﴿مبدأ اللُّغَات تَوْقِيف من الله تَعَالَى، بإلهام، أَو وَحي، أَو كَلَام، عِنْد أبي الْفرج، والموفق والطوفي، وَابْن قَاضِي الْجَبَل، والظاهرية، والأشعرية، قَالَ فِي " الْمقنع ": (وَهُوَ الظَّاهِر عندنَا) .
أَبُو هَاشم وَجمع: اصطلاحية، وَضعهَا وَاحِد أَو جمَاعَة، وَعرف الْبَاقُونَ بِإِشَارَة وتكرار.
الْأُسْتَاذ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ توقيفي، وَغَيره [مُحْتَمل أَو اصْطِلَاح] .
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وَقيل: عَكسه.
ابْن عقيل [وَجمع]: بَعْضهَا تَوْقِيف، وَبَعضهَا اصْطِلَاح، وَعِنْده: الِاصْطِلَاح بعد خطابه تَعَالَى.
القَاضِي، وأبوالخطاب، والباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَابْن برهَان، وَجمع: الْكل مُمكن. ووقف قوم﴾ .
هَذَا نقل الْعلمَاء فِي هَذِه الْمَسْأَلَة.
فَأَبُو هَاشم وَجَمَاعَة قَالُوا: هِيَ اصطلاحية، وَضعهَا وَاحِد أَو جمَاعَة / وَعرف الْبَاقُونَ بِإِشَارَة وتكرار، كالطفل، والأخرس، والجارح للاصطياد.
وَمَا قدمْنَاهُ عَن الْأُسْتَاذ أبي إِسْحَاق الأسفراييني هُوَ الَّذِي حَكَاهُ عَنهُ ابْن برهَان، والآمدي، وَغَيرهمَا، وَهُوَ الصَّحِيح فِي النَّقْل عَنهُ، الْمَوْجُود فِي كِتَابه.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
وَنقل ابْن الْقشيرِي والرازي والبيضاوي عَنهُ: أَن مَا لم يحْتَج إِلَيْهِ اصْطِلَاح، وَفِي الْمَسْأَلَة قَول عكس قَول الْأُسْتَاذ، وَهُوَ: أَن يكون الْقدر الْمُحْتَاج إِلَيْهِ مُحْتملا أَو مصطلحًا، على الرأيين، وَالْبَاقِي توقيفًا، وَرُبمَا عبر عَن هذَيْن الْقَوْلَيْنِ: بِأَن مبدأ اللُّغَة توقيفي وَالْبَاقِي مصطلح، وَبِالْعَكْسِ.
وَتقدم قَول ابْن عقيل: وَغَيره وَحَكَاهُ عَن الْمُحَقِّقين، وَعِنْده: الِاصْطِلَاح بعد خطابه تَعَالَى، وأبطل القَوْل بسبقه لَهُ.
وَتقدم قَول الباقلاني وَمن مَعَه: أَن الْكل مُمكن، فمذهب هَؤُلَاءِ لَا يقْضى فِيهَا بتوقيف وَلَا اصْطِلَاح، لَا فِي الْكل وَلَا فِي الْبَعْض، لتعارض الْأَدِلَّة، فَلم يرجحوا شَيْئا.
وَذهب ابْن الْحَاجِب، وَابْن دَقِيق الْعِيد، والتاج السُّبْكِيّ: إِلَى الْوَقْف عَن الْقطع بِوَاحِد من الِاحْتِمَالَات، وَلَكِن التَّوْقِيف مُطلقًا هُوَ الْأَغْلَب على الظَّن.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وَفِي كَلَام أبي الْخطاب: (أَيْضا لَا يجوز أَن يكون شَيْء مِنْهَا توقيفًا)، وَحكي عَن الْمُعْتَزلَة، وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا أَظُنهُ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين، أَو جده الْمجد -: (قطع قوم بِأحد مَا ذكرنَا عينا، وظنه قوم، وَتوقف الْأَكْثَر) .
فَائِدَة: اخْتلف: هَل لهَذَا الْخلاف فَائِدَة أم لَا؟
ذهب كثير إِلَى أَنه لَا فَائِدَة لَهُ.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّمَا وضعت لتكميل الْعلم بِهَذِهِ الصِّنَاعَة، أَو جَوَاز قلب مَا لَا يُطلق لَهُ بِالشَّرْعِ، كتسمية الْفرس ثورًا، وَعَكسه.
وَقَالَ بَعضهم: إِنَّهَا جرت فِي الْأُصُول مجْرى الرياضيات: كمسائل الْجَبْر، والمقابلة.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ: (فَائِدَة الْخلاف، وَمن قَالَ بالتوقيف جعل التَّكْلِيف مُقَارنًا لكَمَال الْعقل، وَمن جعله اصْطِلَاحا جعله مُتَأَخِّرًا مُدَّة الِاصْطِلَاح) .
وَزعم بعض الْحَنَفِيَّة أَنهم يَقُولُونَ بالتوقيف، وَعزا الِاصْطِلَاح للشَّافِعِيَّة.
[ ٢ / ٧٠١ ]
ثمَّ قَالَ: (وَفَائِدَة الْخلاف: أَنه يجوز التَّعَلُّق باللغة عِنْد الْحَنَفِيَّة لإِثْبَات حكم الشَّرْع من غير رُجُوع إِلَى الشَّرْع) .
اسْتدلَّ الْقَائِل بالتوقيف بقوله تَعَالَى: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
قَالُوا: ألهمه، أَو علمه بَعْضهَا، أَو اصْطِلَاحا سَابِقًا، أَو حَقِيقَة الشَّيْء وَصفته، لقَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عرضهمْ على الْمَلَائِكَة﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
رد: الأَصْل اتِّحَاد الْعلم، وَعدم اصْطِلَاح سَابق، وَحَقِيقَة اللَّفْظ، وَقد أكده ب (كلهَا)، وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: " وعلمك أَسمَاء كل شَيْء "، وَفِي الرَّابِع: إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه فِي قَوْله: ﴿بأسماء هَؤُلَاءِ﴾، فالتعليم للأسماء، وَضمير ﴿عرضهمْ﴾ للمسميات، ولظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فرطنا فِي الْكتب من شَيْء﴾ [الْأَنْعَام: ٣٨]، وَلقَوْله تَعَالَى: ﴿علم الْإِنْسَان مَا لم يعلم﴾ [العلق: ٥]، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاخْتِلَاف أَلْسِنَتكُم﴾ [الرّوم: ٢٢]، وَحمله على اللُّغَة أبلغ من الْجَارِحَة، وعَلى اخْتِلَاف اللُّغَات أولى من الإقدار عَلَيْهَا، لقلَّة الْإِضْمَار.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وَاسْتدلَّ الْقَائِل بالاصطلاح بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بِلِسَان قومه﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤]، فاللغة سَابِقَة لِئَلَّا يلْزم الدّور.
رد: لَا ينْحَصر التَّوْقِيف فِي الرسَالَة، وَيجوز تَعْلِيم آدم قبل بعثته.
قَالُوا: التَّوْقِيف يتَوَقَّف على معرفَة أَن ذَلِك اللَّفْظ لذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يعرف إِلَّا بِأَمْر خَارج، فَإِن كَانَ توقيفًا تسلسل، فَتعين الِاصْطِلَاح.
رد: بِقطع التسلسل بِخلق علم ضَرُورِيّ لمن سمع [اللَّفْظ] أَنه لذَلِك الْمَعْنى، وَيلْزم مثله فِي الِاصْطِلَاح؛ لِأَن مَا يتخاطب بِهِ إِن كَانَ باصطلاح تسلسل، فَتعين التَّوْقِيف.
قَوْله: ﴿فَائِدَتَانِ:
إِحْدَاهمَا: يجوز تَسْمِيَة الشَّيْء بِغَيْر التَّوْقِيف، مَا لم يحرمه الله تَعَالَى، فَيبقى لَهُ اسمان: [توقيفي، واصطلاحي]، ذكره القَاضِي [أَبُو يعلى]، وَالشَّيْخ [تَقِيّ الدّين]، [تبعا لِابْنِ الباقلاني]، [وَصَاحبه] .
[ ٢ / ٧٠٣ ]
وَغَيرهم، وَخَالف [فِي ذَلِك] الظَّاهِرِيَّة وَغَيرهم﴾ .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (ذهب بعض أَصْحَاب التَّوْقِيف إِلَى أَنه لَا يجوز، وَهُوَ قَول دَاوُد وَأَصْحَابه، ذكره ابْن حَامِد) انْتهى.
قَالَ ابْن قَاضِي الْجَبَل: (قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: يجوز أَن تسمى الْأَشْيَاء بِغَيْر الْأَسْمَاء الَّتِي وَضعهَا الله تَعَالَى علما لَهَا، إِذا لم يَقع حظر) .
قَوْله: ﴿الثَّانِيَة: أَحْمد، وَالْأَكْثَر؛ أَسمَاء الله تَعَالَى توقيفية لَا تثبت بِقِيَاس، وَعنهُ، وَقَالَهُ القَاضِي، وَغَيره، والمعتزلة، والكرامية: بلَى، والباقلاني، وَالْغَزالِيّ، والرازي: فِي الصِّفَات لَا الْأَسْمَاء﴾ .
قَالَ الْحَافِظ شهَاب الدّين ابْن حجر فِي " شرح البُخَارِيّ ": (اخْتلف فِي الْأَسْمَاء الْحسنى، هَل هِيَ توقيفية؟ بِمَعْنى: أَنه لَا يجوز لأحد أَن يشتق من الْأَفْعَال الثَّابِتَة لله تَعَالَى أَسمَاء، إِلَّا إِذا ورد نَص فِي الْكتاب أَو السّنة.
فَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ: " الْمَشْهُور عَن أَصْحَابنَا: أَنَّهَا توقيفية.
وَقَالَت الْمُعْتَزلَة، والكرامية: إِذا دلّ الْعقل على أَن معنى اللَّفْظ ثَابت فِي حق الله تَعَالَى، جَازَ إِطْلَاقه على الله تَعَالَى.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وَقَالَ القَاضِي، وَالْغَزالِيّ: الْأَسْمَاء توقيفية دون الصِّفَات.
قَالَ: وَهَذَا الْمُخْتَار ".
وَاحْتج الْغَزالِيّ: " بالِاتِّفَاقِ على أَنه لَا يجوز أَن يُسَمِّي رَسُول الله - ﷺ َ - باسم لم يسمه بِهِ أَبوهُ، وَلَا يُسمى بِهِ نَفسه، وَكَذَا كل كَبِير من الْخلق ".