الحسن والقبح: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته. وصفة الكمال والنقص عقلي (١) وبمعنى ترتب الذم عاجلًا والعقاب آجلًا على الفعل وعدمه عندنا شرعي، وعند المعتزلة عقلي. وهو الموصوف بصفة لأجلها استحق فاعله الذم والعقاب، استقل العقل بمعرفته ضرورة كالكذب الضار، أو نظرًا كالكذب النافع. أو لا يستقل كصوم يوم العيد إذ الشرع يعرف اتّصافه بما لأجله قبح.
لنا: إن فاعل القبيح إن لم يتمكن من تركه كان فعله اضطراريًا. وإن تمكن ولم يتوقف ترجح فاعليته على تاركيته على مرجح كان اتفاقيًا. وإن توقف لم يكن ذلك المرجح منه، ويجب الفعل عنده لئلا يتسلسل (٢) ولا يلزم خلاف ما فرض من المرجح التام، وحينئذ يكون اضطراريًا. والاضطراري
والاتفاقي لا يقبحان عقلًا بالاتفاق.
_________________
(١) خلاصة الكلام في مسألة الحسن والقبح: بيِّن الأرموي ﵀ تبعًا للإِمام الرازي أن الحسن يطلق على ملاءمة الطبع، والقبح على منافرته كحسن إنقاذ الغرقى وقبح أخذ الأموال ظلمًا وكذلك يطلق الحسن على صفة الكمال، والقبح على صفة النقص كحسن العلم وقبح الجهل، وهما بهذين المعنيين محل اتفاق بين أهل السنّة والمعتزلة على أنهما عقليان. وأما إطلاقهما وإرادة ترتب المدح في العاجل والثواب في الآجل بالحسن وترتب الذم في العاجل والعقالب في الآجل بالقبح. فهما محل خلاف. قال أهل السنّة: إنهما شرعيان بمعنى لا يؤخذان إلا من الشرع ولا يدركان إلَّا به. وقالت المعتزلة هما عقليان أي أن العقل يدركهما من غير توقف على الشرع مع أنه لا خلاف بين أهل السنّة والمعتزلة في أن الحاكم هو الله ﷾ لا حاكم سواه، وأن العقل لا حكم له في شيء بالكلية. ولكن بعض أهل السنّة من المؤلفين أطلقوا عبارات فيها تساهل شديد بالنسبة للمعتزلة حيث إن عباراتهم تدل على أن الحاكم عند المعتزلة هو العقل ومن ذلك: قول ابن السبكي: وحكَّمت المعتزلة العقل. انظر في شرحه جمع الجوامع ١/ ٦٤. وقول البيضاوي: الحاكم الشرع دون العقل انظر نهاية السول ١/ ٢٥٨. وقول العضد: قالت المعتزلة بل الحاكم بها العقل. انظر المواقف ص ٥٢٩ ولمعرفة آراء المعتزلة انظر المعتمد لأبي الحسين البصري ٢/ ٢٨٨.
(٢) وفي "ب" أو لا يلزم وفي "جـ" ولئلا يلزم.
[ ١ / ١٨٠ ]
ولقائل أن يقول: وجوب الشيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، وإلَّا لزم نفي قدرة الله تعالى. فإن قلت الفرق أن مرجح فاعليته تعالى يحصل (١) باختياره. قلت (٢): فالكلام في فاعليته لذلك المرجح كما في الأول فلزم (٣) التسلسل في أفعاله تعالى أو الاعتراف بالمنع المذكور.
ادّعى الخصم العلم الضروري بقبح الكذب الضار، وزعم أنه لا يستفاد من الشرع لحصوله لمنكريه، وأن المقتضي لقبحه (٤) كونه كذلك بالدوران. ومنهم مَن استدل بأوجه:
أ- المختص بالوجوب لو لم يختص بما يقتضيه (٥) لترجح أحد الجائزين على الآخر بلا مرجع.
ب- لو حسن من الله كل شيء لحسن منه أظهار المعجزة على يد الكاذب والتبس النبي بالمتنبي.
جـ - ولحسن منه الكذب فلم يعتمد على أخباره.
د- العاقل يختار الصدق على الكذب إذا استويا فدلّ على أن كونه صدقًا يقتضي حسنه.
هـ- ما لا يعلم قبل الشرع لا يرد به الشرع.
والجواب (٦): المعلوم بالضرورة الحسن والقبح بمعنى الملاءمة والمنافرة. ولا يقال: الظلم ملائم لطبع (٧) الظالم، ولا ينفر الطبع عن خطاب الجماد، وإنشاد قصيدة غراء في شتم الملائكة والأنبياء بصوت طيب مع العلم الضروري بقبحه لأن الظلم لولاه من طبع الظالم لما دفع (٨) عن نفسه.
_________________
(١) وفي "ب، د" تحصل.
(٢) وفي "هـ" قال بدل قلت.
(٣) وفي "ب، د" فيلزم.
(٤) وفي "أ، جـ" للقبح.
(٥) وفي "ب" تقتضيه.
(٦) بدأ بالجواب عن أدلة القائل بالحسن والقبح العقليين.
(٧) وفي "هـ" طبع.
(٨) وفي "ب" دفعه.
[ ١ / ١٨١ ]
وإنما رغب فيه لمعارضة أخذ المال وحكم العقل بحسن الإِحسان لإِفضاء ذلك الحكم إلى وقوعه وبقبح الكذب لمخالفته لمصلحة (١) العالم. ويقبح خطاب الجماد لأنه اشتغال بما لا يفيد. ويقبح الإِنشاد المذكور لأنه مقابلة أرباب الفضائل بالشتم المخالف (٢) لمصلحة العالم. فرجع الكل إلى ملاءمة الطبع.
سلّمناه: لكن لا نسلّم تعليل قبح الظلم بكونه ظلمًا والدوران لا يفيد العلية لما يأتي بعد. كيف (٣) والمفهوم من الظلم أنه إضرار غير مستحق.
والعدم لا يكون جزء علة الوجود وإلا لانسد (٤) باب معرفة وجود (٥) الصانع، ولا شرطًا لتأثير العلة إذ العلية تدور معه، ولا سبب سواه فيعلل (٦) به ويعود (٧) المحذور.
ولقائل أن يقول: لما فُسر القبح بالأمر العدمي كما سبق لا يتوجه هذا (٨).
والجواب عن أوب: أن الرجحان بلا مرجح إن لم يجز لزم الجبر كما سبق وبطل القبح العقلي. وإن جاز اندفع الأول وورد الثاني عليكم لجواز خلق المعجزة لا لغرض أو لغرض غير التصديق. لا يقال خلق المعجزة على يد الكاذب وإن لم يوجب التصديق لكنه يوهمه وأنه قبيح لأن إيهام القبيح إذا
لم يوجبه لا يقبح إذ التقصير من المكلف في قطعه لا في محل القطع كإنزال المتشابهات.
_________________
(١) وفي "أ، ب، د": مصلحة.
(٢) وفي "هـ" المخالفة.
(٣) سقط من "ب" (بعد وكيف).
(٤) وفي "هـ" انسد.
(٥) سقط من "ب" وجود.
(٦) وفي "هـ" فتعلل.
(٧) وفي "هـ" فيعود.
(٨) خلاصة اعتراض القاضي الأرموي ﵀: أنه ما دام فسر القبح بالأمر العدمي فإنه لا يسلم بلزوم كون العدم جزء علة الوجود. وإنما يلزم هذا لو لم يكن المعلول (القبح) عدمي لكنه عدمي لأنه فسّره بأنه (ما ليس للمتمكِّن أن يفعله).
[ ١ / ١٨٢ ]
ولقائل أن يقول (١): الجواب مبني على الدليل المذكور وقد سبق ضعفه. ثم لا حاجة (٢) في جواب الثاني إلى الترديد. بل جوابه: أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه بل قد يجزم بانتفائه، وهاهنا كذلك. وجواب الأول منع الملازمة إذ ليس المرجح منحصرًا في صفة الفعل.
وعن "جـ" أنه وارد عليكم بحسن الكذب لإنقاذ النبي وفي المتوعد (٣) ظلمًا.
لا يقال: الحسن هو التعريض ثم المقتضي قد يتخلف الأثر عنه لمانع. لأن الخبر إنما يصير تعريضًا بصرفه عن ظاهره بطريق لا يتنبه السامع اليه وحينئذٍ لا يمكن القطع بإجراء كلام الله تعالى على ظاهره إلا إذا علم أنه ليس ثمة مصلحة تقتضي صرفه عن ظاهره ولا طريق إليه البتة. بل غايته أن لا يعلم ذلك لكن عدم العلم لا يدل على العدم. وأما تخلف الأثر عن المؤثر العقلي فمُحال. وإلا كان عدم المانع جزءًا منه. ولو جاز ذلك لجاز في كل كذب أن لا يكون قبيحًا لمانع (٤) وعاد الإِلزام.
وعن "د" أن اختيار الصدق للألف العام. فإن العقل لا يأتي بما يخالف نظام العالم.
وعن "هـ" أن الموقوف على الشرع ليس تصور الحسن والقبح بل التصديق بهما.
التفريع: مهما بطل الحسن والقبح العقلي لم يجب شكر المنعم عقلًا. ولا يكون قبل الشرع حكم لكن الأصحاب أبطلوا قول المعتزلة في المسألتين تفريعًا على القول بالحسن والقبح العقلي.
_________________
(١) تقرير اعتراض القاضي الأرموي على جواب الإمام الرازي أن الأرموي لا يسلم أن الترجيح بلا مرجح إذا كان مُحالًا لزم الجبر الملزوم لبطلان القبح العقلي. والجواب عن الثاني: أنه لا يلزم الالتباس لو حسن من الله تعالى إظهار المعجزة على يد الكاذب. وإنما يلزم الالتباس لو وقع وهو ممنوع فحسن الشيء لا يوجب وقوعه.
(٢) وفي "هـ" لا حاجة به.
(٣) وفي "هـ" التوعد.
(٤) سقط من "جـ" لمانع.
[ ١ / ١٨٣ ]
مسألة: شكر المنعم لا يجب عقلًا خلافًا للمعتزلة (١).
لنا قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (٢)، ولأنه لا يجوز أن يجب لا لفائدة لكونه عبثًا. ولا لفائدة تعود إلى الله تعالى لتنزهه عنها. ولا إلى العبد لأنها إما جلب منفعةٍ. وهو غير واجبٍ عقلًا. فالمفضي إليه أولى. ولأن أداء الواجب لا يقتضي غيره. ولأن توسيطً الشكر يكون عبثًا لإِمكان إيقاعه بجميع المنافع بدونه وإما دفع مضرّة إما عاجلة- والمضرّة العاجلة لا تدفع مضرّة عاجلة- وإما آجلة. وأنه تعالى لا يضرّه الكفر ولا يسرّه الشكر، فلا نقطع بها. بل يحتمل العقاب على الشكر (٣). لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه بلا ضرورة، ومجازاة للمولى (٤) على نعمه وشكر لنعمه التي (٥) هي بالنسبة إلى خزانة الله أقل من كسرة خبز (٦) بالنسبة إلى خزانة ملك، ولأنه قد لا يليق به تعالى.
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يجب لدفع ضررٍ عاجل وهو خوف العقاب على الترك، فإنه (٧) راجح على خوف العقاب على الفعل: إذ فاعل الشكر أحسن حالًا من تارِكه.
ثم ما ذكرتم ينفي الوجوب الشرعي أيضًا (٨). وهو (٩) في مقابلة ما تقرر في بداية العقول من وجوب شكر المنعم. ثم نقول الشكر طريق آمن فاقتضى العقل وجوب سلوكه. ولأنه لو لم يجب عقلًا لما وجب النظر في المعجزة أيضًا عقلًا إذ لا فرق بينهما وأنه يفضي إلى إفحام الأنبياء. إذ المكلف يقول
_________________
(١) نقل الأسنوي في نهاية السول ١/ ١٢٠ عن الإمام الرازي أنه في كتبه الكلامية خالف هذا الرأي.
(٢) [الإسراء: ١٥].
(٣) سقط من "جـ" على الشكر.
(٤) وفي "أ، ب، جـ" المولى.
(٥) سقط من "ب، جـ، د" التي.
(٦) خبز موجودة فى "جـ" فقط.
(٧) وفي "هـ" وأنه.
(٨) سقط من "ب" أيضًا.
(٩) وفي "أ" وهي.
[ ١ / ١٨٤ ]
لا أنظر في معجزتك ما لم يجب ولا يجب إلَّا بالشرع ولا يثبت الشرع إلا بالمعجزة.
والجواب: أن الرجحان ممنوع في حق مَن لا يضرّه الكفر ولا يسرّه الشكر. وما ذكرنا وإن نفى الوجوب شرعًا لكن المدعى أن القبح العقلي ينفي الوجوب العقلي، وتقرر وجوب شكر منعم شأنه ما ذكرناه في البداية ممنوع. ولا نسلّم أن الشكر طريق آمن لما سبق. والإِفحام المذكور لازم على المذهبين. لأن وجوب النظر نظري فللمكلف أن يقول لا أنظر في المعجزة ما لم يجب النظر ولا يجب إلا بنظري فلا أنظر.
ولقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يجب لفائدة هي منفعة العبد.
ولا نسلّم أن جلب المنفعة لا يجب عقلًا إذ المنافع تختلف فيه (١).
ولا نسلّم أن أداء الواجب لا يقتضي غيره. سلّمناه: لكنه لا ينفي الوجوب لفائدة هي منفعة العبد. إذ تلك الفائدة قد تكون نفس الشكر، إذ عندنا وجب الشكر لكونه شكرًا.
ولا نسلم أن توسيط الشكر عبث. إذ تلك الفائدة قد يمتنع حصولها بدونه لما سبق. فإن عُني بالفائدة أمر زائد على نفس كونه شكرًا منعنا الحصر. إذ عندنا الشيء قد يجب لكونه ذلك الشيء. ولا نسلم أن المضرّة العاجلة لا تدفع مضرّة عاجلة فوقها. فقد (٢) يكون ضرر خوف العقاب مثلًا (٣)
راجحًا على ضرر الإِتيان بالشكر وضرر خوف العقاب عليه.
وحديث الإِفحام ضعيف جدًا. ومن جانبكم (٤) أضعف. فإن لم يأت بالنظر إلا بعد معرفة وجوبه فقد يعرف وجوبه بالعقل قبل دعوى النبوّة.
_________________
(١) وفي "أ" فيها.
(٢) وفي "هـ" يكون عنده.
(٣) وفي "جـ، د، ب" مثلًا على الترك.
(٤) المراد بالضمير في "جانبكم" الأشاعرة.
[ ١ / ١٨٥ ]
مسألة: في حكم الأشياء قبل الشرع (١).
ما يضطر المكلف إليه كالتنفس يؤذن (٢) فيه قطعًا إن لم يجز تكليف ما لا يُطاق.
وما لا (٣) (يضطر المكلف إليه) فهو عند معتزلة البصرة (٤) وبعض فقهاء الشافعية والحنفية مباح.
_________________
(١) خلاصة الكلام في هذه المسألة يقول أهل السنّة إنه لا يوجد حكم قبل بعثة الرسول - ﷺ - بنوا على ذلك أن أهل الفترة أمرهم إلى الله وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وكذلك لأن الأحكام لا تعرف إلا من الشرع. وقالت المعتزلة: إن الحكم موجود قبل الشرع أي متعلق تنجيزيًا بمَن وجد قبل البعثة لأن العقل كافٍ في إدراك الأحكام الشرعية بناء على قاعدتهم "التحسين والتقبيح العقليين" واتفقوا على أن الضروري من الأفعال كتنفس الهواء مباح لحكم العقل بالاضطرار إليه. ثم اختلفوا في الاختياري من الأفعال كأكل الفاكهة. أما ما ظهرت مفسدة فعله سمّوه محظورًا. وما كان في تركه مفسدة كان واجبًا. وما اشتمل فعله على مصلحة ولم يترتب على تركه مفسدة سمّوه مندوبًا. وما اشتمل تركه على مصلحة ولم يترتب على فعله مفسدة كان مكروهًا. وما لا يشتمل تركه وفعله على مفسدة أو مصلحة كان مباحًا. وأما الذي لم يظهر دليل يخصّه بمصلحة أو مفسدة اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال:
(٢) أنه محظور لأنه تصرّف في مُلْك الغير بدون إذنه، ولم يقم دليل على إذن الله فيه وإلى هذا ذهبت معتزلة بغداد وطائفة من الإمامية وأبو علي بن أبي هريرة من الشافعية.
(٣) أنه مباح وذلك لأن الله خلق كل ما في الوجود من أجل ابن آدم ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فالإذن في الاستعمال حاصل وبه قال الجبائيان وأبو الحسين البصري من معتزلة البصرة.
(٤) التوقف: لتعارض دليلي مذهب الحظر ومذهب الإباحة وبه قال الإمام والصيرفي والأشعري انظر المعتمد ٢/ ٨٦٨، المستصفى ١/ ٦٣، نهاية السول ١/ ١٢٤.
(٥) عبارة الإِمام في المحصول والمنتخب أنه غير ممنوع منه قطعًا إلا إذا جوّزنا التكليف بما لا يطاق وعبارة القاضي الأرموي مخالفة لأن الغير ممنوع لا يعني أنه مأذون فيه لأن المأذون فيه مباح، وهنا لا يثبت إلا بالشرع. ونبّه على ذلك الأسنوي ١/ ١٢٤.
(٦) ما بين القوسين إضافة منّي توضيحًا للمعنى.
(٧) قد ظهر الاعتزال في البصرة على يد واصل بن عطاء ثم عمرو بن عبيد. وظهر لواصل بن عطاء تلاميذ حملوا مذهبه. لكن عمرو بن عبيد نظرًا لزهده لم يكن له تلاميذ. وكان من أشهر تلاميذ واصل بن عطاء عثمان الطويل. وتتلمذ على عثمان الطويل رؤساء الاعتزال ومنهم أبو الهذيل العلَّاف وأبو بكر الأصم ومعتمر بن عباد وتتلمذ في البصرة على أبي الهذيل النظام والإسواري والشحام شيخ الجبائيين والفوطي شيخ عبَّاد بن سليمان.=
[ ١ / ١٨٦ ]
وعند معتزلة بغداد وبعض الإِمامية (١) وأبي علي بن أبي هريرة (٢) منّا محظور وعند الأشعري (٣) والصيرفي (٤) وبعض الفقهاء على الوقف بمعنى لا حكم أو بمعنى لا نعلم.
_________________
(١) = وأما المعتمر بن عباد خلفه ابنه الذي رحل إلى بغداد ليعيش هو وتلاميذه في أروقة القصور وفي حلبات المناظرات التي كانت تدعمها السلطة الحاكمة منذ أن تولى أبو جعفر المنصور الحكم إلى أن آل الحكم للمتوكل الذي أطاح بزعامتهم الدينية التي ذاق لهيب نارها أهل الحديث بسبب فتنة القول بخلق القرآن. وكان من أشهر معتزلة بغداد: أبو موسى المردار وأحمد بن أبي دؤاد وثمامة بن الأشرس. وجعفر بن حرب وجعفر بن مبشر وأبو جعفر الإسكافي وأبو الحسين الخياط، وأبو القاسم البلخي وعيسى بن الهيثم. وفي الحقيقة أن مذهبهم كان في البصرة نظري. ولما أنتقل إلى بغداد في ردهات القصور وحلقات المناظرة أصبح عمليًا وكان أكثر تأثرًا بالفلسفة اليونانية لقوة حركة الترجمة في العاصمة. ئم أفَلَ نجمهم على يد المتوكل، وعاد مرة أُخرى على يد الصاحب بن عباد وزير دولة بني بويه. والمعتزلة إجمالًا متفقون على أُصولهم الخمسة (التوحيد والعدل والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر). ومع هذا يوجد بينهم اختلاف يصل لدرجة تكفير بعضهم بعضًا. ومن الأشياء التي اختلفوا فيها: اختلافهم في الجزء والجسم. وأفضلية الخلفاء والإمامة. انظر الفرق بين الفرق: ١٨٢، ضحى الإِسلام ٣/ ١٥٩، الجبائيان لعلي فهمي خشيم ص ٥.
(٢) فرقة من الشيعة وهم القائلون بإمامة علي ﵁ بعد الرسول - ﷺ - نصًا ظاهرًا وقالوا لا يوجد في الإسلام أمر أهم من تعيين الإمامة وبعد علي ﵁ لأولاده ثم هنالك إمام منتظر يخرج في آخر الزمان واختلفوا في هذا الإِمام فمنهم مَن قال: محمد بن الحسن بن علي ومنهم مَن قال: إنه موسى بن جعفر، وقالت الكيسانية. إنه محمد بن الحنفية انظر: الملل والنحل للشهرستاني ١/ ١٦٢ الفرق بين الفرق (١٩) المواقف ٦٢٩ اللباب ١/ ٦٧.
(٣) هو الحسن بن الحسين المعروف بابن أبي هريرة تلميذ ابن سريج وأبي إسحق المروزي له آراء خاصة في مذهب الشافعي ويقول بتحريم الأفعال الاختيارية قبل البعثة موافقًا بذلك معتزلة بغداد توفي ببغداد سنة ٣٤٦ هـ له ترجمة في: وفيات الأعيان ١/ ١٦١، معجم المؤلفين ٣/ ٢٢، طبقات الأصوليين ١/ ٢٠٤، طبقات ابن السبكي ٢/ ٢٠٦، وفي "ب" أبو علي بن هريرة.
(٤) هو علي بن إسماعيل أبو الحسن الأشعري كان معتزليًا ورجع لأهل السنة تتلمذ على القفال وتوفي ببغداد سنة ٣٢٤ هـ له ترجمة في: طبقات السبكي ٢/ ١٤٥، وفيات الأعيان ١/ ٤١١، مرآة الجنان ٢/ ٢٩٨، الديباج: ١٩٣.
(٥) هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي شارح الرسالة وله البيان في دلائل الأعلام في=
[ ١ / ١٨٧ ]
لنا: ماسبق (١).
للأولين (٢) وجهان:
أ- أنه انتفاع خالٍ من أمارة المفسدة لا يضر المالك فحسن لدوران الحسن معه في الاستنشاق (٣) والاستظلال بحائط الغير.
ب- الله تعالى خلق الطعوم في الأجسام لغرض وإلا (٤) كان عبثًا وليس يعود إلى الله تعالى لاستحالته، بل إلى العبد. وليس هو غير نفعه بالاتفاق.
ونفعه بإدراكها أو استحقاق الثواب باجتنابها لكون تناولها مفسدة وأنه يتوقف (٥) على ميل النفس إليها الموقوف على إدراكها (٦) أو الاستدلال بها الموقوف على معرفتها الموقوفة على إدراكها ولازم المطلوب مطلوب.
وللآخرين (٧): إنه تصرف في مُلْك الغير (٨) بغير إذنه فقبح كما في الشاهد. ولهما على إبطال قولنا (٩): إن التصرّف محظور إن كان ممنوعًا عنه وإلا فمباح.
_________________
(١) = أصول الأحكام وكتاب الإجماع توفي بمصر سنة ٣٣٠ هـ وله ترجمة في وفيات الأعيان ١/ ٥٨٠ طبقات ابن السبكي ٢/ ١٦٩ الفهرست ٣٠٠ معجم المؤلفين ٥/ ٣١ روضات الجنان ٧/ ٣١٣.
(٢) وهو أنه لا يعرف الحكم إلا من الشرع ولم يرد فيه شيء.
(٣) هم مَن قالوا بالإِباحة.
(٤) وفي "أ، جـ، د" سقط الاستنشاق.
(٥) وفي "هـ" لكان.
(٦) وفي "هـ" متوقف.
(٧) وفي "ب، د" والاستدلال.
(٨) أي القائلين بالحرمة.
(٩) سقط من أ "ملك الغير".
(١٠) وهو أنه لا حكم لأن الحكم لا يعرف إلا من الشرع ولم يكن قد ورد خطاب الشرع.
[ ١ / ١٨٨ ]
والجواب عن:
أ- بمنع حكم العقل في الأصل. ئم تضعيف (١) الدوران بما سيأتي (٢).
ب- بالنقض (٣) بالطعوم المهلكة.
ولقائل أن يدفع (٤) النقض بأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي (٥) بالتركيب مع ما يصلحه بل الجواب بمنع الحصر ثم بمنع توقف المعرفة على التناول حالة التكليف فإنّا لا نسمّى فعل غير المكلف مباحًا.
جـ- بمنع عدم الإِذن.
د- إنه غير وارد إلَّا على الجزم بعدم الحكم. ولا نسلّم أن المباح ما لم يمنع عنه، بل ما أعلم فاعله أنه لا حرج عليه أقدم أو أحجم وإلا كان فعل البهيمة مباحًا.