﴿أَكثر أَصْحَابنَا، وَابْن سُرَيج، والشيرازي، والرازي، وَغَيرهم: [تثبت اللُّغَة قِيَاسا، فِيمَا وضع لِمَعْنى دَار مَعَه وجودا وعدمًا، كخمر لنبيذ وَنَحْوه]، [والسمعاني: فِي الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة، ونفاه أَبُو الْخطاب، والصيرفي، والباقلاني، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالْغَزالِيّ، والآمدي، وَأكْثر الْحَنَفِيَّة، وَغَيرهم، وللنحاة قَولَانِ: اجْتِهَادًا فَلَا حجَّة، وَقيل: لم يَقع، وَالْإِجْمَاع على مَنعه فِي علم ولقب وَصفَة، قَالَه ابْن عقيل وَغَيره، وَكَذَا مثل: إِنْسَان وَرجل، وَرفع فَاعل﴾ .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
اخْتلف الْعلمَاء: هَل تثبت اللُّغَة قِيَاسا، أم لَا، أَو فِيهِ تَفْصِيل؟ على أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا تثبت قِيَاسا فِيمَا وضع لمسمى مُسْتَلْزم لِمَعْنى فِي مَحَله وجودا وعدمًا، كَالْخمرِ للنبيذ لتخمير الْعقل، وَالسَّارِق للنباش للأخذ خُفْيَة، وَالزَّانِي للائط للْوَطْء الْمحرم.
قَالَ ابْن الْحَاجِب: (وَلَيْسَ الْخلاف فِي نَحْو: رجل وَرفع الْفَاعِل، أَي: لَا يُسمى مسكون عَنهُ، إِلْحَاقًا بِتَسْمِيَة الْمعِين لِمَعْنى يستلزمه وجودا وعدمًا، كَالْخمرِ للنبيذ وَنَحْوه [إِلَّا] بِنَقْل أَو استقراء لتعميم) .
وَذكر فِي " جمع الْجَوَامِع ": أَن لفظ الْقيَاس يُغني عَن ذَلِك، أَي: فَإِن اطراد ذَلِك فِي كل مَا أسْند إِلَيْهِ فعل قد علم بِالنَّصِّ، فَلَا يحْتَاج [فِيهِ] لقياس.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
فالسبكي نبه على ذَلِك، وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَلهَذَا تركت ذَلِك وأتيت بِالْمَقْصُودِ. إِذا / علم ذَلِك؛ فَالصَّحِيح: أَن اللُّغَة تثبت قِيَاسا وَعَلِيهِ أَكثر أَصْحَابنَا، وَابْن سُرَيج، وَأَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَالْفَخْر الرَّازِيّ، وَغَيرهم، وَنَقله الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور عَن نَص الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الشُّفْعَة: (إِن الشَّرِيك جَار، قِيَاسا على تَسْمِيَة امْرَأَة الرجل جَارة) وَكَذَا قَالَ ابْن فورك: إِنَّه الظَّاهِر من مَذْهَب الشَّافِعِي، إِنَّه
[ ٢ / ٥٨٩ ]
قَالَ: (الشَّرِيك جَار) .
وَالْقَوْل الثَّانِي: لَا تثبت قِيَاسا مُطلقًا، اخْتَارَهُ أَبُو الْخطاب، والصيرفي، وَأَبُو بكر الباقلاني فِي " التَّقْرِيب "، وَمَا نَقله ابْن الْحَاجِب عَنهُ من الْجَوَاز مَرْدُود، وَابْن الْقطَّان، وَإِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزالِيّ، والآمدي، وَابْن الْحَاجِب، وَأكْثر الْحَنَفِيَّة،
[ ٢ / ٥٩٠ ]
وَغَيرهم، وَحَكَاهُ الْآمِدِيّ عَن [مُعظم أَكثر] أَصْحَابهم، وَحَكَاهُ القَاضِي أَبُو يعلى عَن أَكثر الْمُتَكَلِّمين، وللنحاة قَولَانِ: اجْتِهَادًا فَلَا حجَّة، أَي: فَلَا يحسن أَن يُقَال: قَول من أثبت مقدم على من نفى.
قَالَ الْمبرد وَغَيره: (مَا قيس على كَلَامهم فَمن كَلَامهم) .
وَقَالَ الْأَخْفَش وَغَيره: (الْأَسْمَاء تُؤْخَذ توقيفًا) .
[ ٢ / ٥٩١ ]
وَفِي " الخصائص " لِابْنِ جني: (أَن الْجَوَاز قَول أَكثر عُلَمَاء الْعَرَبيَّة كالمازني، وَأبي عَليّ الْفَارِسِي) .
وَحكى ابْن فَارس فِي فقه الْعَرَبيَّة إِجْمَاع أهل اللُّغَة عَلَيْهِ.
وَاخْتَارَهُ ابْن درسْتوَيْه.
وَالْقَوْل الثَّالِث: تثبت فِي الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة دون غَيرهَا، اخْتَارَهُ ابْن السَّمْعَانِيّ، فَقَالَ بعد أَن ذكر أَدِلَّة المانعين: (وَهَذِه الْأَدِلَّة قَوِيَّة جدا، وَالْأولَى أَن نقُول: يجوز إِثْبَات الْأَسَامِي شرعا، وَلَا يجوز لُغَة، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ ابْن سُرَيج.
وَالدَّلِيل: أَنا نعلم أَن الشَّرِيعَة إِنَّمَا سمت الصَّلَاة صَلَاة لصفة مَتى انْتَفَت عَنْهَا لم تسم صَلَاة، فَنعم أَن مَا شاركها فِي تِلْكَ الصّفة يكون صَلَاة، فَبَان بِهَذَا ثُبُوت الْأَسْمَاء الشَّرْعِيَّة بالعلل) انْتهى.
فَابْن السَّمْعَانِيّ نقل ثُبُوتهَا فِي الشَّرْعِيَّة عَن ابْن سُرَيج، وَنقل الْبرمَاوِيّ عَنهُ كَمَا قُلْنَا فِي الْمَتْن، فَلَعَلَّ لَهُ قَوْلَيْنِ.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول رَابِع: لِأَنَّهُ يجوز ثُبُوتهَا وَلم يَقع، حَكَاهُ ابْن فورك.
وَقَول خَامِس: ثُبُوتهَا فِي الْحَقِيقَة دون الْمجَاز، وَإِنَّمَا لم نذكرهُ هُنَا؛ أَنه قد تقدم: أَن الْمجَاز / لَا يُقَاس عَلَيْهِ [عِنْد] الْأَكْثَر، وَحكي إِجْمَاعًا، وحكينا قولا بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكرُوهُ هُنَا فِيمَا يظْهر، وعللوه: بِأَن الْمجَاز أنقص رُتْبَة من الْحَقِيقَة فتميز عَلَيْهِ.
وَهَذَا مخرج من كَلَام القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي، لَكِن يبقي ظَاهر الأول: أَن الْمُقدم أَنَّهَا تثبت فِي الْحَقِيقَة وَالْمجَاز، وَقد نقلنا هُنَاكَ: (أَن الصَّحِيح: أَنه لَا يُقَاس على الْمجَاز، وَحكي إِجْمَاعًا) .
وَقَول سادس حَكَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُور من إِجْمَاع أَصْحَابهم: أَن أَسمَاء الله لَا يجوز [إِطْلَاق] شَيْء مِنْهَا بِالْقِيَاسِ، وَيَأْتِي حكم هَذِه الْمَسْأَلَة وَهَذَا القَوْل، وَهِي أَن أَسمَاء الله هَل هِيَ توقيفية أَو تثبت بِالْقِيَاسِ؟ قبيل الْأَحْكَام.
[ ٢ / ٥٩٣ ]
احْتج الْمُثبت: أَن الْمُعْتَمد فِي ذَلِك فهم الْجَامِع كالتخمير فِي النَّبِيذ كالشرعي، فَيصح حَيْثُ فهم.
قَالُوا: إِن نصوا على أَن الْجَامِع التخمير فالنبيذ خمر بِالْوَضْعِ، وَإِلَّا فإلحاق مَا لَيْسَ من لغتهم بهَا.
قُلْنَا: لَيْسَ النَّص من شَرط الْجَامِع، بل ثَبت بالاستقراء.
وَاحْتج النَّافِي: بِأَنَّهُ مَا من شَيْء إِلَّا وَله اسْم فِي اللُّغَة وَلَو بطرِيق الشُّمُول لَهُ وَلغيره، فَلَا يثبت لَهُ آخر قِيَاسا كَمَا فِي الْأَحْكَام، لَا يكون للشَّيْء حكم بِالنَّصِّ وَحكم آخر بِالْقِيَاسِ مُخَالف لَهُ.
وَأجِيب: بِأَنَّهُ لَا يلْزم أَن يكون كل معنى لَهُ لفظ يدل عَلَيْهِ، بل كل معنى مُحْتَاج إِلَى لفظ، وَهَذَا يُوجد بطرِيق الْعُمُوم.
وَاحْتج أَيْضا النَّافِي " بِأَن الْقيَاس إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُشْتَقّ حَتَّى يكون مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاق هُوَ الْعلَّة، وَالْعرب قد لَا تطرد الِاشْتِقَاق كَمَا سبق.
أُجِيب: بِأَنَّهُ قد تكون الْعلَّة غير مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاق، بل تناسب الِاسْم كَمَا فِي تَسْمِيَة اللائط زَانيا، فَإِن الْعلَّة لَيست مِمَّا اشتق مِنْهُ لفظ الزَّانِي وَهُوَ الزِّنَا، وَنَحْو ذَلِك.
وَأَيْضًا: التَّجَوُّز إِذا قدر بِأَنَّهُ فِي الْمصدر كاللواط وكالنبش، فَأَيْنَ الِاشْتِقَاق على القَوْل الْمُرَجح: أَن الْمصدر أصل الْفِعْل وَالْوَصْف؟
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وَاحْتج النَّافِي أَيْضا كَمَا تقدم: إِن كَانَ وضع كَالْخمرِ لكل / مُسكر فالتعميم باللغة، أَو لعصير الْعِنَب فَقَط فَلَا تَعْمِيم، أَو لم ينْقل فِيهِ شَيْء فَلَا لُغَة بِالِاحْتِمَالِ.
واستدله بقول: ﴿وَعلم آدم الْأَسْمَاء كلهَا﴾ [الْبَقَرَة: ٣١] .
رد: بَعْضهَا نصا وَبَعضهَا استنباطًا، ثمَّ هُوَ نصا وَنحن قِيَاسا،
وَلَا يمْتَنع ثبوتهما مَعَ اخْتِلَافهمَا للشَّيْء.
قَالُوا: كَونه دَلِيلا أظهر، لدوران [الِاسْم مَعَ الْوَصْف] .
رد: بِأَنَّهُ دَار - أَيْضا - ً مَعَ كَونه من عِنَب، وَمَال حَيّ، وقبلا، ومنقوض بقَوْلهمْ للطويل: نَخْلَة، وللفرس الْأسود: أدهم، وَنَحْوهمَا وَلم يطرد.
رد: بِأَنَّهُم جعلُوا الْعلَّة ذَات وصفين: الْجِنْس وَالصّفة.
رد: بِمثلِهِ فِي كل مَحل.
قَالُوا: ثَبت شرعا للمعنى، فَهَذَا مثله.
رد: للْإِجْمَاع وَلَا إِجْمَاع هُنَا، أَو لدَلِيل شَرْعِي أَو عَقْلِي.
قَالُوا: (فاعتبروا) .
رد: لَيْسَ بعام، وَهُوَ مَحل النزاع، ثمَّ مَحل النزاع غير مُرَاد.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فَائِدَة: تظهر فَائِدَة الْخلاف: أَن الْمُثبت للْقِيَاس فِي اللُّغَة يَسْتَغْنِي عَن الْقيَاس الشَّرْعِيّ، فإيجاب الْحَد على شَارِب النَّبِيذ، وَالْقطع على النباش، بِالنَّصِّ.
وَمن أنكر الْقيَاس فِي اللُّغَة جعل ثُبُوت ذَلِك بِالشَّرْعِ.
قَوْله: (وَالْإِجْمَاع على مَنعه فِي علم ولقب وَصفَة، قَالَه ابْن عقيل وَغَيره) .
لَا شكّ أَن مَحل الْخلاف: إِذا اشْتَمَل الِاسْم على وصف، واعتقدنا أَن التَّسْمِيَة لذَلِك الْوَصْف، فَهَل يجوز تَعديَة الِاسْم إِلَى مَحل آخر مسكوت عَنهُ؟ كَالْخمرِ إِذا اعتقدنا أَن تَسْمِيَتهَا بذلك بِاعْتِبَار تخمير الْعقل، فعديناه إِلَى النَّبِيذ وَنَحْوه.
وَأما الْأَعْلَام فَلَا يجْرِي فِيهَا الْقيَاس اتِّفَاقًا، لِأَنَّهَا غير معقولة الْمَعْنى؛ وَالْقِيَاس فرع الْمَعْنى، وَكَذَلِكَ الصِّفَات كاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول وَنَحْوهمَا، لِأَنَّهُ لابد للْقِيَاس من أصل، وَهُوَ غير مُتَحَقق فِيهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ جعل الْبَعْض فرعا بِأولى من الْعَكْس، واضطرادها فِي محالها مُسْتَفَاد من الْوَضع، لوضعهم الْقَائِم - مثلا - ً لكل من قَامَ.
قَالَ ابْن مُفْلِح فِي " أُصُوله ": (الْإِجْمَاع على مَنعه فِي الْأَعْلَام والألقاب، وَذكره جمَاعَة مِنْهُم ابْن عقيل، لوضعهما لغير معنى جَامع،
[ ٢ / ٥٩٦ ]
وَالْقِيَاس فَرعه، وَمثل هَذَا: (سِيبَوَيْهٍ زَمَانه)، مجَاز عَن حَافظ كِتَابه، وَالْإِجْمَاع على مَنعه / فِي الصِّفَات، لِأَن الْعَالم من قَامَ بِهِ الْعلم، فَيجب طرده، فإطلاقه بِوَضْع اللُّغَة، وَكَذَا مثل: (إِنْسَان)، و(رجل) و(رفع الْفَاعِل) فَلَا وَجه لجعله دَلِيلا من أَصْحَابنَا وَغَيرهم) انْتهى، وَتقدم كَلَام ابْن الْحَاجِب.
[ ٢ / ٥٩٧ ]