﴿الْعقل: مَا يحصل بِهِ الميز﴾ .
قَالَه صَاحب " رَوْضَة الْفِقْه " من أَصْحَابنَا، وَهُوَ شَامِل لأكْثر الْأَقْوَال الْآتِيَة.
وَعَن الإِمَام الشَّافِعِي - ﵁ - أَنه قَالَ: آلَة التَّمْيِيز.
قَوْله: ﴿وَهُوَ بعض الْعُلُوم الضرورية عِنْد أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر، [وغريزة نصا] البربهاري: لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا اكْتِسَاب، وَإِنَّمَا هُوَ
[ ١ / ٢٥٥ ]
فضل من الله، [وظاهرهما: أَنه الْقُوَّة المدركة لَا الْإِدْرَاك]، التَّمِيمِي وَابْن حمدَان: نور فِي الْقلب كَالْعلمِ، أَبُو الْفرج: قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات، الْأَشْعَرِيّ وَجمع: الْعلم، الفلاسفة: اكْتِسَاب، المتكلمون: كل الْعُلُوم الضرورية، وَبَعْضهمْ: جَوْهَر بسيط، وَبَعْضهمْ: مَادَّة وطبيعة، وَبَعْضهمْ: عرض يُخَالف سَائِر الْأَعْرَاض والعلوم﴾ .
[ ١ / ٢٥٦ ]
اعْلَم أَن عُلَمَاء هَذِه الْأمة وَغَيرهم اخْتلفُوا فِي مَاهِيَّة الْعقل اخْتِلَافا كثيرا بِحَيْثُ إِنَّه لَا ينْحَصر.
وَقد ذهب بعض أَصْحَابنَا وَالْأَكْثَر إِلَى أَنه: بعض الْعُلُوم الضرورية، يستعد بهَا لفهم دَقِيق الْعُلُوم، وتدبير الصَّنَائِع الفكرية.
وَمِمَّنْ قَالَ بذلك من غير أَصْحَابنَا: القَاضِي أَبُو بكر الباقلاني، وَابْن الصّباغ وسليم الرَّازِيّ.
فَخرجت الْعُلُوم الكسبية؛ لِأَن / الْعَاقِل يَتَّصِف بِكَوْنِهِ عَاقِلا مَعَ انْتِفَاء الْعُلُوم النظرية.
وَإِنَّمَا قَالُوا: بعض الْعُلُوم الضرورية، لِأَنَّهُ لَو كَانَ جَمِيعهَا لوَجَبَ أَن يكون الفاقد للْعلم بالمدركات لعدم الْإِدْرَاك الْمُعَلق عَلَيْهَا غير عَاقل.
[ ١ / ٢٥٧ ]
قَالَ أَبُو الْخطاب فِي " التَّمْهِيد ": (وَمِمَّا يدل على أَنه لَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم، لأَنا نقُول: الْعلم يشْتَمل على ضَرُورِيّ ومكتسب، وَمَعْلُوم أَن الْإِنْسَان إِذا لم يكْتَسب وَلم يفكر فِي الدَّلَائِل يُسمى عَاقِلا، فَإِذا خرج مِنْهُ الْعلم المكتسب لم يبْق إِلَّا أَنه علم ضَرُورِيّ، وَلَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم الضرورية، لِأَن الْإِنْسَان لَو عدم الْحَواس الْخمس مَعَ أَنَّهَا يحصل بهَا علم ضَرُورِيّ، وَلَو عدمت يُسمى عَاقِلا وَيكون عَاقِلا، وَلِهَذَا لَو قيل لَهُ مَا يضرّهُ وَمَا يَنْفَعهُ اخْتَار مَا يَنْفَعهُ، وَعكس هَذَا الصَّبِي والبهيمة، فَإِنَّهُ يحصل لَهُم علم ضَرُورِيّ مثل حسهم بالألم وَغير ذَلِك، وَمَعَ هَذَا لَا يكونُونَ عقلاء، فَثَبت - أَيْضا - أَنه لَيْسَ بِجَمِيعِ الْعُلُوم الضرورية إِنَّمَا هُوَ بَعْضهَا، مثل: أَن يعلم الْإِنْسَان اسْتِحَالَة جمع الضدين، وَكَون الْجِسْم الْوَاحِد لَيْسَ فِي مكانين، وَعلمه أَن الْوَاحِد أقل من الِاثْنَيْنِ) انْتهى.
قَالَ الإِمَام أَحْمد: (الْعقل غريزة) .
[ ١ / ٢٥٨ ]
وَقَالَهُ الْحَارِث المحاسبي فَقَالَ: (الْعقل غريزة يَتَأَتَّى بهَا إِدْرَاك الْعُلُوم)، نَقله عَنهُ فِي " الْبُرْهَان ".
قَالَ فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (الْعقل غريزة، لَيْسَ مكتسبًا، بل خلقه الله تَعَالَى يُفَارق بِهِ الْإِنْسَان الْبَهِيمَة، ويستعد بِهِ لقبُول الْعلم وتدبير الصَّنَائِع الفكرية، فَكَأَنَّهُ نور يقذف فِي الْقلب كَالْعلمِ الضَّرُورِيّ، وَالصبَا وَنَحْوه حجاب لَهُ) .
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: (إِنَّه غير مكتسب كالضروري) .
وَقَالَ الْحسن بن عَليّ البربهاري - من أَئِمَّة أَصْحَابنَا -: (لَيْسَ بجوهر وَلَا عرض وَلَا اكْتِسَاب، وَإِنَّمَا هُوَ فضل من الله تَعَالَى) .
[ ١ / ٢٥٩ ]
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (هَذَا يَقْتَضِي أَنه الْقُوَّة المدركة - كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام أَحْمد - لَا الْإِدْرَاك) .
وَقَالَ التَّمِيمِي، وَابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (هُوَ نور فِي الْقلب كَالْعلمِ) .
وَقَالَ أَبُو الْفرج الشِّيرَازِيّ / فِي " مُقَدّمَة الْإِيضَاح ": (الْعقل قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات) .
وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ: هُوَ الْعلم، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الأسفراييني عَن أهل الْحق، وَأَنَّهُمْ قَالُوا بترادف الْعلم وَالْعقل.
وَقَالَ الكوراني فِي " شرح جمع الْجَوَامِع ": (وَالْحق أَنه مُغَاير للْعلم، وَهُوَ قُوَّة يدْرك بهَا المغيبات، كَمَا يدْرك بالبصر المشاهدات، وإطلاقه على الْعلم تسَامح، أَو أُرِيد بِهِ مصدر عقل يعقل عقلا، فَإِنَّهُ بِمَعْنى الْعلم
[ ١ / ٢٦٠ ]
والإدراك، وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ، بل الْكَلَام فِي تِلْكَ الْقُوَّة المودعة الَّتِي لَا تنفك عَن الْإِنْسَان نومًا وَلَا يقظة، وَقيل: هُوَ الضَّرُورِيّ من الْعلم، وَقيل: نور فِي بدن الْإِنْسَان مثله كَمثل الشَّمْس فِي ملكوت الأَرْض) انْتهى.
وَاخْتَارَ الْمَاوَرْدِيّ: (أَنه الْعلم بالمدركات الضرورية) .
وَقَالَت الفلاسفة: (هُوَ اكْتِسَاب) .
وَقَالَ المتكلمون: (هُوَ كل الْعُلُوم الضرورية)، وَتقدم رده.
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ جَوْهَر بسيط) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ مَادَّة وطبيعة) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عرض مُخَالف لسَائِر الْأَعْرَاض والعلوم) .
وَقَالَ بَعضهم: (مَا حسن مَعَه التَّكْلِيف) .
قَالَ فِي " التَّمْهِيد ": (وَهَذِه الْأَقْوَال الْعشْرَة مُتَقَارِبَة الْمَعْنى) .
[ ١ / ٢٦١ ]
وَلم يذكر مَا قَالَه الْأَشْعَرِيّ والكوراني.
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ شَيْء تدْرك بِهِ الْعُلُوم وَلَيْسَ علما كالمرآة) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عُلُوم بديهية وكلية) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ عُلُوم ضَرُورِيَّة) .
وَقَالَ بَعضهم: (ملكة تدْرك بهَا الْعُلُوم، وَالْمرَاد بالملكة: هَيْئَة راسخة فِي النَّفس) .
وَقَالَ بَعضهم: (هُوَ غريزي وضروري وهما نظريان، وتجربي ونظري وهما مكتسبان.
وَلَيْسَ كل الْعُلُوم الضرورية، وَلَا مَا حصل بالحواس الْخمس، وَلَا الْعلم بِحسن الْحسن وَلَا بقبح الْقَبِيح) .
قلت: الْعقل وَالروح شَيْئَانِ لَا يطلع على كنه حقيقتهما إِلَّا الله تَعَالَى.
﴿وَمحله الْقلب عِنْد أَصْحَابنَا، وَالشَّافِعِيَّة، والأطباء، وَله اتِّصَال بالدماغ، قَالَه التَّمِيمِي، وَغَيره﴾ .
[ ١ / ٢٦٢ ]
[قَالَ] ابْن الْأَعرَابِي / وَغَيره: الْعقل الْقلب، وَالْقلب الْعقل،
وَاسْتدلَّ لذَلِك بقوله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ [ق: ٣٧]، أَي عقل، فَعبر بِالْقَلْبِ عَن الْعقل؛ لِأَنَّهُ مَحَله، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ [الْحَج: ٤٦]، فَجعل الْعقل فِي الْقلب، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار وَلَكِن تعمى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الْحَج: ٤٦]، أَي: يتغطى على الْعقل الَّذِي فِي الصَّدْر.
[ ١ / ٢٦٣ ]