وَقَالَت البراهمة لَا يَقع الْعلم بالأخبار المتواترة
لنا هُوَ أَن الْإِنْسَان يجد نَفسه عَالِمَة بِمَا يسمع من أَخْبَار الْبلدَانِ النائية والأمم السالفة كَمَا يجدهَا عَالِمَة بِمَا يحس بهَا من المحسوسات وَمن أنكر ذَلِك كَانَ بِمَنْزِلَة من أنكر المشاهدات
وَاحْتَجُّوا أَن كل وَاحِد من الْعدَد الْمُتَوَاتر يجوز عَلَيْهِ الصدْق وَالْكذب فَإِذا انْضَمَّ بَعضهم إِلَى بعض لم يتَغَيَّر حَاله فِي خَبره فَوَجَبَ أَن لَا يَقع الْعلم بخبرهم
قُلْنَا لَيْسَ إِذا جَازَ ذَلِك على كل وَاحِد مِنْهُم إِذا انْفَرد جَازَ عَلَيْهِم الِاجْتِمَاع أَلا ترى أَن كل وَاحِد من الْجَمَاعَة إِذا انْفَرد يجوز أَن يعجز عَن حمل الشَّيْء الثقيل ثمَّ لَا يجوز أَن يعْجزُوا عَن ذَلِك عِنْد الِاجْتِمَاع
وَلِأَنَّهُ عِنْد الِانْفِرَاد يجوز أَن يَدْعُو كل وَاحِد مِنْهُم إِلَى الْكَذِب فيكذب وَعند الِاجْتِمَاع لَا يجوز أَن تتفق دواعيهم على الْكَذِب
[ ٢٩١ ]
قَالُوا وَلِأَن كل وَاحِد مِنْهُم عِنْد الِاجْتِمَاع يقدر على الْكَذِب كَمَا يقدر عِنْد الِانْفِرَاد فَإِذا لم يَقع الْعلم بخبرهم حَال الِانْفِرَاد لم يَقع على الِاجْتِمَاع
قُلْنَا وَإِن كَانُوا قَادِرين على الْكَذِب إِلَّا أَنه مَعَ كثرتهم وَاخْتِلَاف هممهم لَا يتفقون على فعله كَمَا أَن كل وَاحِد مِنْهُم يقدر على السّرقَة وَالزِّنَا وَالْقَتْل وَلَا يتفقون على فعلهَا
قَالُوا وَلِأَنَّهُ إِذا جَازَ اتِّفَاق الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة على الْخَطَأ من حَيْثُ الِاجْتِهَاد وهم أَصْحَاب الطبائع والفلاسفة جَازَ اتِّفَاقهم على الْخَطَأ فِي خبرهم
قُلْنَا ذَاك يدْرك بِالِاجْتِهَادِ فَجَاز أَن يغلطوا فِيهِ وَالْخَبَر طَرِيقه السماع والمشاهدة فَلَا يجوز أَن يتَّفق الْخلق الْعَظِيم على الْخَطَأ فِيهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ الْعلم يَقع بالأخبار لوَجَبَ أَن يَقع الْعلم بِخَبَر الْيَهُود عَن مُوسَى ﵇ وَالنَّصَارَى عَن عِيسَى وَالْمَجُوس عَن إِدْرِيس وَالرَّوَافِض عَن أئمتها
قُلْنَا من شَرط التَّوَاتُر أَن يكون النقلَة عددا لَا يَصح التواطؤ مِنْهُم على الْكَذِب وَأَن يَسْتَوِي طرفاه ووسطه وَهَذِه الشُّرُوط لم تتكامل فِيمَا يَرْوُونَهُ هَؤُلَاءِ لِأَن روايتهم ترجع إِلَى عدد يسير فَلهَذَا لم يَقع الْعلم بخبرهم
قَالُوا لَو كَانَ الْعلم يَقع بالْخبر الْمُتَوَاتر لوَجَبَ إِذا تعَارض خبران على التَّوَاتُر أَن يَقع بِهِ علمَان متضادان وَهَذَا محَال
قُلْنَا لَا يتَصَوَّر أَن يتَّفق خبران فِي شَيْء وَاحِد متضادان فَسقط مَا قَالُوهُ
[ ٢٩٢ ]
مَسْأَلَة ٣