قَالَ القَاضِي عضد الدّين: (قد قَالَ النُّحَاة: إِن الْحَرْف لَا يسْتَقلّ بِالْمَعْنَى، وَعَلِيهِ إِشْكَال، فنقرر المُرَاد أَولا، وَالْإِشَارَة إِلَى الْإِشْكَال ثَانِيًا، وحله ثَالِثا.
أما تَقْرِيره: فَهُوَ أَن نَحْو: " من " و" إِلَى "، مَشْرُوط فِي وَضعهَا دَالَّة على مَعْنَاهَا الإفرادي، وَهُوَ الِابْتِدَاء والانتهاء ذكر متعلقها من دَار أَو سوق أَو غَيرهمَا مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ الْحَرْف وَمِنْه الِابْتِدَاء وَإِلَيْهِ الإنتهاء، وَالِاسْم نَحْو: الِابْتِدَاء والانتهاء، وَالْفِعْل نَحْو: ابْتَدَأَ وانْتهى، غير مَشْرُوط فِيهِ ذَلِك.
وَأما الْإِشْكَال: فَهُوَ أَن نَحْو: " ذُو " و" أولو " و" أولات " و" قيد " و" [قيس] " و" قاب " و" أَي " و" بعض " و" كل " و" فَوق " و" تَحت " و" أَمَام " و" قُدَّام " و" خلف " و" وَرَاء " مِمَّا لَا يُحْصى، كَذَلِك إِذْ لم يجوز الْوَاضِع اسْتِعْمَالهَا إِلَّا بمتعلقاتها، فَكَانَ يجب كَونهَا حروفًا، وَإِنَّهَا أَسمَاء.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
وَأما الْحل: فَهُوَ أَنَّهَا وَإِن لم يتَّفق اسْتِعْمَالهَا إِلَّا كَذَلِك لأمر مَا عرض، فَغير مَشْرُوط فِي وَضعهَا دَالَّة ذَلِك، لما علم أَن " ذُو " بِمَعْنى صَاحب، وَيفهم مِنْهُ عِنْد الْإِفْرَاد ذَلِك، لَكِن وَضعه لَهُ لغَرَض مَا، وَهُوَ التواصل بِهِ إِلَى الْوَصْف بأسماء الْأَجْنَاس فِي نَحْو: زيد ذُو مَال، وَذُو فرس، فَوَضعه ليتوصل بِهِ إِلَى ذَلِك، هُوَ الَّذِي اقْتضى ذكر الْمُضَاف إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَو ذكر دونه لم يدل على مَعْنَاهُ.
نعم لم يحصل الْغَرَض من وَضعه، وَالْفرق بَين عدم فهم الْمَعْنى، وَبَين عدم فَائِدَة الْوَضع مَعَ فهم الْمَعْنى ظَاهر.
وَكَذَلِكَ " فَوق "، وضع لمَكَان لَهُ علو، وَيفهم مِنْهُ عِنْد الِانْفِرَاد ذَلِك، لَكِن وَضعه لَهُ ليتوصل إِلَى علو خَاص اقْتضى ذكر الْمُضَاف إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ بَاقِي الْأَلْفَاظ.
وَإِذ قد تحقق ذَلِك؛ فَنَقُول: الْحَرْف مَا وضع بِاعْتِبَار معنى عَام، وَهُوَ نوع من النِّسْبَة: كالابتداء والانتهاء، لكل ابْتِدَاء وانتهاء معِين بِخُصُوصِهِ.
وَالنِّسْبَة لَا تتَعَيَّن إِلَّا بالمنسوب إِلَيْهِ، فالابتداء الَّذِي لِلْبَصْرَةِ يتَعَيَّن بِالْبَصْرَةِ، والانتهاء الَّذِي للكوفة يتَعَيَّن بِالْكُوفَةِ، فَمَا لم يذكر مُتَعَلّقه لَا يتَحَصَّل فَرد من ذَلِك النَّوْع [الَّذِي] هُوَ مَدْلُول الْحَرْف لَا فِي الْعقل وَلَا فِي الْخَارِج، وَإِنَّمَا يتَحَصَّل بالمنسوب إِلَيْهِ، فيتعقل بتعقله، بِخِلَاف مَا وضع للنوع بِعَيْنِه: كالابتداء والانتهاء، وَبِخِلَاف مَا وضع لذات مَا بِاعْتِبَار نِسْبَة نَحْو: " ذُو " و" فَوق "، و" على " و" عَن " و" الْكَاف " إِذا أُرِيد بهَا علو وَتجَاوز وَشبه مُطلقًا، فَهُوَ كالابتداء والانتهاء) انْتهى.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
تَنْبِيه: المُرَاد بالحروف هُنَا: مَا يحْتَاج الْفَقِيه إِلَى مَعْرفَتهَا، وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا قسيم الِاسْم وَالْفِعْل والحرف بِخُصُوصِهِ، لِأَنَّهُ قد ذكر مَعهَا أَسمَاء ك " إِذا " و" إِذْ "، وَأطلق عَلَيْهَا حروفًا تَغْلِيبًا بِاعْتِبَار الْأَكْثَر، وَقَالَ الصفار: (الْحَرْف يُطلقهُ سِيبَوَيْهٍ على الِاسْم وَالْفِعْل) .
قَوْله: ﴿الْوَاو العاطفة لمُطلق الْجمع﴾ .
أَي: للقدر الْمُشْتَرك بَين التَّرْتِيب والمعية، ﴿عِنْد الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَغَيرهم﴾، وَعَلِيهِ أَكثر النُّحَاة، وَذكره الْفَارِسِي، والسيرافي،
[ ٢ / ٦٠٠ ]
والسهيلي، إِجْمَاع نحاة الْبَصْرَة والكوفة.
فَلَا تدل على تَرْتِيب وَلَا معية، وَهِي تَارَة تعطف الشَّيْء على مصاحبه كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فأنجيناه وَأَصْحَاب السَّفِينَة﴾ [العنكبوت: ١٥]، وعَلى سابقه: ﴿وَلَقَد أرسلنَا نوحًا وَإِبْرَاهِيم﴾ [الْحَدِيد: ٢٦] وعَلى لاحقه: ﴿كَذَلِك يُوحى إِلَيْك وَإِلَى الَّذين من قبلك﴾ [الشورى: ٣]، وَقد اجْتمعَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا من النبين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ [الْأَحْزَاب: ٧] .
وعَلى هَذَا إِذا قيل: قَامَ زيد وَعَمْرو، احْتمل ثَلَاثَة معَان: الْمَعِيَّة، وَالتَّرْتِيب، وَعَدَمه.
قَالَ ابْن مَالك: (وَكَونهَا للمعية رَاجِح، وللترتيب كثير، ولعكسه قَلِيل) .
وَيجوز أَن يكون [بَين] متعاطفيها تفَاوت أَو تراخ، نَحْو: ﴿إِنَّا رادوه إِلَيْك وجاعلوه من الْمُرْسلين﴾ [الْقَصَص: ٧] .
[ ٢ / ٦٠١ ]
تَنْبِيه: التَّعْبِير بِكَوْنِهَا لمُطلق الْجمع هُوَ الصَّحِيح فِي الْعبارَة، وَلَا يَصح التَّعْبِير عَنْهَا بِأَنَّهَا للْجمع الْمُطلق، لِأَنَّهُ لَا يَفِي بالمراد، [وَإِن] / كَانَ قد عبر بذلك ابْن الْحَاجِب، والبيضاوي، وَجمع؛ لِأَن الْمُطلق هُوَ الَّذِي لم يُقيد بِشَيْء، فَيدْخل فِيهِ صُورَة وَاحِدَة وَهُوَ قَوْلنَا مثلا: قَامَ زيد وَعَمْرو، وَلَا يدْخل فِيهِ الْقَيْد بالمعية، وَلَا بالتقديم، وَلَا بِالتَّأْخِيرِ، لخروجها بالتقييد عَن الْإِطْلَاق، وَأما مُطلق الْجمع فَمَعْنَاه: أَي جمع كَانَ، فَحِينَئِذٍ تدخل فِيهِ الصُّور كلهَا.
وَقد قَالَ ابْن الْقيم فِي " بَدَائِع الْفَوَائِد ": (الْأَمر الْمُطلق، وَالْجرْح الْمُطلق، وَالْعلم الْمُطلق، وَالتَّرْتِيب الْمُطلق، وَالْبيع الْمُطلق، وَالْمَاء الْمُطلق، وَالْملك الْمُطلق؛ غير مُطلق الْأَمر، وَالْجرْح، وَالْعلم، إِلَى آخرهَا.
وَالْفرق بَينهمَا من وُجُوه:
أَحدهَا: أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يَنْقَسِم إِلَى أَمر إِيجَاب وَندب وَنَحْوهمَا، فَلَا يكون [موردًا للتقسيم]، وَمُطلق الْأَمر يَنْقَسِم إِلَى أَمر إِيجَاب وَأمر ندب، فمطلق الْأَمر يَنْقَسِم، وَالْأَمر الْمُطلق غير منقسم.
الثَّانِي: أَن الْأَمر الْمُطلق فَرد من أَفْرَاد مُطلق الْأَمر، وَلَا ينعكس.
[ ٢ / ٦٠٢ ]