كَقَوْلِه: ﴿خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا﴾ [الْبَقَرَة: ٢٩]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل من حرم زِينَة الله الَّتِي أخرج لِعِبَادِهِ﴾ [الْأَعْرَاف: ٣٢]، وَقَوله - ﷺ َ -: (من أعظم الْمُسلمين جرما من سَأَلَ عَن شَيْء لم يحرم محرملأجل مَسْأَلته ")، وَقَوله - ﷺ َ -: " مَا سكت عَنهُ فَهُوَ مِمَّا عَفا عَنهُ ".
وَعند ابْن حَامِد، وَالْقَاضِي فِي " الْعدة "، والحلواني، وَبَعض الشَّافِعِيَّة وَهُوَ ابْن أبي هُرَيْرَة وَنَقله ابْن قَاضِي الْجَبَل، والأبهري من الْمَالِكِيَّة: مُحرمَة، لِأَنَّهُ تصرف فِي ملك الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه فَحرم: كالشاهد،
[ ٢ / ٧٦٨ ]
ثمَّ الْإِقْدَام عَلَيْهِ خطر، فالإمساك أحوط.
قَالَ القَاضِي: (وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمد بقوله: " لَا يُخَمّس السَّلب مَا سمعنَا ") وَقَالَ فِي الْحلِيّ يُؤْخَذ لقطَة: (إِنَّمَا جَاءَ الحَدِيث فِي الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير) .
ونازعه بعض أَصْحَابنَا فِي هَذَا وَفِي الَّذِي قبله فِي الْإِبَاحَة، وَقَالَ (لَا يدل ذَلِك على مَا قَالَ) .
فعلى هَذَا القَوْل وَهُوَ التَّحْرِيم -: يُبَاح مَا يحْتَاج إِلَيْهِ، وَيخرج من مَحل الْخلاف على الصَّحِيح عِنْد الْعلمَاء، وَحكي إِجْمَاعًا: كتنفس، وسد رَمق، وَنَحْوه.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
وَخَالف بعض النَّاس فِي ذَلِك وَلم يُخرجهُ من التَّحْرِيم، وَهُوَ سَاقِط وبناه بَعضهم، مِنْهُم ابْن قَاضِي الْجَبَل: على تَكْلِيف الْمحَال.
وَعند أبي الْحسن الخرزي، وَابْن عقيل، والموفق، وَالْمجد، والصيرفي، وَأبي عَليّ الطَّبَرِيّ، والأشعرية، وَغَيرهم: لَا حكم لَهَا، أَي: لَا حكم لَهَا بِالْكُلِّيَّةِ.
قَالَ ابْن عقيل: (لَا حكم لَهَا قبل السّمع) .
قَالَ الْمجد: (هُوَ الصَّحِيح الَّذِي لَا يجوز على الْمَذْهَب غَيره) .
[ ٢ / ٧٧٠ ]
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَهَذَا اخْتِيَار أبي مُحَمَّد أَيْضا -، لَكِن أَبُو مُحَمَّد يفسره بِنَفْي الحكم، وبعدم الْحَرج كاختيار الْجد، وَفَسرهُ ابْن برهَان: " بِأَنَّهُ عندنَا لَا يُوصف بحظر وَلَا إِبَاحَة وَلَا وجوب، بل هِيَ كأفعال الْبَهَائِم "، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الطّيب: " لَا يُقَال إِنَّهَا مُبَاحَة أَو محظورة إِلَّا بورود الشَّرْع ") .
قَالَ ابْن حمدَان فِي " نِهَايَة المبتدئين ": (وَلَا حكم لفعل فِي عين قبل وُرُود الشَّرْع) .
وَفِي الْمَسْأَلَة قَول رَابِع: أَن لَهَا حكما وَلَكِن لَا نعلمهُ، اخْتَارَهُ ابْن حمدَان فِي " مقنعه "، فَقَالَ: (قَالَ الشَّيْخ [أَبُو] مُحَمَّد الْمَقْدِسِي فِي " الرَّوْضَة ": " الْوَقْف هُوَ الْأَلْيَق بِالْمذهبِ "، فَيحْتَمل قَوْله: أَنه لَا حكم لَهَا، وَيحْتَمل: أَن لَهَا حكما لَا نعلمهُ، قَالَ: وَهُوَ رَاجِح، وَحكم رَسُول الله - ﷺ َ - من الله تَعَالَى، لِأَنَّهُ وَحي، وَتَقْرِير لَهُ فِيمَا اجْتهد بِهِ) انْتهى.