وَقَالَ أَحْمد لَا يَصح اسْتثِْنَاء النّصْف فَمَا زَاد عَلَيْهِ وَبِه قَالَ ابْن درسْتوَيْه
لنا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان إِلَّا من اتبعك من الغاوين﴾
[ ١٦٨ ]
ثمَّ قَالَ ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادك مِنْهُم المخلصين﴾ فاستثنى الغاوين من الْعباد والعباد من الغاوين وَأيهمَا كَانَ أَكثر فقد اسْتَثْنَاهُ من الآخر فَدلَّ على جَوَازه
وَلِأَنَّهُ معنى يخرج من الْعُمُوم مَا لولاه لدخل فَجَاز فِي الْأَكْثَر كالتخصيص وَلِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء بعض مَا اقْتَضَاهُ الْعُمُوم فصح كالأقل
وَاحْتَجُّوا بِأَن طَرِيق الِاسْتِثْنَاء اللُّغَة وَلم يسمع ذَلِك فِي الْأَكْثَر فَوَجَبَ أَن لَا يجوز
قُلْنَا لَا نسلم بل قد سمع ذَلِك فِي اللُّغَة قَالَ الشَّاعِر
أَدّوا الَّتِي نقضت تسعين من مائَة ثمَّ ابْعَثُوا حكما بِالْحَقِّ قوالا
وَهَذَا فِي معنى الِاسْتِثْنَاء لِأَنَّهُ تَقْدِيره مائَة إِلَّا تسعين
وَلِأَنَّهُ وَإِن لم يسمع من أهل اللُّغَة إِلَّا أَن الْقُرْآن قد نزل بِهِ على مَا بَيناهُ وَالْقُرْآن أقوى مَا رَجَعَ إِلَيْهِ فِي معرفَة اللُّغَة
وَلِأَنَّهُ لَو لم يسمع لَكَانَ ذَلِك فِي معنى المسموع لِأَن الْقَصْد من الِاسْتِثْنَاء الِاسْتِدْرَاك على نَفسه فِيمَا أوردهُ من القَوْل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي الْقَلِيل وَالْكثير فَكَانَ حكم أَحدهمَا كَحكم الآخر يبين صِحَة هَذَا هُوَ أَنا لم نسْمع مِنْهُم الِاسْتِثْنَاء فِي كل جنس وَفِي كل عدد لَكِن لما عرفنَا غرضهم فِيمَا سمعناه من كَلَامهم حملنَا عَلَيْهِ كل عدد وكل جنس فَكَذَلِك هَاهُنَا
قَالُوا وَلِأَن كَلَام الْعَرَب مَوْضُوع على الِاخْتِصَار وَلَيْسَ من الِاخْتِصَار أَن يَقُول لَهُ عَليّ عشرَة إِلَّا تِسْعَة وَنصفا ويمكنه أَن يَقُول عَليّ نصف دِرْهَم
قُلْنَا هم يبسطون الْكَلَام تَارَة ويختصرونه أُخْرَى وَلَهُم بِالْجَمِيعِ عَادَة فَلَا يجوز إِسْقَاط إِحْدَى العادتين بِالْأُخْرَى
[ ١٦٩ ]
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي هَذَا دَلِيل على أَنه لَا يجوز اسْتثِْنَاء الْأَكْثَر لم يجز أَن يَجْعَل دَلِيلا على أَنه يجوز اسْتثِْنَاء الْأَقَل لِأَنَّهُ لَيْسَ من الِاخْتِصَار أَنه يجمع بَين النَّفْي وَالْإِثْبَات وَيذكر عددين فَيَقُول عَليّ عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة ويمكنه أَن يقْتَصر على الْإِثْبَات فَيَقُول لَهُ عَليّ سِتَّة وَلما أجمعنا على جَوَاز ذَلِك دلّ على بطلَان مَا قَالُوهُ
قَالُوا وَلِأَن عَادَة الْعَرَب فِي الْكَلَام إِذا ضمُّوا مَجْهُولا إِلَى مَعْلُوم أَن يبنوا الْأَمر على التَّقْرِيب فَإِذا كَانَ الْمَجْهُول قَرِيبا من العقد ذكرُوا العقد واستثنوا الْمَجْهُول وَإِن كَانَ بَعيدا مِنْهُ ضموه إِلَى مَا قبله من الْعدَد وَلم يستثنوه فَيَقُولُونَ فِيمَا قرب من العقد كران إِلَّا شَيْئا وَفِيمَا بعد من العقد كرّ حِنْطَة وَشَيْء وَلِهَذَا حمل الشَّافِعِي ﵀ قَول ابْن جريج فِي تَقْدِير الْقلَّة بالقربتين وَشَيْء الشَّيْء على دون النّصْف ثمَّ بلغ بِهِ النّصْف احْتِيَاطًا للْمَاء فَدلَّ على أَنه لَا يَسْتَثْنِي إِلَّا الْأَقَل
قُلْنَا هَذَا هُوَ الدَّلِيل عَلَيْكُم لأَنهم إِذا ضمُّوا مَجْهُولا إِلَى عقد ثمَّ فسر ذَلِك بِمَا يُقَارب العقد الثَّانِي جَازَ وَهُوَ أَن يَقُول لَهُ عَليّ كرّ وَشَيْء ثمَّ يُفَسر الشَّيْء بِأَكْثَرَ من النّصْف
وَإِن كَانَت الْعَادة أَن لَا يضم الْمَجْهُول إِلَى العقد الأول إِلَّا إِذا كَانَ أقل من
[ ١٧٠ ]
النّصْف فَكَذَلِك يجوز اسْتثِْنَاء الْمَجْهُول من العقد الثَّانِي ثمَّ يُفَسر ذَلِك بِمَا زَاد على النّصْف وَإِن كَانَت الْعَادة فِيهِ خلاف ذَلِك
وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ جَوَاز الِاسْتِثْنَاء يعْتَبر بِمَا يعتادونه من كَلَامهم من ضم الْمَجْهُول إِلَى الْجُمْلَة واستثنائه مِنْهَا لوَجَبَ أَن لَا يجوز اسْتثِْنَاء الشَّيْء الْيَسِير من الْجُمْلَة فَإِنَّهُم لَا يَقُولُونَ فِي الْعَادة عَليّ عشرَة إِلَّا شَيْئا ويريدون بِهِ اسْتثِْنَاء أَرْبَعَة مِنْهَا وَلما أجمعنا على جَوَاز اسْتثِْنَاء أَرْبَعَة من الْعشْرَة دلّ على بطلَان مَا ذَكرُوهُ
[ ١٧١ ]
مَسْأَلَة ٤