفِيد إِلَّا مَا أَفَادَهُ فَإِذا كَانَ لفظ التَّأْكِيد يَقْتَضِي الْعُمُوم دلّ على أَن الْمُؤَكّد اقْتَضَاهُ
فَإِن قيل نعلم الْعُمُوم بالأحوال والعادات فيستغني بهَا عَن لفظ يوضع لَهُ
قيل هَذَا لَا يَصح لِأَن هَذَا يخْتَص بِمن بَيْننَا وَبَينه عَادَة فِي الْخطاب فَأَما من جِهَة الله تَعَالَى فَلَا يُمكن معرفَة الْعُمُوم إِذْ لَا عَادَة بَيْننَا وَبَينه وَكَذَلِكَ لَا يُمكن معرفَة ذَلِك فِيمَا ينْقل إِلَيْنَا من الْأَخْبَار لِأَنَّهَا لَا تنقل مَعَ أحوالها وَلَا عَادَة بَيْننَا وَبَين الْمُتَكَلّم فِيمَا ينْقل إِلَيْنَا
فَإِن قيل هَذَا يبطل بالطعوم والروائح فَإِن الْحَاجة ماسة إِلَى تمييزها والعبارة عَنْهَا ثمَّ لم يضعوا لكل وَاحِد مِنْهَا عبارَة تدل عَلَيْهِ
قيل قد وضعُوا لذَلِك مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ الْإِضَافَة فَقَالُوا طعم الشهد
[ ١٠٩ ]
وَطعم السفرجل وَطعم الْخبز وَطعم المَاء وحلاوة السكر وحلاوة الْعَسَل ورائحة الْمسك ورائحة الكافور وَغير ذَلِك
فَأَما من فرق بَين الْأَخْبَار وَبَين الْأَمر وَالنَّهْي فَلَا وَجه لقَوْله لِأَن مَا وضع للْعُمُوم فِي اللَّفْظ لم يخْتَلف فِيهِ الْخَبَر وَالْأَمر وَالنَّهْي
أَلا ترى أَنه لَا فرق بَين أَن يَقُول من دخل الدَّار فَأكْرمه وَبَين أَن يَقُول من دخل الدَّار أكرمته وَإِن كَانَ أَحدهمَا أمرا وَالْآخر خَبرا فَدلَّ على فَسَاد مَا قَالُوهُ
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِثْبَات صِيغَة الْعُمُوم من أَن يكون بِالْعقلِ أَو بِالنَّقْلِ
وَلَا يجوز إِثْبَاتهَا بِالْعقلِ لِأَنَّهُ لَا مجَال لَهُ فِي إِثْبَات اللُّغَات
وَلَا يجوز أَن يكون بِالنَّقْلِ لِأَن النَّقْل تَوَاتر وآحاد وَلَا تَوَاتر فِيهِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ لعلمناه كَمَا علمْتُم والآحاد لَا يقبل فِي مسَائِل الْأُصُول فَبَطل إِثْبَاتهَا
قُلْنَا هَذَا يَنْقَلِب عَلَيْكُم فِي إِثْبَات الِاشْتِرَاك بَين الْخُصُوص والعموم فِي هَذِه الْأَلْفَاظ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو من أَن يكون بِالْعقلِ وَلَا مجَال لَهُ فِيهِ أَو بِالنَّقْلِ وَالنَّقْل تَوَاتر وآحاد وَلَا تَوَاتر فِيهِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ لعلمناه كَمَا علمْتُم والآحاد لَا يقبل فِي إِثْبَات اللُّغَة
وعَلى أَنا قد بَينا ذَلِك بطرق من جِهَة النَّقْل تجْرِي مجْرى التَّوَاتُر وَقد بيناها فأغنى عَن الْإِعَادَة
قَالُوا وَلِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ ترد وَالْمرَاد بهَا الْبَعْض وَترد وَالْمرَاد بهَا الْكل فَلم يكن حملهَا على أَحدهمَا بِأولى من الآخر فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهَا كَمَا تَقول فِي الْأَسْمَاء الْمُشْتَركَة من اللَّوْن وَالْعين وَغَيرهَا
قُلْنَا لَا يمْنَع أَن يسْتَعْمل اللَّفْظ فيهمَا ثمَّ هُوَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا دون الآخر
[ ١١٠ ]
كالحمار يسْتَعْمل فِي الرجل البليد وَيسْتَعْمل فِي الْبَهِيمَة الْمَعْرُوفَة ثمَّ هُوَ حَقِيقَة فِي الْبَهِيمَة وَكَذَلِكَ الْبَحْر يسْتَعْمل فِي الرجل الْجواد وَفِي المَاء الْمُجْتَمع الْكثير ثمَّ هُوَ حَقِيقَة فِي المَاء الْمُجْتَمع
قَالُوا وَلِأَن هَذِه الْأَلْفَاظ لَا تسْتَعْمل فِي أَكثر الْمَوَاضِع إِلَّا فِي الْبَعْض دون الْكل
أَلا ترى أَنه يُقَال أغلق النَّاس وَفتح النَّاس وافتقر النَّاس وَجمع السُّلْطَان التُّجَّار وَالْمرَاد فِي ذَلِك كُله الْبَعْض وَلَو كَانَ اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْعُمُوم لَكَانَ أَكثر كَلَام النَّاس مجَازًا
قُلْنَا يجوز أَن يكون اللَّفْظ حَقِيقَة فِي معنى ثمَّ يسْتَعْمل فِي غَيره
أَلا ترى أَن الْغَائِط حَقِيقَة فِي الْموضع المطمئن من الأَرْض ثمَّ يسْتَعْمل أَكثر فِي الْخَارِج من الْإِنْسَان وَكَذَلِكَ الشجاع حَقِيقَة فِي الْحَيَّة ثمَّ أَكثر مَا يسْتَعْمل فِي الرجل البطل فَبَطل مَا قَالُوهُ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اللَّفْظ حَقِيقَة فِي الْجِنْس لما حسن فِيهِ الِاسْتِفْهَام فَتَقول أردْت بِهِ الْكل كَمَا لَا يحسن فِي الْأَعْدَاد كالعشرة وَغَيرهَا
قُلْنَا حسن الِاسْتِفْهَام لَا يدل على أَن اللَّفْظ لَيْسَ بِحَقِيقَة فِي شَيْء بِعَيْنِه
أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ رَأَيْت بحرا حسن فِيهِ الِاسْتِفْهَام بِأَن تَقول رَأَيْت مَاء كثيرا أَو رجلا جوادا ثمَّ هُوَ حَقِيقَة فِي المَاء الْكثير وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ أعْط فلَانا مائَة ألف حسن أَن يستفهم فَيَقُول مائَة ألف دِرْهَم وَلَا يدل على أَن ذَلِك لَيْسَ بِحَقِيقَة فِيهِ
وَلِأَنَّهُ إِنَّمَا حسن الِاسْتِفْهَام لِأَن اللَّفْظ يحْتَمل الْعُمُوم وَغَيره فَجَاز أَن يستفهم ليزول الِاحْتِمَال
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَت هَذِه الْأَلْفَاظ حَقِيقَة فِي الْجِنْس لوَجَبَ إِذا دلّ الدَّلِيل على أَنه أَرَادَ بِهِ الْبَعْض أَن يصير مجَازًا لِأَنَّهُ يسْتَعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ
[ ١١١ ]
قُلْنَا الْمجَاز مَا تجوز بِهِ عَمَّا وضع لَهُ كالحمار حَقِيقَة فِي الْبَهِيمَة ثمَّ يتجوز بِهِ فِي الرجل البليد فَيكون مجَازًا فِيهِ وَأما لفظ الْعُمُوم فَمَا تجوز بِهِ عَمَّا وضع لَهُ وَإِنَّمَا حمل على بعض مَا يَقْتَضِيهِ فَلم يصر مجَازًا فِيمَا تبقى كَمَا لَو قَالَ عَليّ عشرَة إِلَّا خَمْسَة
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اللَّفْظ يَقْتَضِي استغراق الْجِنْس لوَجَبَ أَن يكون تَخْصِيص بعضه يُوجب كذب الْمُتَكَلّم بِهِ كَمَا إِذا قَالَ رَأَيْت عشرَة ثمَّ بَان أَنه رأى خَمْسَة عد كَاذِبًا
قُلْنَا هَذَا يبطل بِهِ إِذا قَالَ أقبل عشرَة أنفس ثمَّ خص بَعضهم فَإِن اللَّفْظ تنَاول الْعشْرَة ثمَّ تَخْصِيصه لَا يُوجب الْكَذِب
وَلِأَن على قَول من قَالَ من أَصْحَابنَا تَأْخِير الْبَيَان عَن وَقت الْخطاب لَا يجوز لَهُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِب لِأَنَّهُ يكون مُقَارنًا للفظ فَيصير كالاستثناء مَعَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ وعَلى قَول من أجَاز تَأْخِير الْبَيَان لَا يلْزم لِأَن الصدْق وَالْكذب إِنَّمَا هُوَ فِي الْأَخْبَار وعَلى قَول أَصْحَابنَا لَا يجوز تَخْصِيص الْأَخْبَار وَإِنَّمَا يجوز تَخْصِيص الْأَمر وَالنَّهْي والصدق وَالْكذب لَا يدخلَانِ فِي ذَلِك فَإِذا خص شَيْء مِنْهُ كَانَ نسخا لَهُ وَمن أَصْحَابنَا من أجَاز تَخْصِيص الْأَخْبَار فعلى هَذَا أَيْضا لَا يُؤَدِّي إِلَى الْكَذِب لأم كَلَام صَاحب الشَّرْع وَإِن تَأَخّر بعضه عَن بعض كالاستثناء مَعَ الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَلَا يُؤَدِّي إِلَى مَا ذَكرُوهُ وَلِهَذَا يُطلق الْأَمر فِي الشَّرْع ثمَّ يرد مَا يسْقطهُ وَهُوَ النّسخ وَلَا يعد ذَلِك بداء وَلَو كَانَ فِي غير أَلْفَاظ صَاحب الشَّرْع أَو ورد مثل هَذَا عد بداء
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ هَذَا اللَّفْظ مَوْضُوعا للْعُمُوم لما جَازَ تَخْصِيصه من الْكتاب بِالسنةِ وَالْقِيَاس لِأَنَّهُ إِسْقَاط مَا ثَبت بِالْقُرْآنِ وَذَلِكَ لَا يجوز بِالسنةِ وَالْقِيَاس كَمَا لَا يجوز النّسخ بهما
[ ١١٢ ]
قُلْنَا النّسخ إِسْقَاط اللَّفْظ فَلم يجز إِلَّا بِمثلِهِ أَو بِمَا هُوَ أقوى مِنْهُ والتخصيص بَيَان حكم اللَّفْظ فَجَاز بِمَا دونه
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ اللَّفْظ يَقْتَضِي الْجِنْس لَكَانَ لَا يُوجد إِلَّا وَهُوَ يَقْتَضِيهِ كَمَا أَن الْعلَّة لما كَانَت مقتضية للْحكم لم يجز وجودهَا إِلَّا وَهِي مقتضية لَهُ
قُلْنَا هَذَا الدَّلِيل إِنَّمَا يَصح لَو لم يجز اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ فَأَما إِذا جَازَ اسْتِعْمَال اللَّفْظ فِي غير مَا وضع لَهُ لم يكن وجود الصِّيغَة غير مقتضية للْعُمُوم دَلِيلا على أَن الصِّيغَة غير مَوْضُوعَة للْعُمُوم
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يُقَال هَذَا لوَجَبَ أَن يُقَال إِن الْحمار لَيْسَ بموضوع للبهيمة الْمَخْصُوصَة لِأَنَّهُ قد يسْتَعْمل فِي غير الْبَهِيمَة وَهُوَ الرجل البليد وَفِي إجماعنا على فَسَاد هَذَا دَلِيل على بطلَان مَا ذَكرُوهُ على أَن اللَّفْظ الْمُقْتَضِي للاستغراق هُوَ الصِّيغَة الْمُجَرَّدَة عَن الْقَرِينَة وَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُوجد إِلَّا وَهِي تَقْتَضِي الْجِنْس كَمَا لَا يجوز أَن تُوجد الْعلَّة أَلا وَهِي تَقْتَضِي الحكم فَأَما مَا اقْترن بِهِ قرينَة التَّخْصِيص فَغير مقتضية للْجِنْس فَهِيَ بِمَنْزِلَة وجود الْعلَّة يجوز وجوده غير مُقْتَض للْحكم
وَاحْتج من حمل اللَّفْظ على الثَّلَاثَة ووقف فِيمَا زَاد بِأَن الثَّلَاثَة أقل الْجمع فحملنا اللَّفْظ عَلَيْهِ وَمَا زَاد مَشْكُوك فِيهِ فَلَا يحمل اللَّفْظ عَلَيْهِ من غير دَلِيل
الْجَواب أَن قَوْلهم إِن الثَّلَاثَة أقل الْجمع مُسلم وَأَن مَا زَاد عَلَيْهِ مَشْكُوك فِيهِ دَعْوَى تحْتَاج إِلَى دَلِيل على أَن الَّذِي اقْتضى حمل اللَّفْظ على الثَّلَاثَة يَقْتَضِي حمله على مَا زَاد وَذَلِكَ أَن اللَّفْظ مَوْضُوع للثَّلَاثَة وَلما زَاد عَلَيْهِ لَا يخْتَص بِبَعْض الْأَعْدَاد دون بعض فَوَجَبَ حمله على الْجَمِيع
وَلِأَنَّهُ لَو جَازَ أَن يقْتَصر على ثَلَاثَة لِأَنَّهُ مُتَيَقن لوَجَبَ أَن يُقَال فِي أَسمَاء الْأَعْدَاد كالعشرات والمائين إِنَّهَا تحمل على ثَلَاثَة لِأَنَّهَا متيقنة ويتوقف فِي الزِّيَادَة وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَبَطل مَا قَالُوهُ
[ ١١٣ ]
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ لفظ الْجمع يَقْتَضِي الْعُمُوم لوَجَبَ إِذا قَالَ لفُلَان عَليّ دَرَاهِم أَن لَا يقبل مِنْهُ ثَلَاثَة
الْجَواب أَن قَوْله لفُلَان عَليّ دَرَاهِم نكرَة وَمثل هَذَا لَا يَقْتَضِي عندنَا الْجِنْس وَإِنَّمَا الَّذِي يَقْتَضِي الْجِنْس إِذا تعرف بِالْألف وَاللَّام
على أَنا لم نحمل ذَلِك على الْجِنْس فِي الْإِقْرَار بِدَلِيل دلّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنه يعلم بطرِيق الْعرف وَالْعَادَة أَنه لَا يجوز أَن يكون مُرَاده جنس الدَّرَاهِم إِذْ لَا يجوز أَن يكون قد أتلف عَلَيْهِ كل دِرْهَم فِي الأَرْض واستقرض ذَلِك مِنْهُ فَلم يحمل على الْعُمُوم لدلَالَة الْعرف وَلَيْسَ إِذا لم يحمل اللَّفْظ على مُقْتَضَاهُ لدلَالَة اقترنت بِهِ لم يحمل على مُقْتَضَاهُ فِيمَا لم تقترن بِهِ دلَالَة وَقد قيل إِن الْإِقْرَار إِنَّمَا لم يحمل على الْجِنْس لِأَنَّهُ قَامَ عَلَيْهِ دَلِيل أَنه لم يرد بِهِ الْجِنْس وَهُوَ التَّمْيِيز فوزانه فِي مَسْأَلَتنَا أَن يرد لَهُ لفظ الْعُمُوم ثمَّ نقُول الدّلَالَة على الْخُصُوص فَيحمل عَلَيْهِ وَهَاهُنَا تجرد اللَّفْظ عَن الدّلَالَة فَهُوَ كَمَا لَو أقرّ بِالدَّرَاهِمِ وَلم يحلف فَيحمل اللَّفْظ على مَا يَدعِيهِ الْمُدَّعِي من قَلِيل وَكثير
[ ١١٤ ]
مَسْأَلَة ٢