دلالة اللفظ على تمام مسمّاه هي المطابقة. وعلى جزئه التضمّن.
وعلى لازمه الالتزام وليعتبر في الكل كونه كذلك احترازًا عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه أو لازمه وفي الالتزام اللزوم الذهني إذ لا فهم دونه. لا الخارجي لحصول الفهم دونه كما في الصدين والاستدلال بتلازم (١) الجوهر والعرض. وعدم استعمال لفظ أحدهما في الآخر ضعيف (٢) إذ دلالة اللفظ غير استعماله، ولأنه استدلال بانتفاء الشيء ومع تحقّق غيره على عدم اعتبار الغير. والدّال بالمطابقة مفرد إن لم يدل جزء منه على شيء حين هو جزؤه، ومركب إن دلّ (٣) جزء منه كذلك وما يدل جزء منه دون جزء غير موجود (٤).
والمفرد جزئي أن منع نفس تصور معناه من الشركة، وكلّي إن لم يمنع وهو إن دلّ على تمام الماهية كان مقولًا في جواب ما هو؟ بحسب الشركة والخصوصية إن صلح لذلك حالتي الجمع والإِفراد بالسؤال كالنوع بالنسبة إلى أفراده. وبحسب الشركة فقط إن صلح له (٥) حالة الجمع فقط كالجنس
بالنسبة إلى أنواعه. وبحسب الخصوصية فقط إن صلح له (٥) حالة الإِفراد فقط كالحدّ بالنسبة إلى محدوده.
_________________
(١) وفي "أ، ب" تلازم.
(٢) هذا التضعيف من القاضي الأرموي.
(٣) وفي "ب، د" كل جزء.
(٤) عدم وجوده راجع لكون أحد الجزئين مستعمل والآخر مهمل وهر غير مفيد ولا واقع.
(٥) سقط من "جـ" له من الموضعين.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وإن دلّ على جزء الماهية فإن لم يكن مشتركًا بينها وبين ماهية ما غيرها كان فصلًا قريبًا. وإن كان تمام المشترك كان جنسًا قريبًا أو بعيدًا. وإن لم يكن تمام المشترك كان بعضًا منه مساويًا له دفعًا للتسلسل. وكان (١) فصلًا بعيدًا لصلاحيته لتمييز الماهية. عن شيء ما في ذاته. ولو فسر الفصل بتمام المميز لم يكن حصر (٢) الجزء في الجنس والفصل والأجناس تنتهي في الارتقاء إلى ما لا جنس فوقه وهو جنس الأجناس. والأنواع في النزول إلى ما لا نوع تحته وهو نوع الأنواع.
وإن دلّ على (٣) الخارج عن الماهية فهو إما لازم لها أو لشخصيتها بوسط وهو المقرون بقولنا "لأنه" حين قال لأنه كذا. أو بغير وسط. وإما غير لازم بوطء زواله أولًا. وأيضًا الخارج خاصة إن اختص بالماهية وإلا فعرض عام (٤).
وأيضًا المفرد إن لم (٥) يستقل بالمفهومية فهو الحرف. وإن استقل ودلّ على زمان معيق لمعناه فهو الفعل. وإلا فهو الاسم. فإن كان مسمّاه جزئيًا مضمرًا فهو المضمر وإن كان مظهرًا فهو العَلَم. وإن كان كليًا هو نفس الماهية فهو اسم الجنس عند النحاة. وإن كان موصوفية أمر ما بصفةٍ فهو المشتق. ثم حصول الكلي بإن كان في بعض تلك المواضع أولى أو أقدم فهو المشكك (٦) والا فهو المتواطئ وأيضًا المفرد إن وافقه غيره في معناه
_________________
(١) وفي "ب" (فكان).
(٢) وفي "ب" (لم يكن حصر الجزء).
(٣) سقط من "ب" على.
(٤) العرض العام: كلي مقول على أفراد حقيقيةٍ واحدة وغيرها قولًا عرضيًا. فقولنا "وغيرها" يخرج النوع والفصل والخاصة لأنها لا تُقال إلا عن حقيقة واحدة فقط. وبقولنا: قولًا عرضيًا يخرج الجنس لأنه قول ذاتي (تعريفات الجرجاني ص ١٢٩).
(٥) وفي "ب" "لا" بدل (لم).
(٦) المشكك: هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر كالوجود فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد في الممكن (تعريفات الجرجاني: ص ١٩٢).
[ ١ / ٢٠١ ]
سميا مترادفين (١) وإلا فمتباينين (٢).
وأيضًا إنه قد ينسب لمعنى غير واحد. فإن وضع أولًا لمعنى ثم نقل إلى غيره لا لمناسبة بينهما فهو المرتجل (٣). أو لمناسبة فإن ترجح المنقول إليه سمي منقولًا شرعيًا أو عرفيًا أو اصطلاحيًا على اختلاف الناقلين. وإلا سمي بالنسبة إلى الأول حقيقة وإلى الثاني مجازًا. ومنه المستعار وهو المنقول للمشابهة. وإن وضع لهما وضعًا أولًا فهو المشترك إن نسب إليهما.
والمجمل إن نسب إلى كل واحدٍ منهما.
وأيضًا المفرد إن لم يحتمل غير معنى فهو النص وإن احتمله سواء سمي مجملًا (٤) وإلَّا سمي بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا (٥). وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا. والنص الظاهر يشتركان في الرجحان. والمجمل والمؤول في عدمه. واللفظ (٦) بالنسبة إلى الأول يسمى محكمًا وإلى الثاني متشابهًا.
ولا يحسن جعل الظاهر من قبيل وضع اللفظ لمعنيين (٧).
وأما المركب فإما أن يفيد طلب شيء إفادة أولية فإن كان المطلوب
_________________
(١) المترادفين: ما كان معناهما واحدًا ولفظهما مختلفًا كالليث والأسد (تعريفات الجرجاني ص ١٣٥).
(٢) المتباينين: ما كان لفظهما ومعناهما مختلفين كالإنسان والفرس (تعريفات الجرجانى ص ١٠٧).
(٣) المرتجل كما يتّضح من تعريفه (أنه ما وضع لمعنى ثم نقل إلى غيره لا لمناسبة بينهما). ولكن عرفه الجرجاني: ص ١٨٦ أنه هو الاسم الذي لا يكون موضوعًا قبل العلمية.
(٤) المجمل: هو ما خفي المراد منه بحيث لا يدرك بنفس اللفظ (تعريفات الجرجاني ص ١٨٠).
(٥) الظاهر: هو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر فالراجح يسمى ظاهرًا والمرجوح مؤولًا.
(٦) وفي "أ، جـ" واللفظ.
(٧) قوله: (ولا يحسن جعل الظاهر من قبيل وضع اللفظ لمعنيين) فيه اعتراض على الإِمام الرازي. حيث قال الإِمام في المحصول (أما إذا كان اللفظ موضوعًا للمعنيين جميعًا فإما أن تكون إرادة ذلك اللفظ لهما على السوية أو لا تكون على السوية إلى أن قال وأما إن كانت دلالة اللفظ على أحد مفهوميه أقوى سمي اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرًا وبالنسبة للمرجوح مؤولًا) انظر المحصول: ١/ ١/ ٣١٤.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ذكره (١) فهو الاستفهام وإن كان تحصيله فهو مع الاستعلاء أمر ونهي: ومع التساوي التماس. ومع الخضوع سؤال وإما أن لا يفيده فإن احتمل التصديق كان خبرًا وإلا تنبيهًا ومنه التمنّي والترجّي والقَسَم والنداء.
والدال بالالتزام إما مفرد - فإن كان معناه الالتزامي شرطًا للمطابقي سمي اقتضاء عقلية (٢) كانت الشرطية أو شرعية (٣) - وإما مركب وهو إما أن يكون الالتزامي مكمِّلًا للمطابقي كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب أولا يكون. وهو إما ثبوتي كدلالة قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٤) مادًّا
إلى تبين الخيط الأبيض على صحة صوم المصبح جنبًا. أو عدمي كدلالة تخصيص الشيء بالذكر على نفي ما عداه.
واعلم أن اللفظ قد يدل على لفظ مفرد أو مركب قال على معنى أو غير دال. والأول كلفظ الكلمة والاسم، والثاني (٥): كلفظ الخبر، والثالث (٦): كحرف المعجم الدال على لفظ لا يفيد. ولم يوجد الرابع (٧) إذا لتركيب للإفادة.
_________________
(١) أي ذكر ماهيته.
(٢) مثال دلالة الاقتضاء العقلية: قولنا: اصعد، فإنه يستلزم نصب السلم لأنه شرط يتوقف عليه الصعود.
(٣) ومثال ذلك الاقتضاء الشرعية قولنا "اعتق عبدك" فإنه يستلزم تحصيل الملكية الذي هو شرط العتق.
(٤) [البقرة: ١٨٧].
(٥) أي اللفظ المركب الدال على معنى مركب.
(٦) أي اللفظ المفرد غير الدال على معنى.
(٧) أي اللفظ الدال على لفظ مركب لم يوضع لمعنى.
[ ١ / ٢٠٣ ]