مما لا شك فيه أن عالماُ كالفاضي سراج الدين الأرموي في سعة العلوم وإتقانها والتصنيف فيها، لا بد وأن يكون له طائفةٌ ليست بالقليلة من طلبة العلم ولكن جميع من ترجم له لم ينقل اسم أحدٍ من تلاميذه رغم ورود
[ ١ / ٤٧ ]
ترجمته في مراجع كثيرة ولهذا لا بد لي من دراسة كتب التراجم التي ترجمت لمن عاصره لمن دونه سنًا. وبعد عناءٍ وتفتيش في كل كتابٍ يظن وجود ذلك فيه وصلت إلى أنه تتلمذ عليه عالمان من العلماء وهما:
١ - محمد (١) بن عبد الرحيم (٢) بن محمد الشيخ صفي الدين الهندي الأرموي المتكلم على مذهب الأشعري، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن وأدراهم بأسراره متضلعًا بالأصلين. اشتغل على القاضي سراج الدين صاحب التحصيل وسمع من الفخر بن البخاري، وروى عنه الذهبي شيخ السبكي صاحب الطبقات، ولد ببلاد الهند سنة ٦٤٤ هـ، ورحل إلى اليمن سنة ٦٦٧ هـ، ثم حجَّ وقدم إلى مصر، ثم سار إلى بلاد الروم، واجتمع بسراج الدين وقرأ عليه وخدمه حبًا في العلم. ثم قدم دمشق سنة ٦٨٥ هـ، واستوطنها ودرَّس بالأتابكية والظاهرية الجوانية، وشغل الناس بالعلم.
كان خطه في غاية الرداءة. وكان رجلًا ظريفًا ساذجًا فيحكى أنه قال: وجدت في سوق الكتب مرةً كتابًا بخط ظننته أقبح من خطي فغاليت في ثمنه، واشتريته لأحتج به على من يدعي أن خطي أقبح الخطوط، فلما عدت إلى البيت وجدته بخطي القديم. ولما وقع من ابن تيمية في المسألة الحموية ما وقع، وعقد له المجلس بدار السعادة بين يدي الأمير تنكز وجمعت العلماء أشاروا بأن يحضر الشَّيخ الهندي فحضر، وكان الهندي طويل النفس في التقرير إذا شرع في وجه يقرره لا يدع شبهةً ولا اعتراضًا، إلا قد أشار إليه في
_________________
(١) ترجم له: طبقات الشافعية لابن السبكي ٥/ ٢٤٠، الوافي بالوفيات للصفدي ٣/ ٢٣٩، شذرات الذهب لابن العماد ٦/ ٣٧، الدرر الكامنة لابن حجر ٤/ ١٤، البداية والنهاية لابن كثير ١٤/ ٧٤، ٧٥، الدارس للنعيمي ١/ ١٣٠، البدر الطالع للشوكاني ٢/ ١٨٧، مرآة الجنان لليافعي ٤/ ٢٧٢، القلائد الجوهرية لابن طولون الصالحي ١/ ١٠٤، كشف الظنون ٨٧٣، ٩٥٣، ١٢١٧، ١٩٩١، مفتاح السعادة لطاش كبري ٢/ ٢١٨، هداية العارفين ٢/ ١٤٣، معجم المؤلفين ١/ ١٦٠، الأعلام ٧/ ٧٢، نزهة الخاطر ٢/ ١٣٨، حسن المحاضرة ١/ ٥٤٤، طبقات الأسنوي ٢/ ٥٣٤.
(٢) ورد في حسن المحاضرة والوافي بالوفيات عبد الرحمن بدل عبد الرحيم وهو خطأ.
[ ١ / ٤٨ ]
التقرير بحيث لا يتم التقرير إلا وقد بعد على المعترض مقاومته، فلما شرع يقرر أخذ ابن تيمية يعجل عليه على عادته ويخرج من شيء إلى شيء. فقال له الهندي: ما أراك يا ابن تيمية إلا كالعصفور حيث أردت أن أقبضه من مكانٍ فر إلى مكان آخر. وكان الأمير تنكز يعظم الهندي ويعتقده، وكان الهندي شيخ الحاضرين كلهم فكلهم صدر عن رأيه وحبس ابن تيمية بسبب تلك المسألة، وهي التي تضمنت قوله بالجهة ونودي عليه في البلد وعلى أصحابه وعزلوا من وظائفهم، توفي بدمشق في ٢٩ صفر سنة ٧١٥ هـ.
وله من المصنفات: نهاية الوصول إلى علم الأصول في ثلاث مجلدات رأيت الجزء الثالث منه في دار الكتب وهو شرح للمحصول، والفائق في أصول الفقه، والزبدة في علم الكلام، والرسالة التسعينية في الأصول الدينية.
٢ - تاج الدين الكردي (١):
قرأ ﵀ على علماء عصره منهم العالم الفاضل سراج الدين الأرموي صاحب المطالع وبيان الحكمة. وحصل من العلوم شيئًا كثيرًا وبرع في جميعها وتمهر في الفقه واشتهرت فضائله في الآفاق. ولما مات داود القيصري نصبه السلطان أورخان مقامه مدرسًا بمدرسة أزنيق وأفاد تلاميذه.
زوج إحدى ابنتيه للشيخ إده بالي وزوج ابنته الأخرى للمولى خير الدين القاضي الذي أصبح وزيرًا ولقب بخير الدين باشا.
_________________
(١) الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية، طبع الأميرية حاشية على وفيات الأعيان ١/ ٨، ولم أجد له ترجمة في كتاب آخر.
[ ١ / ٤٩ ]