قال أبو الحسين (١): "الحقيقة ما أفيد بها في اصطلاح به التخاطب ما وضعت (٢) له فيه". والمجاز: "ما أفيد به في اصطلاح به التخاطب غير ما وضع له لعلاقة بينهما". وهذا (٣) القيد لم يذكره ولا بد منه ليخرج عنه الوضع الجديد. ومن يشترط (٤) الوضع في المجاز زاد فيه "معنى مصطلحًا عليه"
وهذان يتناولان الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية ومجازاتها.
وقال أبو عبد الله البصري (٥) أولًا: (الحقيقة ما انتظم لفظها معناها بلا
_________________
(١) تصرَّف الأرموي في تعريف أبي الحسن للحقيقة. حيث قال أبو الحسين في المعتمد ١/ ١٦ (ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به) وعرف أبو الحسين المجاز بأنه (ما أفيد به معنى مصطلحًا عليه غير ما اصطُلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها).
(٢) في "جـ، ب" وضع بدل وضعت.
(٣) أي لم يذكر أبو الحسين "العلاقة بينهما" وهو زيادة من الرازي وعلل الرازي هذه الزيادة بأنه لولاها لما كان مجازًا بل كان وضعًا جديدًا. وزاد الرازي في تعريف أبي الحسين للمجاز (معنى مصطلحًا عليه) وقال بعد أن أضافها من لم يقل بوضع المجاز يجب عليه حذف هذه الزيادة، ومن قال لا بد في المجاز من الوضع جاز له إثباتها، والأرموي حذفها من أصل التعريف كما ترى.
(٤) وفي "جـ، د" ومن شرط.
(٥) هو أبو عبد الله الحسين بن علي البصري من كبار المعتزلة توفي عام ٣٦٩ هـ له ترجمة في: =
[ ١ / ٢٢١ ]
زيادة ونقصان (١) ونقل). والمجاز: (ما لا ينتظم لفظه معناه إما بزيادة (٢) أو نقصان أو نقل) وهو خطأ لأن المجاز بالزيادة والنقصان للنقل إلى موضوع آخر معنى وإعرابًا. أما معنى فلأن قوله: ليس كمثله شيء ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لنفي مثل المثل وسؤال القرية وقد نقلا إلى نفي المثل وسؤال أهل القرية. وأما إعرابًا فلأنهما ما لم يغيرا إعراب الباقي لم يكونا مجازين كقولهم: جاءني (٣) زيد وعمرو، وقال (٤) ثانيًا الحقيقة: "ما أفيد بها ما وضعت له" والمجاز: "ما أفيد به غير ما وضع له".
وقال ابن جني (٥): الحقيقة ما أقرت في الاستعمال على أصل وضعها في اللغة والمجاز بضده (٦) وهما متقاربان.
وقال عبد القاهر النحوي (٧): (الحقيقة كل كلمةٍ أريد بها ما وقعت له في وضع واضعها وقوعًا لا يستند فيه إلى غيره) والمجاز: (كل كلمة أريد بها
_________________
(١) = طبقات الشيرازي ١٤٣، الفهرست ٢٩٤، كشف الظنون ٥/ ٣٠٧، طبقات المعتزلة ص ٣٢٥.
(٢) وفي "ب" أو نقصان أو نقل.
(٣) وفي "جـ، د" لزيارة.
(٤) وفي "أ" جاء زيد.
(٥) أبو عبد الله البصري: وقد بيَّن الرازي بطلان تعريف أبي عبد الله هذا لأنه يدخل في الحقيقة ما ليس منها، كلفظة الدابة إذا استعملت في النملة، فقد أفيد بها ما وضعت له في أصل اللغة، مع أنها بالنسبة للوضع العرفي "مجاز" فبذلك يكون قد دخل المجاز العرفي في حد الحقيقة. ولم ينبه الأرموي ﵀ على فساد هذا التعريف.
(٦) هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي ولد بالموصل عام ٣٣٠ هـ له الخصائص وسر الصناعة واللمع والتبصرة والمنصف توفي عام ٣٩٢ هـ ترجم له وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٦، مرآة الجنان ٢/ ٤٤٥، مفتاح السعادة ١/ ١٣٥، معجم الأدباء ٥/ ١٥، معجم المؤلفين ٦/ ٢٥١.
(٧) وقد بيَّن الرازي ضعف تعريف ابن جني حيث أورد عليه أنه غير جامع حيث يخرج عن حد الحقيقة "الحقيقة الشرعية والحقيقة العرفية" وهما داخلان في حد المجاز عنده.
(٨) هو عبد القاهر بن عبد الرحمن المكنى بأبي بكر الجرجاني النحوي المتكلم على مذهب الأشعري الفقيه الشافعي. كان من كبار أئمة العربية والبيان وله من المصنفات كتابي المغني والمقتصد في شرح الإيضاح. ودلائل الإعجاز توفي عام ٤٧٤ هـ على خلاف في ذلك. ترجم له: فوات الوفيات ١/ ٦١٢، كشف الظنون ١/ ٦٠٢، طبقات الأسنوي ٢/ ٤٩١، طبقات ابن السبكي ٥/ ١٤٩، بغية الوعاة ٢/ ١٠٦، مرآة الجنان ٣/ ١٠١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بينهما) وهذه الثلاثة تخرج الحقيقة الشرعية والعرفية عن حد الحقيقة وتدخلها في حد المجاز وأيضًا قوله في الأول منها (المجاز ما أفيد به غير ما وضع له) لا بد وأن يريد به مع القرينة وحينئذ (١) ينتقض باستعمال لفظ الأرض في السماء والأعلام المنقولة.
واعلم أن لفظي الحقيقة والمجاز حقيقتان في المعنيين عرفيتان (٢).
مجازان لغويان. إذ الحقيقة فعيلة من الحق وهو الثابت إذ يذكر في مقابلة الباطل الذي هو المعدوم. والفعيل بمعنى الفاعل أو المفعول. والتاء (٣) لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإسمية. فلا يقال شاة أكيلة ونطيحة. ثم نقل إلى العقد.
ثم إلى القول المطابق (٤) لأنهما بالوجود أولى من غير المطابق. ثم إلى اللفظ المستعمل في موضوعه، لأن استعماله فيه تحقيق لذلك الوضع.
والمجاز مفعل من الجواز إما بمعنى التعدي وأنه مختص بالجسم فاستعماله في اللفظ مجاز للتشبيه ولأن بناء المفعل للمصدر أو الموضع لا للفاعل. فاستعماله في اللفظ المنتقل (٥) مجاز. وأما بالمعنى المذكور في مقابلة الوجوب والامتناع فإنه وإن أمكن حصوله في اللفظ لكنه يرجع إلى الأول. لأن الجائز لتردده بين الوجود والعدم كأنه ينتقل من أحدهما إلى الآخر.