ذكر المترجمون لحياة القاضي سرج الدين الأرموي﵀- تعالى أنه برع في عدة فنون، وأجاد في أخرى. ولهذا، فالقاضي الأرموي لم يختص بنوع واحدٍ من الفنون بل كان موسوعة علمية متحركة. ويدل على ذلك مصنفاته العظيمة التي لازالت تتلألأ ناصعة نقية تكشف لنا عن دقةِ
_________________
(١) = المصنفات سالم مولى أبي حذيفة بدل صهيب. وانظر أيضًا أسنى المطالب للحوت البيروتي ص ٢٤٤.
[ ١ / ٢٧ ]
فهمه ورجاحةِ عقله. ولذا سيكون الكلام عن علومه موزعًا على شتى العلوم التي برع فيها وخاض غمارها. فالقاضي الأرموي﵀-: منطقي حكيم جدلي أصولي فقيه، متكلم شاعر مفسر ولذلك سنقسم الحديث عن علومه إلى خمسة أقسام:
١ - القاضي سراج الدين الأرموي المنطقي الحكيم الجدلي:
عاش القاضي الأرموي في عصرٍ غلبت عليه العلوم العقلية وخاصة في بلاد المشرق، فلذا كان لابد له أن يتسلح بسلاح العلم بها. وقد قامت طائفة أخرى في نفس العصر تعادي هذه العلوم وترمي أهلها بالزيغ والضلال والانحراف، ولذا قال الناظم يصف رأي علماء عصره في المنطق بقوله:
ابن الصلاح والنواوي حرما وقال قوم ينبغي أن يعلما
وفعلًا رمي جهابذة علماء ذلك العصر بالانحراف لغلبة العلوم العقلية عليهم وكانوا ينسبون من تكلم بتلك العلوم إلى فساد الاعتقاد، وقد رمي فيمن رمي بذلك علامة الموصل وشيخ القاضي الأرموي كمال الدين موسى بن يونس﵀- قال الناظم:
وأعطيته صهباء من فيه مزجها كرقة شعري أو كدين ابن يونس
وكان بعض الأفاضل يطلبون هذه العلوم سرًا خوفًا من أن يظن فيهم العوام فساد الاعتقاد، ويقذفونهم بما يطعن في دينهم. ومن ذلك ما حدث لعلّامة الحديث في ذلك العصر عثمان أبي عمرو بن الصلاح الشهرزوري، حيث حاول سرًا دراسة علم المنطق على الشيخ كمال الدين بن يونس، ولكنه
أظلم قلبه فلم يفتح الله عليه بشيء ونصحه العلاّمة كمال الدين بن يونس بعدم دراسة هذا الفن لكي لا تفسد عقائد الناس فيه.
ومع هذا فإن القاضي سراج الدين الأرموي﵀- لم أجد لفظةً واحدةً من الغمز أو اللمز أو الطعن في دينه لا من أقرانه ولا من مخالفيه في
[ ١ / ٢٨ ]
المسلك، فقد عاش﵀- موفور العرض مصون الجانب رغم تعدد الاتجاهات وكثرة النزعات في عصره، بل وصفوه بأسمى ألفاظ الثناء والفضل، وأعلى درجات العلم مما يدل على سمو علمه وخلقه.
والقاضي الأرموي أجاد في هذه الفنون العقلية الثلاثة: المنطق والحكمة والجدل، وصنف فيها أنفع المصنفات، وقد بلغ في ذلك الذروة، وحاز قصب السبق، حتى أصبح يشار لمؤلفاته بالبنان. فإذا ذكر علم المنطق تبادر للذهن مطالع الأنوار الذي تلقته العلماء بالشرح والتعليق بما لم يحدث لكتاب آخر كما سنوضح ذلك في فصل مصنفاته. وإذا ذكرت الحكمة تبادر للذهن لطائف الحكمة ذلك الكتاب العظيم الذي وضعه باللغة الفارسية وطبع بها. وإذا ذكر الجدل تبادر للذهن رسائله في هذا الفن وكتابه تهذيب النكت للشيرازي.
ولم يكتفِ بمصنف واحد في كل فن، بل صنف عدة مصنفات ففي المنطق والحكمة بالِإضافة إلى مطالع الأنوار فقد صنف بيان الحق في المنطق والحكمة، وشرح الِإشارات والتنبيهات لابن سينا، والمناهج في
المنطق والحكمة، ولطائف الحكمة، ولعله يوجد أيضًا ما لم يصل علمنا إليه.
وهذه الكتب تعطينا فكرةً صادقةً عن مدى تمكن القاضي الأرموي من العلوم العقلية على العموم، فقد كان فارس حلبتها وخبير خباياها وعويصات مسائلها وحلاَّل عقدها وغوامضها. فلا مبالغة إن قلنا: إنه تربع على عرش هذه الفنون، وفاق من قبله ووقف من بعده دونه وعاش عالةً عليه. يرتوي من نبعه ويأكل من ثماره، ويحاكيه فيما ذهب إليه.
٢ - القاضي سراج الدين الأرموي الأصولي:
لقد كانت طريقة المتكلمين في فن الأصول هي السائدة في هذا العصر - القرن السابع الهجري- وقد غلب على مصنفات الأصول طابع الاختصار والشرح والتعليق على مصنفات قد تقدمت، وكان صنيع القاضي الأرموي
[ ١ / ٢٩ ]
- ﵀- متناسبًا مع ما ساد في ذلك القرن فشارك وأدلى بدلوه مع من أدلى، ولقد انتهى علم الأصول في القرن السادس إلى كتاب المحصول لفخر الدين الرازي، والِإحكام لسيف الدين الآمدي، وقد حظي كتاب المحصول بما لم يحظ به كتاب سيف الدين الأمدي من الشرح والتعليق.
والقاضي الأرموي الحاذق لفن المنطق والحكمة المجيد لعلم الكلام خير من تمتد يده إلى المحصول، ولذا فقد كان مختصرًا متميزًا عن غيره من المختصرات، بأنه التزم منهجًا رسمه في صدر كتابه مقيدًا بقوانين وضوابط، تدل على الدقة في الفهم والبراعة في التصنيف والترتيب والتقسيم إلى أبواب وفصول ومسائل وفروع، وكان يبدي من الملاحظات ما يدل على علو كعبه ورسوخ قدمه فيِ فن الأصول، ولذا فاق مختصره المحصول سائر المختصرات تنظيمًا وترتيبًا وتنبيهًا على مشكلاتٍ، وحلًا لعويصات ودفعًا لإيهام قد يرد على بعض الأدلة والحدود. وأسئلته الواردة فيه تشهد له بذلك.
لم يكتف القاضي الأرموي بهذا الكتاب الذي اشتهر به كأصولي، بل وجدت له كتابًا آخر لا يشعر اسمه في فهارس المكتبات بحاله ولا ينبئ عما فيه، فالعنوان لا يناسب المحتوى، فقد سموه في الفهارس بأسئلة القاضي الأرموي على المحصول، فيتبادر للذهن أن المقصود هو الأسئلة التي أوردها القاضي سراج الدين الأرموي داخل التحصيل، ولكن الواقع والحال بعد أن نظرتها، وجدت أن البون شاسع والفارق عظيم والذي وجدته شرح للمحصول، ولكن الموجود في دار الكتب المصرية ليس مستوعبًا لجميع المحصول وقد سماه القاضي الأرموي في بدايته: (مقاصد العقول من معاقد المحصول) وهو كتاب عظيم فصلت التعريف به في مصنفاته.
وقد ساهم في هذا الفن أيضًا برسالةٍ في أمثلة التعارض في أصول الفقه، وقد حررت ما تحتويه في مصنفاته، وذكرت أنها ليست شاملة لجميع أمثلة التعارض، بل هي في عشر مسائل في دلالات الألفاظ فقط.
فالقاضي الأرموي﵀- بما قدم للمكتبة الِإسلامية في هذا الفن استحق أن يوسم بالانتساب لعلمائه، وأن يجلس معهم جنبًا إلى جنب،
[ ١ / ٣٠ ]
مع أنه تربع على كرسي الصدارة في علم المنطق والحكمة.
٣ - القاضي سراج الدين الأرموي الفقيه قاضي القضاة:
كثير من العلماء يرتقون من المجد أعلاه ويصلون من العلم منتهاه، ولكن لم يخلِّفوا لمن بعدهم علمًا مدونًا مكتوبًا، لأنهم لا يريدون شهرة، أو قد يكون لأسباب أخرى. فالقاضي الأرموي﵀- قد وصل لرتبة قاضي القضاة في دولة بني سلجوق. وهذه المرتبة لا يصلها أحد وفي زمانه من يدانيه علمًا، فضلًا عن أن يفوقه والقضاء ينبع من الفقه ويسانده الذكاء والفطنة، وتؤيده العزيمة وقوة الشخصية، فكلِ ذلك اتصف به القاضي الأرموي ومع هذا لم يذكر المترجمون له إلَّا كتابًا واحدًا في فروع الفقه وهو شرح الوجيز.
فقد جرت عادة الأفذاذ أن لا ترضى إلا بمصافحة الأفذاذ، فبعد أن مدَّ القاضي الأرموي يده ليصافح فخر الدين الرازي علَّامة عصره من خلال اختصار المحصول، فيحدث له بذلك اقتران اسمه باسمه، ويندرج ذكره مع ذكره، فنجد يد القاضي الأرموي﵀- تمتد لمصافحة حجة الِإسلام وحيد زمانه وفريد عصره وأوانه، فيضع ظلال قلمه في جملة من وضع على معجزته التي تبارى العلماء في شرحها واختصارها والتعليق عليها، وذلك هو كتابه الوجيز الذي سارت بذكره الركبان، وأصبح عمدة في فروع مذهب الإمام الشافعي ﵁ فشرحه شرحًا لم نطلع عليه، ولكن شخصية
القاضي سراج الدين الأرموي ووصوله إلى منصب قاضي القضاة ينبئ عن عظيم فائدته، وليس ما في شرح الوجيز هو كل فقه القاضي الأرموي بل في أحكامه إبَّان مهنة القضاء الذي تولاه ما يقارب الثلاثين عامًا ما قد يكون أضعاف شرحه للوجيز. ولذا نجد معظم من ترجم له وصف بالاجتهاد،
ومرتبة الاجتهاد، مرتبة عزيزة لم يصل إليها إلا أفذاذ العلماء.
٤ - القاضي سراج الدين الأرموي المفسر والشاعر:
لم يذكر من ترجم للقاضي الأرموي تراثًا له في التفسير، ولكن وصفوه
[ ١ / ٣١ ]
بأنه عالم بالتفسير (١)، وفي الحقيقة فإن علوم الشريعة حلقات متداخلة، فلا يكون فقيهًا من لم يكن عالمًا بالتفسير، فليس في وصفه بالمفسر مع عدم ذكر إنتاجٍ له في ذلك مخالفة، فقد يكون له إنتاج ولكن لم يصل إلينا، وقد تكشف الأيام ما لم نره اليوم وتخبرنا عما لا نعلمه الآن.
وأما كونه شاعرًا مع عدم ذكر شيء من شعره فلا غرابة فيه، لأنه قد نقل ذلك مشاهد أعيان ورفيق زمانه أحمد الأفلاكي (٢)، الذي يقول: سمعته يقول شعرًا في رثاء جلال الدين الرومي وقت دفنه على تبره، ولعل البحث والتنقيب سيكشف لنا عن شيء من شعره، وهل كان باللغة العربية أم الفارسية أم التركية.
٥ - القاضي سراج الدين الأرموي المتكلم:
قد ظهرت شخصية القاضي سراج الدين الأرموي﵀- كمتكلم من خلال كتاب التحصيل، فيما تعرض له من مسائل على سبيل التبع والارتباط بينها، وبين بعض مسائل أصول الفقه، وهي كثيرة في كتابه التحصيل ومنها: التحسين والتقبيح العقليان، وعصمة الأنبياء، وشكر المنعم عقلًا وشرعًا، والصفة هل هي ذات الموصوف أم غيره وتكليف ما لا يطاق، وغير ذلك من المسائل. وأظهر في كل ذلك قدرة فائقةً في بحث هذ المسائل ونقاش أدلة المذاهب وخاصة المعتزلة، وأظهر احترازًا شديدًا من قاعدتهم المشهورة التحسين والتقبيح العقليين حيث أدخل كلمة شرعًا في جميع حدود الأحكام الشرعية الخمسة.
وقد صنف في ذلك كتبًا مستقلة، ومن ذلك مختصره لكتاب الأربعين للإمام فخر الدين الرازي المتمكن من ناصية علم الكلام في عصره، وقد بلغ فيه الذروة وسماه اللباب، وهو أيضًا من أمهات الكتب في هذا الفن.
والأرموي في صنيعه هذا كأنه يأبى إلَّا أن تمتد يده إلا للأمهات، ويرفض أن يقارن إلَّا العظماء فكما سبق له أن امتدت يده ليضع ظلال قلمه على
_________________
(١) مقدمة لطائف الحكمة.
(٢) مناقب العارفين ١/ ٣٥٤.
[ ١ / ٣٢ ]
صفحات الوجيز، فيعانق بذلك حجة الِإسلام، فقد مدَّ يده ليصافح ابن سينا علامة زمانه وفيلسوف عصره، فيضع شرحًا للِإشارات التي تعتبر من عيون كتب المنطق والحكمة، وقد شارك فقهاء الشافعية في اختصار الوجيز، ليقف بذلك في صف حجة الإسلام الغزالي، وهنا كذلك يسيل مداد قلمه ليسطر
لنا مختصرًا من أعظم المختصرات لكتاب الأربعين الشهير في أصول الدين، ولم يكتف بذلك فقد وجدت له رسالةً في "الفرق بين موضوع العلم الإلهي والكلامي" في مكتبة الحرم المكي حرسه الله. وقد أجاد في كل ما كتب في هذا الفن لارتباطه بفنه الذي فاق فيه الأقران، وهو علم المنطق والحكمة، فكان بذلك متكلمًا مناظرًا ومجادلًا، يحسب له الحساب في بلاط بني سلجوق.
هذه هي العلوم التي برع فيها القاضي سراج الدين الأرموي، وتراثه العلمي الضخم يدل بالبرهان ويقيم الحجة على صحة الدعوى، ويشهد له بالفضل وحيازة قصب السبق في كل مضمار. وقد أحسن العلّامة محمود بن محمد الأقسرائي المتوفى سنة ٧٢٣ هـ، والذي عاش في عصره فترة من
الزمن في كتابه "مسامرة الأخبار ومسايرة الأخيار" المطبوع باللغة الفارسية بأنقرة سنة ١٩٤٤ م. حيث يقول عن سراج الدين الأرموي في فصل وفيات الأكابر صفحة ١٢١ ما معناه: (كان سراج الدين الأرموي علمًا للعالم وبحر الفضائل وشمس سماء الشريعة ومركز محيط الحقيقة والطريقة. فقد سلب من علماء العالم قصب السبق في المعقول والمنقول، وكان أفاضل الدنيا يأتون من الأطراف والأكناف بقصد الاستفادة من مجلسه. وكانوا يجتمعون جميعًا حول ملك قونية مثل كوكب "بروين" (ويتفرقون مثل بنات نعش).
وقد سارت بذكره الركبان في حياته من مقارنيه فعطروا كتبهم بذكره الجميل، وسطرت أقلامهم له أنصع الصفحات وأحلى الذكريات، وقلما أن يُفعل ذلك لِإنسان في حياته وليس له صولة السلطان ولا جبروت الحاكم فيكون ما كتب عنه رياءً ونفاقًا وخوفًا وتزلفًا، بل الخلق القويم والفضل العميم والعلم الغزير ينطق الأقلام فتتكلم، ويوحي لها فترسم ما تكنه له
[ ١ / ٣٣ ]
القلوب وما تلمسه مما ترى وتسمع، فتسجل طائعة مختارة عين الحقيقة.
وهذا هو الحسين بن محمد بن علي الجعفري الرودكي الشهير بابن بي بي المتوفى قبل الأرموي سنة ٦٧٩ هـ، ينطق كتابه بالصدق ويظهر الحق ويدون الذكرى الحميدة التي نظرها بعينه ووعاها بقلبه، فيسطر ما شاء الله له أن يسطر من الفضائل، ويذكر مركز الأرموي بين علماء زمانه في شتى العلوم
والفنون على صفحات كتابه الشهير. الأوامر العلائية في الأمور العلائية المطبوع باللغة الفارسية صفحة ٧٠٠، ٧٠١، واكتفى بذكر الألقاب التي أوردها له خوفًا من التطويل، وليتناسب المقال مع المقام. فيقول المصنف في فصل حادثة جمرى القرماني في التعريف بالقاضي سراج الدين الأرموي:
قاضي القضاة ملك العلماء، سلطان الأئمة، قدوة الأمة، شُرَيْح الزمان، سراج الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين، أبو الملوك والسلاطين، أبو الثناء محمود الأرموي أدام الله علاه، وأطال بقاه، فريد دهره ووحيد عصره، حاز قصب السبق على العلماء الأوائل والحكماء الأفاضل وزعيم المحافل، يشار له بالبنان في جملة فنون لاسيما الأصولين (١): (والمنطق والفقه والخلاف واقتبس من مصنفاته واستفاد الأعاظم والأماثل والأماجد). انتهى مترجمًا.
أوردت هذه النقول من كتب أقرانه ومعاصريه، ليعلم الناظر أنني لم أبالغ فيما وصفته به، وما ذكرته من علماء الجم، وفضله العميم فهؤلاء عاصروه وقارنوه، فوصفوه بشُرَيْح الزمان في القضاء وبشمس السماء في العلوم والعهدة عليهم، ولكن دليلهم قائم والآثار شاهدة.
ومنزلته بين العلماء لم تبرز بشهادة معاصريه فحسب، بل في منزلته عند عظماء حكام الأمة الإسلامية آنذاك بني أيوب، الذين فرجوا الكروب وكسروا الصليب وهزموا آله وأعادوا للمسلمين عزهم ومجدهم التليد، وتحطمت على سواعدهم الفتية أطماع الطغاة، الذين لا زالوا يكيدون للإسلام وأهله وإن تغير السلاح وتبدل الأسلوب، فقد كان سفيرًا للملك
_________________
(١) اعتاد العلماء أن يطلقوا على علمي أصول الدين وأصول الفقه الأصلين".
[ ١ / ٣٤ ]
الصالح نجم الدين وهو في عنفوان شبابه، فيمثله في لقاء إمبراطور الروم على ما ذكر صديقه وقرينه جمال الدين محمد بن سالم بن واصل الحموي في كتابه مفرج الكروب.
ثم يجلس في حلقات الملوك والعلماء للمناظرة والنقاش والاستفتاء برفقة سلطان علماء زمانه بل سلطان علماء المسلمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، عز الدين بن عبد السلام قدَّس الله روحه وأعلى درجاته في الجنة، وذلك في اليوم الثاني من شهر ذي الحجة سنة ٦٤٧ هـ في ردهات قصر آخر ملوك بني أيوب في القاهرة الملك المعظم السلطان غياث الدين توران شاه ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الكامل محمد بن العادل، فيدلي برأيه غير خافتٍ ولا متروك، وروى لنا ذلك شاهد عيان حاضر ذلك المجلس فلا ريبة ولا شك في صحة ما نقل.
وأما شأنه في قصور سلاجقة الروم فهو ليس أدنى من ذلك ولا أقل، وقد أوردنا فيما مضى من شأنه في ذلك من المواقف والحوادث، وما يبهر العقل ويثير في النفس العجب. وهناك سؤال يفرض نفسه على كل ناظر في ترجمة القاضي سراج الدين الأرموي هذه، وهو كيف تكون سيرة هذا العالم بهذا الشكل العظيم، ونحن معاشر العلماء لا نكاد نسمع إلَّا باسمه؟ ولا نعرف من شأنه وحاله إلا اختصاره للمحصول؟ والجواب على هذه الصفحات مسطور وخزانات الكتب بآثاره تقول: كم من عالم اليوم مغمور الذكر أصبح نسيًا منسيًا، وكان قد ارتقى أعلى المنابر، وتصدر أكبر المحافل وجالس أعظم الأماثل، ثم يأتي زمان فترفع الستائر، وتنقشع الحجب عن دُرٍّ مستور، ويتبدد السحاب عن شمس صافية وينفض الغبار المتراكم عن رفوف الكتب، فيظهر الحق ويزهق الباطل، إن الباطلَ كان زهوقًا.
فهذه منزلة القاضي سراج الدين الأرموي﵀- بين علماء زمانه ومنها تظهر منزلته بين علماء المسلمين جميعًا، قد أقمنا عليها الأدلة وأحضرنا لها الشهادات من بطون الكتب ليس ما دوِّن منها بالعربية فحسب، بل ما دوِّن باللغتين الفارسية والتركية أيضًا، ولعل المستقبل يكشف لنا عن المزيد.
[ ١ / ٣٥ ]