مع بيان موضوعها ولمحة عن كل منها ومكان وجود المخطوط منها
القاضي أبو الثناء سراج الدين محمود بن أبي بكر بن أحمد الأرموي من الأئمة المكثرين في التأليف ومن المحققين في التصنيف، رغم عدم استقرار الأحوال في زمانه إذ كان عصره (السابع الهجري) عصر قلاقلٍ وفتنٍ وحروبس داميةٍ وزحفٍ دمويٍ منقطع النظير. ففي باكورة شبابه دهم بلاده الزحف التتاري، ويغلب على الظن أنه فرَّ أمامه إلى الموصل في شمال العراق محط رحل العلماء آنذاك، ولازم فيها موسوعة العلوم في ذلك الزمان كمال الدين (١) موسى بن يونس بن محمد بن منعة أبا الفتح الموصلي الكردي، المتوفى سنة ٦٣٩ هـ.
والذي أفردناه بترجمةٍ طويلةٍ تدل على مدى سعة علومه، حتى إن عظماء الزمان قد سعوا للارتشاف من علمه وعلى رأسهم علامة الحديث أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي المتوفى في دمشق سنة ٦٤٣ هـ والمشهور بابن الصلاح، وابن خلكان أحمد بن محمد بن إبراهيم الأربيلي القاضي، المتوفى ٦٨١ هـ صاحب وفيات الأعيان، المتوفى قبل سراج الدين الأرموي بعامٍ واحد، وغيرهم من العلماء في شتى الفنون والعلوم. ولا ندري عن مدة ملازمته لهذا العلّامة.
_________________
(١) له ترجمة مطولة في الباب الأول في شيوخ الأرموي.
[ ١ / ٥٠ ]
ثم توجهت به الركائب إلى ملطية من بلاد الروم، حيث لقي التجلة والاحترام من حاكمها حينذاك علاء الدين كيقباذ السلجوقيِ، الذي تولى الحكم سنة ٦١٥ هـ ثم هجرها بعد أن أقام فيها فترةً ملازمًا لأوحد الدين الكرماني (١)، ثم توجه لدمشق حيث كما يبدو أنَّه استقر فيها فترةً من الزمن،
وألف فيها كتابه التحصيل، وبعض مؤلفاته الأخرى ثم توجه إلى مصر في أواخر عام ٦٤٧ هـ، حيث تشرف بمقابلة السلطان الملك غياث الدين توران شاه ابن الصالح نجم الدين أَيُّوب آخر من حكم مصر من الأكراد، وكان برفقة سلطان العلماء آنذاك، عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة ٦٦٠ هـ، ثم استقر به المطاف في عاصمة الروم السلاجقة أعظم مدن الروم آنذاك، فاشتغل بالقضاء حتَّى أصبح قاضي القضاة.
ورغم هذا التجوال في البلاد واضطراب الأحوال واشتغاله بالقضاء، وكل هذه عوامل تحول بينه وبين التأليف والتصنيف، فقد خلَّف تراثًا ضخمًا في شتى العلوم والفنون، وربما لم يصل إلينا كاملًا، كما حدث لكثيرٍ من العلماء الذين ذهبت مصنفاتهم أدراج الرياح وحتى هو نفسه، فقد عثرنا له على ثلاثة مصنفات لم يرد لها ذكر في فهارس المصنفات، وخاصة أنَّه يجيد اللغتين الفارسية والعربية، وقد صنف بعض كتبه بالفارسية وقد طبع له بالفارسية "لطائف الحكمة" الكتاب العظيم الذي طبع حديثًا في إيران.
فالقاضيِ -﵀- قد شارك في شتى الفنون والعلوم، ولكن كان له القدح المعلى في علم المنطق وعلم الحكمة فما إِن أراد طاش كبري (٢) زادة في كتابه مفتاح السعادة (٣). أن يكشف لنا النقاب عن غرر فن المنطق
_________________
(١) أوحد الدين الكرماني أبو حامد الشاعر المتوفى سنة ٦٣٤ هـ، له مصباح الأرواح وأسرار الأشباح في المثنويات فارسي (هداية العارفين ص ٢٢٨).
(٢) هو عصام الدين أبو الخير أَحْمد بن مصطفى بن خليل طاش كبري زادة) ولد في مدينة بروسة سنة ٩٠١ هـ، وكانت عاصمة بني عثمان قبل فتح القسطنطينية، وتوفي بأستانبول سنة ٩٦٨ هـ. له مؤلفات كثيرة جدًا ذكر منها محقق مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم سبعًا وثلاثين مصنفًا.
(٣) مفتاح السعادة ١/ ٢٩٧.
[ ١ / ٥١ ]
والحكمة، فإذا به يصدِّرها بمؤلفات سراج الدين الأرمويّ، وفي مقدمتها مطالع الأنوار (١) الذي شاء الله له أن يشتهر، وتتناوله العلماء بالشرح والتحقيق ووضع الحواشي، ويقبلوا عليه إقبالًا منقطع النظير، فلا شك أن علمي المنطق والحكمة كان القاضي الأرموي فارسهما المغوار ورائدهما المحنك
بعد أن ألمَّ بمصنفات الشيخ الرئيس أبي علي بن سيناء (٢) والِإمام فخر الدين الرَّازيّ، فقد حذق دقائق هذا الفن وخباياه، وعرف عويصات مسائله ولا زال أجلة العلماء في هذا الفن يَردون مصنفاته العظيمة عطاشًا فيصدرون عنها بعد أن تبتل العروق ويذهب الظَمأ.
وأما سراج الدين الأرموي العالم بالأصول، فلم يقتصر على كتاب واحد في هذا الفن. والناظر في كتابه التحصيل يجد علمًا غزيرًا ونظرًا ثاقبًا دقيقًا وتنظيمًا غريبًا عجيبًا في التصنيف وإيراد الإشكالات والرد عليها، فذلَّل بذلك علم المنطق لخدمة علم الأصول. ولا تكاد تفارق التحصيل رائحة علم
الكلام، فقد أورد الكثير من مسائله في كتابه التحصيل مما تمس له الحاجة، فقد كان -﵀- أصوليًا بارعًا ذا رأي سديد واجتهاد مصيب، فاستدرك على إمام الزمان وعلّامة القرن السادس الهجري بلا منازع فخر الدين محمَّد ابن عمر الرَّازيّ المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، صاحب العلوم الغزيرة والعقل المستنير، وصاحب التفسير الذي سارت بذكره الركبان ولا يزال منهلًا عذبًا للحكماء والعلماء.
وقد ساهم القاضي الأرموي -﵀- في علم الكلام بكتابه العظيم اللباب مختصر الأربعين للإمام الفخر الرَّازيّ.
وقد ساهم في الفقه حيث امتدت يده إلى الوجيز (٣)، الذي ذاع صيته بين الفقهاء، وتناولته الفقهاء بالاختصار والشرح ووضع الحواشي والتعليق حتَّى قال البيلقاني (٤): وقفتُ للوجيز على سبعين شرحًا.
_________________
(١) انظر مؤلفات الأرموي في هذا الكتاب.
(٢) وردت ترجمته في القسم التحقيقي.
(٣) الوجيز كتاب فقه مطبوع للإمام الغزالي.
(٤) هو زكي بن الحسين بن عمر أبو أَحْمد البيلقاني، فقية مناظر متكلم أصولي، ولد سنة =
[ ١ / ٥٢ ]
والأرموي -﵀- وإن لم تذكر له المصنفات التي بين أيدينا تراثًا شعريًا، فإننا لا نشك في أنَّه كان يقرض الشعر، حيث روى ذلك عنه من سمع بأذنه، وهو أَحْمد الأفلاكي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (١). الذي ألَّف مناقب العارفين (٢)، وعاصر الأرموي -﵀- وعاش معه في مدينةٍ واحدةٍ وهي
(قونية) عاصمة بني سلجوق آنذاك.
والآن قد حان الوقت للشروع في ذكر مصنفات القاضي الأرموي -﵀- معرفين بها بقدر الاستطاعة بادئين بمؤلفاته المنطقية والحكمية، نظرًا لأن المصنفين يعدونه مؤلفًا في هذا الفن من الدرجة الأولى.