ذكرت بأن القاضي سراج الدين محمود بن أبي بكر الأرموي، قد ولد في أرمية من أعمال أذربيجان عام ٥٩٤ هـ. في وقتٍ كان حاكم بلدته ضعيف الشخصية عديم المسؤولية. عازفًا عن الجد إلى اللهو والعبث. وقد زار بلدته أرمية في هذه الآونة العلاّمة ياقوت الحموي (١)، صاحب معجم
البلدان فوصفها لنا وصفًا دقيقًا، وذكر من خيراتها وجمالها ما ذكر مع الِإهمال وعدم رعاية الجانب من قبل السلطان. "إزبك بن البهلوان بن إيدكز".
أما تفاصيل حالة أسرته العلمية والمادية وطبقتهم الاجتماعية، فلم أجد فيما اطلعت عليه من المراجع العربية والفارسية ما يكشف عنها. سوى أن بعض المراجع ذكرت أنه تلقى مبادئ العلوم في بلدته أُرمية، ولعله يوجد في المستقبل من يكشف لنا عن مزيدٍ من تفاصيل حياة القاضي الأرموي - ﵀- إذا استقصى الكتب الفارسية، لأن معظم أخباره وجدتها فيها.
ولا أبيح لنفسي أن أرسم في ذهني شخصًا وأسرة ثم أبدأ في إطلاق الأوصاف جزافًا، وأعوذ بالله أن أقول ما لا أعلم. وإنني وصلت في بحثي عن حال القاضي الأرموي وآثاره لا إلى طريق مسدود، بل إلى طريق شاق وصعب بالنسبة لي، حيث إنني لا أعرف اللغة الفارسية والتركية. ومن يعرف
_________________
(١) معجم البلدان ١/ ١٥٩.
[ ١ / ٢٣ ]
هاتين اللغتين بلا شك سيصل إلى ما لم أصل إليه، وسيعرف ما لا أعرف عن أحواله وتفاصيل صفاته. وكذلك لا أدري كم المدة التي قضاها من عمره في أحضان بلدته وأكناف أسرته وعشيرته وكل ما وجدته أن محقق كتابه لطائف الحكمة، المطبوع أخيرًا باللغة الفارسية في إيران أنه قال: العله فرَّ أمام
الزحف التتاري كسائر العلماء). وجيوش التتار قد وصلت في زحفها إلى بلاد أذربيجان كما في كتاب الكامل لابن الأثير (١). عام ٦١٧ هـ حيث فر أمامها حاكم تلك البلاد إزبك بن البهلوان، ولكن لم تسقط في أيديهم حيث دخلت تحت وطأة التتار في عام ٦٥٤ هـ فيما بعد.
وذكرت كتب التراجم أنه هاجر من بلده طلبًا للعلم، متوجهًا تلقاء كعبة العلم آنذاك، وموسوعة المعارف كمال الدين موسى بن يونس بن منعة الكردي في الموصل، المتوفى عام ٦٣٩ هـ، والذي كان يتقن أربعةً وعشرين فنًا على ما في طبقات ابن السبكي (٢)، وكان يشرح لليهود والنصارى التوراة والِإنجيل أحسن من أحبارهم، ولازمه القاضي سراج الدين الأرموي، وخدمه حبًا في العلم فترة من الزمن فيظن أن تحصيله العلمي الذي أكسبه هذه الشهرة كان في الموصل، ويغلب على الظن أنه قد تهيأ له أيضًا، الأخذ عن علماء الموصل الآخرين الذين كانت تعج بهم الموصل آنذاك، وخاصةً آل منعة بيت العلم والفضل، ولا ندري هل هجر بلده مع أسرته أم وحيدًا فريدًا، لأنه فيما اطلعنا عليه لم نجد أنه رجع لزيارة بلده والله أعلم.
غرف القاضي الأرموي﵀- من بحور معارف كمال الدين بن يونس العقلية والشرعية ما شاء الله له أن يغرف، حتى ارتوى وتضلع من تلك العلوم وقد ورد في سيرة كمال الدين بن يونس، أنه لما وصلت كتب فخر الدين الرازي درسها وشرحها ولم يعرف أحد مصطلحاته إلا هو والذي يغلب على الظن أن القاضي الأرموي﵀- ممن استمع لهذه الشروح، ولعل هذا هو سبب تعلق القاضي سراج الدين الأرموي- رحمه
_________________
(١) الكامل لابن الأثير طبع الاستقامة ٩/ ٣٢٩.
(٢) طبقات ابن السبكي ٥/ ١٥٨.
[ ١ / ٢٤ ]
الله- بكتب الِإمام فخر الدين الرازي، وخاصة المحصول وكتاب الأربعين فاختصرهما، والذي يظهر أن القاضي الأرموي لم يغادر الموصل، إلا وقد بلغ مبلغ العلماء، وأتقن الفنون وذاع صيته وظهرت شهرته. وهذا نجده واضحا جليًا في استقبال حاكم ملطية له، علاء الدين كيقباذ السلجوقي، الذي تربّع على كرسي الحكم بعد موت أخيه عز الدين بن كيكاوس بن كيخسرو بن قلج السلجوقي سلطان قونية وأقصرا وملطية. وقد وجدنا قصة استقباله له في كتاب مطبوع بالفارسية يسمى مناقب (١) أوحد الدين حامد بن أبي الفخر الكرماني، المتوفى سنة ٦٣٥ هـ في مدينة ملطية. ومطبوع في
طهران سنة ١٣٤٧ هـ وخلاصة ترجمة القصة: أن القاضي سراج الدين الأرموي قد قدم إلى ملطية من مصر، قاصدًا التشرف والتقرب من الشيخ أوحد الدين الكرماني. وكان ذلك في عهد علاء الدين كيقباذ الذي استقبله بنفسه، ورحب به ترحيبًا يليق بجلالة قدره وعظيم منزلته، واستفسر منه عن
مراده من الحضور، فلما أجابه وكشف عن رغبته التقرب من الشيخ أوحد الدين الكرماني استنكر ذلك واستغربه وقال له: إن ملطية لا تليق بمقام القاضي سراج الدين الأرموي، ولا تتسع إلى طموحه وعلومه التي في حاجة لها المدن الكبيرة ثم أسكنه مدرسةً أمام الجامع وعينه مدرسًا فيها. وما هذا
إلا لشهرة الأرموي﵀- وفي مناقب أوحد الدين الكرماني وردت قصص أخرى عن ملازمته للشيخ أوحد الدين الكرماني وإعجابه به، والتقائه مع عالم من علماء الكلام والهيئة والحكمة وإقليدس والمنطق والنجوم والرياضيات هو جمال الدين الواسطي، الذي توفي قبل أوحد الدين الكرماني، ولكن لم نعثر على ترجمة له في كتب التراجم.
وكما يظهر من هذه الرواية أن القاضي سراج الدين الأرموي قد زار مصر قبل ملطية، ولكن لا نعلم كم مدة أقام سواء في مصر أو في ملطية.
وبلغنا من كتاب مفرج الكروب (٢) في أخبار بني أيوب الذي ألفه صديقه
_________________
(١) مناقب أوحد الدين الكرماني من ٩١ - ٩٥.
(٢) مفرج الكروب ٤/ ٢٤٧.
[ ١ / ٢٥ ]
وقرينه جمال الدين محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم بن واصل الحموي الشافعي، قاضي القضاة المتوفى ٦٩٧ هـ أن القاضي سراج الدين الأرموي قد بعثه الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الانبراطور الذي صالحه الملك الصالح نجم الدين على تسليم بيت المقدس للنصارى، وأقام سراج الدين عنده مكرمًا مدةً، وصنف له كتابًا في المنطق، وأحسن إليه الانبراطور إحسانًا كبيرًا، وعاد سراج الدين الأرموي للملك الصالح منعمًا.
وهذه القصة إن دلت على شيء إنما تدل على منزلة القاضي الأرموي - ﵀- حيث إنه في هذه السن المبكرة وصل إلى أن يكون سفيرًا لملك بني أيوب.
ثم بعد ذلك يظهر لنا أن الركائب قد أناخت به في دمشق الشام ملتقى العلماء، والتي شهدت من العلماء ما لم تشهده مدينة أخرى في هذا القرن بلا نزاع، والذي يبدو لي من نسخ كتابه التحصيل أنه صنف كتابه التحصيل في دمشق، حيث إن معظم النسخ قد أثبتت في آخرها أنها دُونت في دمشق
الشام، وكانت الشام في هذه الفترة تحت سلطان بني أيوب. ثم ربما سافر خلال مدة إقامته في دمشق إلى بلاد أخرى، وقد ذكر المقريزي في كتاب السلوك (١) لمعرفة دول الملوك، أن القاضي سراج الدين الأرموي قد قدم إلى مصر، وكان ذلك برفقة الملك السلطان المعظم غياث الدين توران شاه بن الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل، المتوفى ٦٤٨ هـ، عندما طلبت منه زوجة أبيه شجرة الدر الحضور لتولي الأمر لموت أبيه، وكان برفقته أيضًا سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام وبهاء الدين بن الجميزي وبعض العلماء، وحدث بينهم مناظرات ومباحثات فقهية منها في ٢ ذي الحجة سنة ٦٤٧ هـ، وكان موضع الحديث قولهﷺ-: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" (٢).
_________________
(١) كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك ٢/ ٣٥٤.
(٢) قال العجلوني في كشف الخفا: ٢/ ٣٢٣، اشتهر هذا الأثر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من قول عمر وبعضهم رفعه. ونقل عن السخاوي في المقاصد الحسنة أنه قال: ظفر به ابن حجر في مشكل الحديث لابن قتيبة من غير إسناد. وورد في بعض =
[ ١ / ٢٦ ]
ثم لا ندري متى رجع إلى قونية للاستقرار فيها، إلَّا أن كاتب مقدمة كتابه لطائف الحكمة قد- ذكر أن لطائف الحكمة قد صنفه القاضي سراج الدين الأرموي باسم سلطان السلاجقة في قونية والذي دخل في خدمته سراج الدين الأرموي عام ٦٥٥ هـ، وبعد ذلك استقر في قونية عاصمة سلاطين بني سلجوق واشتغل فيها قاضيًا ثم قاضيًا للقضاة، وكذلك مدرسًا حيث عرفنا اثنين فقط من تلاميذه في بلاد الروم وهما: الصفي الهندي محمد بن عبد الرحيم الهندي المتوفى سنة ٧١٥ هـ، والشيخ تاج الدين الكردي ولم نعثر على أسماء تلاميذ له آخرين في كتب التراجم. وبقي في مدينة قونية حتى انتقل إلى رحمة ربه راضيًا مرضيًا.
وعلى العموم يظهر لنا أن الأرموي﵀- قد قضى صدر حياته طالبًا للعلم في بلده ثم في الموصل. وبلغ من العلم أوجه حتى حظي بالمنازل الرفيعة عند السلاطين والحكام فبدأ حياته العملية مدرسًا في ملطية، ثم سفيرًا للملك الصالح نجم الدين أيوب عند الانبراطور، ثم انتظم في سلك القضاء مع المواظبة على مهنة التعليم، فبلغ من القضاء منصب قاضي القضاة وهو أعلى منصب علمي في ذلك الزمان، فكان في ذلك مثال النزاهة والذكاء والفطنة، ومع هذا لم يكن ليغفل مع تزاحم الأعمال عليه الاتصال بأقرانه، فكان يتردد على جلال الدين الرومي ويشارك في شؤون المسلمين العامة ويهتم بأمورهم.