[ ١ / ٤٠٥ ]
وَغَيره: (أَي: الَّذِي كَانَ صَاحب الْمَتَاع، [وَالَّتِي كَانَت] أَرضهم، واللاتي كن أَزْوَاجًا، وَهُوَ مجَاز مُسْتَعْمل يجْرِي مجْرى الْحَقِيقَة، وَمِنْه قَوْلهم: درب فلَان، وَقَطِيعَة فلَان، ونهر فلَان) انْتهى.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: (وَالصَّوَاب أَن هَذَا حَقِيقَة؛ لِأَن الْإِضَافَة يَكْفِي فِيهَا أدنى مُلَابسَة، لَكِن قد يكون عِنْد الْإِطْلَاق لَهُ معنى، وَعند الاقتران بِلَفْظ آخر لَهُ معنى، فَيرجع [إِلَى أَن] الْقَرِينَة اللفظية الدَّالَّة بِالْوَضْعِ، هَل يكون مَا اقْترن بهَا دَالا بِالْحَقِيقَةِ أَو الْمجَاز؟ وَالصَّوَاب الْمَقْطُوع بِهِ: أَنه حَقِيقَة، وَإِن كَانَ طَائِفَة من أَصْحَابنَا وَغَيرهم قَالُوا: إِنَّه مجَاز) انْتهى.
قَوْله: بِشَرْط أَن لَا يكون متلبسًا الْآن بضده.
فَلَا يُقَال للشَّيْخ: طِفْل بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَلَا [للثوب] الْمَصْبُوغ: أَبيض بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَلَا لمن أسلم: كَافِر بِاعْتِبَار مَا كَانَ، وَكَأَنَّهُم يُرِيدُونَ بذلك: أَنه لَا يطْرَأ وصف وجودي محسوس قَائِم بِهِ، وَإِلَّا فَمَا الْفرق بَين ذَلِك وَبَين تَسْمِيَة الْعَتِيق عبدا بِاعْتِبَار مَا كَانَ؟ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْلُو ذَلِك كُله من نظر قَالَه الْبرمَاوِيّ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
الثَّامِن عشر: إِطْلَاقه بِاعْتِبَار مَا يؤول بِنَفسِهِ، ليخرج: أَن العَبْد لَا يُطلق عَلَيْهِ حر بِاعْتِبَار مَا يؤول إِلَيْهِ.
وَقَوله: قطعا [أَو ظنا] .
إِشَارَة: إِلَى اعْتِبَار كَون الْمَآل مَقْطُوعًا بِوُجُودِهِ، نَحْو: ﴿إِنَّك ميت وَإِنَّهُم ميتون﴾ [الزمر: ٣٠]، / أَو غَالِبا، كتسمية الْعصير خمرًا، فَإِن الْغَالِب إِذا بَقِي أَن يَنْقَلِب خمرًا إِلَّا مَا كَانَ نَادرا، أَو مُحْتملا على السوَاء، فَلذَلِك ضعف أَصْحَابنَا وَالشَّافِعِيَّة حمل الْحَنَفِيَّة " فنكاحها بَاطِل "، على أَن المُرَاد: يؤول إِلَى إِلَى الْبطلَان، لكَون الْوَلِيّ قد يردهُ ويفسخه، فَإِن ذَلِك لَيْسَ قَطْعِيا وَلَا غَالِبا، وَيَأْتِي.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَقَوله: بِفعل أَو قُوَّة، فالفعل: كإطلاق الْخمر على الْعِنَب، وَالْقُوَّة: كإطلاق الْمُسكر على الْخمر.
التَّاسِع عشر: الزِّيَادَة، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١]، فالكاف زَائِدَة: أَي: لَيْسَ مثله شَيْء، وَقيل: الزَّائِد مثل، أَي: لَيْسَ كَهُوَ شَيْء، وَإِنَّمَا حكم بِزِيَادَة أَحدهمَا؛ لِئَلَّا يلْزم أَن يكون لله تَعَالَى مثل وَهُوَ منزه عَن ذَلِك، لِأَن نفي مثل الْمثل يَقْتَضِي ثُبُوت مثل، وَهُوَ محَال، أَو يلْزم نفي الذَّات، لِأَن مثل مثل الشَّيْء هُوَ ذَلِك الشَّيْء، وثبوته وَاجِب، فَتعين أَن [المُرَاد نفي الْمثل] وَذَلِكَ: إِمَّا بِزِيَادَة الْكَاف، أَو مثل.
وَقَالَ ابْن جني: (كل حرف زيد فِي الْكَلَام الْعَرَبِيّ، فَهُوَ قَائِم مقَام إِعَادَة الْجُمْلَة مرّة أُخْرَى) .
فَيكون معنى الْآيَة: (لَيْسَ مثله شَيْء) مرَّتَيْنِ للتَّأْكِيد.
وَقد ادّعى كثير من الْعلمَاء عدم الزِّيَادَة، والتخلص من الْمَحْذُور بِغَيْر ذَلِك، وَلَا سِيمَا على القَوْل بِأَنَّهُ لَا يُطلق فِي الْقرَان وَلَا فِي السّنة زَائِد، وَذَلِكَ من وُجُوه:
[ ١ / ٤٠٨ ]
أَحدهَا: أَن سلب الْمَعْنى عَن الْمَعْدُوم جَائِز، كسلب الْكِتَابَة عَن ابْن فلَان الَّذِي هُوَ مَعْدُوم، وَلَا يلْزم من نفي الْمثل عَن الْمثل ثُبُوت الْمثل.
الثَّانِي: أَن المُرَاد هُنَا بِلَفْظ الْمثل: الصّفة، كالمثل - بِفتْحَتَيْنِ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون﴾ [الرَّعْد: ٣٥، وَمُحَمّد: ١٥]، فالتقدير: لَيْسَ كصفته.
قَالَ الرَّاغِب: (الْمثل هُنَا بِمَعْنى الصّفة، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ كصفته صفة) .
قَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (مثل يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع، وَخرج بَعضهم على هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١]، أَي: لَيْسَ كوصفه، وَقَالَ: هُوَ أولى من القَوْل بزيادتها، لِأَنَّهَا / على خلاف الأَصْل) انْتهى.
الثَّالِث: أَن المُرَاد بِمثل: ذَات، كَقَوْلِك: مثلك لَا يبخل، أَي: أَنْت لَا تبخل، قَالَ الشَّاعِر:
(وَلم أقل مثلك أَعنِي بِهِ غَيْرك يَا فَردا بِلَا مشبه)
[ ١ / ٤٠٩ ]
وَقَوله:
(أَيهَا العاذل دَعْنِي من عذلك مثلي لَا يصغى إِلَى مثلك﴾
وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن ءامنوا بِمثل مَا ءامنتم بِهِ فقد اهتدوا﴾ [الْبَقَرَة: ١٣٧]، أَي: بِالَّذِي آمنتم بِهِ، لِأَن إِيمَانهم لَا مثل لَهُ، وَهَذَا اخْتَارَهُ ابْن عبد السَّلَام، فالتقدير فِي الْآيَة: لَيْسَ كذاته شَيْء، بل هَذَا النَّوْع من الْكِنَايَة أبلغ من الصَّرِيح: لتَضَمّنه إِثْبَات الشَّيْء بدليله.
قَالَ فِي " الْبَدْر الْمُنِير ": (وَقيل: الْمَعْنى لَيْسَ كذاته شَيْء، كَمَا يُقَال: مثلك من يعرف الْجَمِيل، وَمثلك لَا يفعل كَذَا، أَي: أَنْت تكون كَذَا، وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كمن مثله فِي الظُّلُمَات﴾ [الْأَنْعَام: ١٢٢]) .
الرَّابِع: أَنه لَو فرض لشَيْء مثل، وَلذَلِك الْمثل مثل، كَانَ كِلَاهُمَا مثلا
[ ١ / ٤١٠ ]
للْأَصْل، فَيلْزم من نفي مثل الْمثل، نفيهما مَعًا، وَيبقى الْمَسْكُوت عَنهُ، وَذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ الْمَوْضُوع، وكل مِنْهُمَا مُقَدّر مثليته، وَقد نفيا عَنهُ.
قَالَ شرف الدّين ابْن أبي الْفضل: (اجْعَل الْكَاف أَصْلِيَّة وَلَا يلْزم مَحْذُور، قَالَ: لِأَن نفي الْمثل لَهُ طَرِيقَانِ: إِمَّا بِنَفْي الشَّيْء، أَو بِنَفْي لَازمه، وَيلْزم من نفي اللَّازِم نفي الْمَلْزُوم، وَمن لَوَازِم الْمثل أَن لَهُ مثلا، فَإِذا نَفينَا مثل الْمثل انْتَفَى لَازم الْمثل، فَيَنْتَفِي الْمثل لنفي لَازمه) .
الْخَامِس: قَالَه يحيى بن إِبْرَاهِيم [السلماسي] فِي كتاب " الْعدْل فِي
[ ١ / ٤١١ ]
منَازِل الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة ": (إِن الْكَاف لتسبيه الصِّفَات، وَمثل لتشبيه الذوات، فنفى الشبيهين كليهمَا عَن نَفسه تَعَالَى، فَقَالَ " ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ [الشورى: ١١]، أَي: لَيْسَ لَهُ مثل، وَلَا كَهُوَ شَيْء) انْتهى.
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة من أَصْحَابنَا: (آلتا التَّشْبِيه فِي كَلَام الْعَرَب: الْكَاف وَمثل، تَقول: هَذَا مثل هَذَا، وَهَذَا كَهَذا، فَجمع الْحق ﷾ / آلتي التَّشْبِيه، وَنفى عَنهُ بهما الشّبَه) .
تَنْبِيه: قَالَ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي: (قَالَ الْجُمْهُور: الْكَلَام يصير بِالزِّيَادَةِ مجَازًا، وَقيل: إِن نفس الزِّيَادَة هِيَ الْمجَاز دون سَائِر الْكَلِمَات؛ لِأَن الْكَاف - مثلا - مستعملة فِي غير موضوعها، وَأما الْمثل فمستعمل فِي مَوْضُوعه، وَالصَّحِيح الأول) .
[ ١ / ٤١٢ ]
الْعشْرُونَ: علاقَة النُّقْصَان، أَن ينقص لفظ من الْمركب وَيكون كالموجود للافتقار، سَوَاء كَانَ مُفردا أَو مركبا، جملَة أَو غَيرهَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جزاؤا الَّذين يُحَاربُونَ الله﴾ [الْمَائِدَة: ٣٣]، أَي: يُحَاربُونَ عباد الله وَأهل دينه، وَمثله: ﴿فقبضت قَبْضَة من أثر الرَّسُول﴾ طه: ٩٦]، أَي: من أثر حافر فرس الرَّسُول، وَبِه قرئَ شاذًا، وَمثله: ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر فَعدَّة من أَيَّام أخر﴾ [الْبَقَرَة: ١٨٤]، أَي: فَأفْطر، وَمثل: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ [يُوسُف: ٨٢]، واسأل العير، و﴿وَاشْرَبُوا فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ [الْبَقَرَة: ٩٣]، أَي: حبه. فاسأل الْقرْيَة من مجَاز النُّقْصَان عِنْد الْأَكْثَر، هَذَا إِذا لم نجْعَل الْقرْيَة اسْما للنَّاس المجتمعين بهَا، من قَرَأت الشَّيْء: جمعته، أَو الْقرْيَة مُشْتَركَة بَين الْأَبْنِيَة والمجتمعين بهَا وَأُرِيد الثَّانِي، أَو أَن نجْعَل الْمجَاز فِيهِ من إِطْلَاق الْمحل على الْحَال، أَو المُرَاد سُؤال الْأَبْنِيَة لتجيب وَيكون ذَلِك معْجزَة، والأرجح الأول، وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي " الرسَالَة ".
[ ١ / ٤١٣ ]
الْحَادِي وَالْعشْرُونَ: علاقَة المشابهة بالشكل، كالأسد على مَا هُوَ بشكله من مجسد أَو منقوش، وَرُبمَا وجدت العلاقتان، ﴿فَأخْرج لَهُم عجلًا جسدًا لَهُ خوار﴾ [طه: ٨٨] .
الثَّانِي وَالْعشْرُونَ: علاقَة المشابهة فِي معنى، كالأسد للشجاع، بِشَرْط أَن يكون صفة ظَاهِرَة لَا خُفْيَة، ليخرج إِطْلَاق الْأسد على الأبخر، لِأَن البخر فِيهِ خَفِي.
الثَّالِث وَالْعشْرُونَ: علاقَة المضادة، بِأَن يُطلق اسْم الضِّدّ على الضِّدّ، كإطلاق الْبَصِير على الْأَعْمَى، وَأكْثر مَا تقع هَذِه العلاقة عِنْد التقابل، نَحْو: ﴿وجزاؤا سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾ [الْبَقَرَة: ١٩٤]، ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمرَان: ٥٤]، " لَا يمل الله حَتَّى تملوا ".
قَالَ الْإِسْنَوِيّ: (الأولى: التَّمْثِيل بالمفازة / للبرية الْمهْلكَة) .
[ ١ / ٤١٤ ]
قَالَ القَاضِي أَبُو يعلى: (كإطلاقهم السَّلِيم على اللديغ، والمفازة على الْمهْلكَة) .
الرَّابِع وَالْعشْرُونَ: علاقَة الْمُجَاورَة، وَهِي تَسْمِيَة الشَّيْء بِمَا جاوره، كإطلاق لفظ الرِّوَايَة على ظرف المَاء، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الأَصْل للبعير، وَمِنْه: جرى النَّهر، وسال الْمِيزَاب، و﴿تجرى من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ [الْبَقَرَة: ٢٥، وَالْبَيِّنَة: ٨]، إِذا لم يَجْعَل من مجَاز الْحَذف، أَي: مَاء الْمِيزَاب، أَو مَاء النَّهر.
قَوْله: (وَنَحْوه) .
أَي: وَنَحْو مَا ذكرنَا من العلاقة مِمَّا لم نذكرهُ، وَقد ذكر غير ذَلِك أَشْيَاء كَثِيرَة، نَحن ذاكروا بَعْضهَا.
مِنْهَا: إِطْلَاق الْمُنكر وَإِرَادَة الْمُعَرّف، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ [الْبَقَرَة: ٦٧]، إِن كَانَ المُرَاد بهَا مُعينَة، وَقد يُقَال: إِن الْمُعَرّف جزئي للْمُنكر، وَإِطْلَاق الْكُلِّي على الجزئي حَقِيقَة لَا مجَاز.
وَمِنْهَا: عَكسه، وَهُوَ إِطْلَاق الْمُعَرّف وَإِرَادَة الْمُنكر، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ادخُلُوا الْبَاب سجدا﴾ [النِّسَاء: ١٥٤]، إِن قُلْنَا: الْمَأْمُور دُخُول أَي بَاب كَانَ،
[ ١ / ٤١٥ ]
وَقد يُقَال: إِذا كَانَت اللَّام فِيهِ للْجِنْس، كَانَ المُرَاد ذَلِك، وَكَون اللَّام للْجِنْس حَقِيقَة.
وَمِنْهَا: إِطْلَاق الِاسْم الْمُقَيد على الْمُطلق، كَقَوْل القَاضِي شُرَيْح: (أَصبَحت وَنصف النَّاس عَليّ غَضْبَان)، المُرَاد: مُطلق الْبَعْض، لَا خُصُوص النّصْف، لِأَن النَّاس بَين مَحْكُوم عَلَيْهِ ومحكوم لَهُ، وَنَحْوه قَول الشَّاعِر:
(إِذا مت كَانَ النَّاس صنفان )
[ ١ / ٤١٦ ]