الخطاب إما أن يقتضي الفعل جازمًا وهو الإِيجاب (٢) أو غير جازم وهو الندب، أو الترك جازمًا وهو التحريم، أو غير جازمٍ وهو الكراهة (٣) وإما أن لا يقتضيها وهو التخيير والإِباحة.
قال القاضي أبو بكر (٤): الواجب ما يذم تاركه شرعًا على بعض الوجوه (٥).
_________________
(١) ذكر الرازي في المحصول اعتراضًا آخر وهو وجود "أو" في التعريف وأنها للترديد والحد للإيضاح وأجاب عنه بتحرير المراد "أن كل ما وقع على أحد هذه الوجوه المذكورة في التعريف كان حكمًا والَّا فلا" ولم يذكر القاضي الأرموي هذا الاعتراض ولا الإجابة عنه.
(٢) أقسام الحكم: الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة. ولم يقع القاضي الأرموي ﵀ فيما وقع فيه غيره مثل البيضاوي في المنهاج والغزالي في المستصفى وغيرهم حيث قالو: هي الوجوب والحُرمة وذلك لأن الوجوب والحُرمة مصدرا وجب وَحَرُم، والإيجاب والتحريم مصدرا أوْجب وحَرَّمَ بتشديد الراء. وبما أن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى ناسب أن يكون الحكم من (أوجب وحرّم).
(٣) وفي "أ" الكراهية.
(٤) هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني البصري المالكي الفقيه المتكلم الأصولي وكنيته أبو بكر. نشأ بالبصرة وسكن بغداد كان إمام الأشاعرة في عصره، أخذ عن أبي بكر الأبهري وأخذ عنه جماعة. له مصنفات كثيرة منها: شرح الإبانة في أُصول الدين. شرح اللمع وله الإِمامة الكبيرة والإِمامة الصغيرة والتبصرة بدقائق الحقائق. وأمالي إجماع أهل المدينة والتقريب والإرشاد والتمهيد والمقنع له كتاب جيد في الرد على الباطنية وإعجاز القرآن مطبوع. توفي سنة ٤٠٣ هـ ترجم له: ابن خلكان: ١/ ٦٠٩ تبيين كذب المقري ٢١٧ الفتح المبين ١/ ٢٢٣ الشجرة الزكية ٩٢ شذرات الذهب ٣/ ٦٨ ابن كثير ١١/ ٣٥٠.
(٥) هذا التعريف ليس لنفس الحكم بل هو تعريف للفعل المتعلق بالحكم. فالفعل الذي تعلق به=
[ ١ / ١٧٢ ]
وقولنا يذم خير من قولنا يعاقب ويتوعد بالعقاب ويخاف العقاب لاحتمال عفو الله تعالى: واستحالة الخلف في خبره. وخوف الشاكّ في وجوب الفعل من العقاب على تركه.
وإنما قيد بالشرع ليوافق مذهبنا (١)، وببعض الوجود ليدخل فيه الموسع والمخيَّر وفرض الكفاية (٢) ولا تدخل فيه السنّة وإن قُوتل أهل بلد على تركها إصرارًا لما نجيب عنه.
والفرض يرادف الواجب، وعند الحنفية يفارقه باستناده إلى قاطع. قال أبو زيد (٣) الفرض (٤): هو التقدير، والوجوب: السقوط. فخصص الفرض بالأول لأنه المعلوم التقدير علينا، وهو ضعيف إذ ليس الفرض هو المقدّر قطعًا كالواجب (٥) ليس هو الساقط قطعًا (٦).
_________________
(١) = الإيجاب هو الواجب وكذلك باقي التعاريف فالذي تعلق به الندب هو المندوب والذي تعلق به التحريم هو الحرام والذي تعلقت به الكراهة هو المكروه والذي تعلقت به الإباحة هو المباح. (انظر نهاية السول: ١/ ٤٣).
(٢) أي مذهب الأشاعرة وهو أن الأحكام لا تثبت الا بالشرع خلافًا للمعتزلة.
(٣) قوله ليدخل فيه الموسع لأنه يُلام على تركه إذا تركه في كل الوقت وقوله "المخيَّر" لأنه يُلام على تركه إذا تركه وترك معه بدله. وقوله: فرض الكفاية: لأنه يُلام على تركه إذا تركه كل المكلفين. وإخراج السنّة: لأن بعض الفقهاء قالوا: لو أن أهل محلة اتفقوا على ترك أذان الفجر وشعائر الإسلام لذمّوا لذلك وفي الحقيقة إنَّ الذم لم يكن لمجرد الترك بل الذم لإظهار الزهد في الطاعة الموجبة لصدق الاعتقاد فامتناعه باعتبار أنه مبدأ وجوازه باعتبار أنه فعل مندوب فالذم موجّه لجهة أخرى غير جهة كونه مندوبًا.
(٤) هو عبد الله بن عمر بن عيسى القاضي وكنيته أبو زيد كان من أكابر فقهاء الحنفية وهو أول مَن وضع علم الخلاف، وله في سمرقند مناظرات مع الفحول. له من المصنفات: كتاب تأسيس النظر فيما اختلف فيه أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي وتقويم الأدلة وتجريد أدلة الشرع وكتاب الأسرار في الأصول والفروع والأمد الأقصى وكلها في أُصول الفقه توفي ببخارى سنة ٤٣٠ هـ عن ٦٣ عامًا. ترجم له: الفوائد البهية ١٠٩. ابن خلكان ١/ ٣١٧. معجم البلدان ٤/ ٣٣. الفتح المبين ١/ ٢٣٦.
(٥) سقط من "ب" (الفرض).
(٦) وفي "أ" فالواجب.
(٧) خلاصة الكلام في مسألة هل الواجب والفرض شيء واحد أو لا؟ يرجع إلى تمسك الحنفية=
[ ١ / ١٧٣ ]
المحظور: ما يذم فاعله شرعًا. وأسماؤه المعصية- أي فعل ما نهى الله عنه. وهي (١) عند المعتزلة (٢): فعل ما كرهه الله تعالى. وهو مبني على خلق الأعمال وإرادة الكائنات، والمحرم ويقرب من المحظور. والذنب: أي المنهي عنه المتوقع عليه المؤاخذة والمزجور عنه والمتوعد عليه (٣) أي من الشرع. والقبيح وسنفسِّره (٤).
المباح: ما أعلم فاعله أو دلّ على (٥) أنه لا يترجح أحد طرفيه على الآخر شرعًا (٦) وأسماؤه: الحلال والطِّلْق. وقد يقال الحلال لما لا ضرر في فعله وإن حرم تركه كدم (٧) المرتد.
المندوب: ما جاز تركه وترجح عليه فعله شرعًا ليخرج الأكل قبل
_________________
(١) = بأصل معناهما اللغوي. وهو أن الفرض هو القطع. والواجب هو الساقط. فالفرض أشد من الوجوب. ثم جعلوا ما ثبت بدليل قطعي هو الفرض وما ثبت بدليل ظنّى هو الواجب. وعند الشافعية: الفرض والواجب شيء واحد. وهو الفعل المطلوب طلبًا جازمًا غير ناظرين للمعنى اللغوي لأن الاصطلاح قد ينقل الكلمات عن أصلها اللغوي. وفي الحقيقة إن لهذا الخلاف ثمرة، وليس لفظيًا فقط، لأن الأحناف بنوا على مذهبهم أنَّ عدم قراءة الفاتحة في الصلاة لا يبطلها لأنها ثابتة بدليل ظنّي وهو (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه وعند الشافعية الصلاة باطلة.
(٢) وفي "جـ" "وهو".
(٣) ويسموْن أصحاب العدل والتوحيد ويقولون بأن القدر خيره وشره من الله ونفوُا صفات الله تعالى وقالوا بوجوب رعاية الله مصالح العباد وقالوا بالقبح والتحسين العقليين وهم فِرَق كثيرة جدًا وسمّوا بالمعتزلة لما قال الحسن البصري اعتزلنا واصل لما حدث الخلاف في مرتكب الكبيرة. انظر الفرق بين الفِرَق من ص ٢٠ - ٦٧ والمِلل والنحل للشهرستاني ١/ ٤٣ وما بعدها والمواقف ٦٢ واللباب ٣/ ١٥٦.
(٤) وفي "جـ" عليه بالعقاب وهو كالتوضيح من الناسخ.
(٥) أي سيأتي الكلام على القبح بعد صفحتين.
(٦) سقطت "على" من جميع النسخ ما عدا "جـ".
(٧) أورد القاضي الأرموي ﵀ في تعريف المباح قيدًا وهو شرعًا وهكذا أورده في تعريف الأحكام الخمسة ولم يفعل الإمام ذلك إلا في الواجب والمحرم والمندوب، وهذا من دقة انتباهه وشدة تيقظه من القبح والحسن العقليين الذين تقول بها المعتزلة.
(٨) وفي أ "كذم" وهو تصحيف.
[ ١ / ١٧٤ ]
الشرع. وإنما ذمّ تارك جميع النوافل لأنه يدلّ على زهده في الطاعة واستهانته بها. وأسماؤه المرغب فيه أي بالثواب، والمستحب أي من الله تعالى، والنفل: أي الطاعة الغير واجبة، والتطوع أي الانقياد في قربة بلا حتم، والسنّة أي الطاعة غير الواجبة. لأنها تذكر في مقابلة الواجب. وقيل: ما يعلم وجوبه أو ندبيته بأمره ﵇ أو إدامة فعله فهو سنّة لأنها مأخوذة من الإِدامة. يقال: الختان من السنّة، والإِحسان (١) إذا كان نفلًا موصلًا إلى الغير قصدًا.
المكروه: ما جاز فعله وترجح تركه شرعًا. وقد يقال بالاشتراك للمحظور وترك الأولى كترك صلاة (٢) الضحى وإن لم يرد عن تركها نهي.