قد بيّنا فيما تقدم أنه لم يكن هناك قواعد مدونة في هذا الفن، لا في عهد رسول الله - ﷺ - ولا عهد صحابته رضوان الله عليهم أجمعين، ولا عهد التابعين.
وقد بينا أن الحاجة أصبحت ماسةً لوضع قواعد لهذا الفن بعد أن تأسست المدارس الفقهية في العراق والحجاز، واحتدم النزاع بينهما، وكادت أن تدب الفرقة بين الصفوف والشقاق بين الفريقين فاستدرك هذا الوضع عالم الحديث في المشرق عبد الرحمن بن مهدي (١) المتوفى سنة ١٩٨ هـ، لأنه
عاش تلك الفرقة واكتوى بنارها وأدرك أنه لا بد من وجود قواعد مدونة لتكون مرجعًا لفض النزاعات، ولتكون قاعدة للنقاش والمناظرات، ولم يكن هذا بالأمر الهين فابتكار نظام وقواعد ثابتة وأساس محدد في غاية الأهمية والخطورة، ومن الذي ستكون عنده المؤهلات للتصدي لهذا الأمر العظيم.
فهذا لا يتسنى إلا لمن اطلع اطلاعًا واسعًا إن لم يكن تامًا على مصادر التشريع الإِسلامي، وملمًا بشتى المذاهب بالحجاز والمشرق، وأن يكون حجة في اللغة العربية، ومطبوعًا على الذكاء الخارق والقريحة الوقّادة الذي بهما يصل لأغوار الأشياء ومقاصدها وغاياتها. وأن يكون متسربلًا بلباس التقوى والإِخلاص في النية والعمل التي بهما تذلل الصعاب. قال الشافعي ﵁:
شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظ فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال: إن علم الله نورٌ ونور الله لا يهدى لعاصي
_________________
(١) تاريخ بغداد للخطيب ٢/ ٦٤، مناقب الشافعي للفخر الرازي ص ٥٧ المجموع للإمام النووي ١/ ٨.
[ ١ / ١٠٤ ]
ولا يحوز على هذه الصفات من البشر إلا النادر. وأدرك عبد الرحمن بن مهدي - ﵀ - أنه ليس لها إلَّا الشافعي عالم قريش الذي كان جديرًا بها وأهلًا لها.
فكان - ﵀ - حجةً في اللغة وملمًا بالكتاب والسنة، وعالمًا بفقه أهل الحجاز، حيث حفظ الموطأ على الإِمام مالك في المدينة، وكان عالمًا بفقه أهل العراق، حيث تتلمذ على محمد بن الحسن الشيباني صاحب الإِمام أبي حنيفة. فجمع بين أسس المدرستين وأما فطنته وذكاؤه فيكفينا فيهما ما
روي أنه كان إذا أراد قراءة كتاب وضع يده على الصفحة المقابلة لئلا يلمحها نظره فيحفظ الصفحتين معًا فيتشوش حفظه وكفاه أنه استنبط من حديث: (يا نقير ماذا فعل النغير سبعين مسألة وهو مستلق على فراشه). وذكر مثل ذلك يطول.
ولقد كان اختيار الإِمام عبد الرحمن بن مهدي (١) موفقًا. فأرسل رسالةً للإِمام الشافعي يسأله فيها وضع قانون كلي يضبط مناهج الاستنباط، ووضع كتاب جامع يبين مراتب السنة وكيفية الاحتجاج بها، فصادف هذا الطلب رغبةً في نفس الإِمام الشافعي. واستحثه على إجابة طلب عبد الرحمن بن
مهدي المحدث علي بن المديني حيث قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أجب عبد الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك. قال: فأجابه الشافعي وهو كتاب الرسالة ووضعها الإِمام الشافعي وهو في مكة على الراجح، وأرسلها له مع الحارث (٢) بن سريج النقال الخوارزمي المتوفى سنة ٢٣٦ هـ. وأقبل الناس على الرسالة ودرسوها ووجدوا فيها بغيتهم وضالتهم المنشودة، وهي تلك القواعد الأصولية التي كان يعييهم البحث قبل العثور عليها. وخرج أهل الحديث بها من
_________________
(١) فقد قال بعدما قرأها (ما ظننت أن الله خلق مثل هذا الرجل) يعني من العلماء كما نقله اليافعي في مرآة الجنان ٢/ ١٨.
(٢) هامش آداب الشافعي لأبي حاتم الرازي ص ١٠٢، المعرفة للحاكم النيسابوري أبي عبد الله ص ٢٢٩، وطبقات الشافعية للسبكي طبعة أولى ١/ ٢٢٩، ومذكرات لشيخنا الدكتور عبد الغني عبد الخالق لم تطبع.
[ ١ / ١٠٥ ]
جمودهم وساعدتهم على نصرة السنة. وأقبل عليها أيضًا أهل الرأي واهتموا بها، وأصبحوا يشعرون بوزن أهل الحديث، لأنه أصبح لهم قواعد وأسس يناظرون عليها. وكان في هذه الرسالة ما تمس حاجة أهل الرأي إليه مثل متى يقبل خبر الواحد ومتى يرد؟ ومتى يحتج بالقياس ومتى يرد؟ وما شروط صحة القياس؟.
وعلى العموم أصبحت رسالة الشافعي منارًا يهتدي به السالكون سبل الأحكام الشرعية بمأمن من الزلل والخروج عن الجادة، وبها تحول الصراع الذي كان بين الفريقين إلى مناظراتٍ علميةٍ هادفة لها آداب وضوابط يحترمها معظمهم، فتقاربت بها وجهات النظر وضاقت شقة الخلاف والنزاع، وتكون
مذهب وسط يعتمد على المنقول ويستخدم العقل في الاستنباط وفعلًا ساعدت على تنمية الثروة الفقهية.
ولهذا الكتاب وما تبعه من كتب مفيدة سنذكرها بعد قليل استحق الشافعي أن يسمى بناصر السنة لكثرة دفاعه عنها.
قال الرازي في كتابه مناقب الإِمام الشافعي: "أن أبا زرعة الرازي نقل عن سعيد بن عمر البرادعي أنه قال: وردت الري فدخلت على أبي زرعة فقلت: يا أبا زرعة سمعت حميد بن الربيع يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: (ما علمت أحدًا أعظم منةً على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، فقال أبو زرعة: قد صدق أحمد ولا أحدًا أدرأ عن سنن رسول الله - ﷺ - من الشافعي، ولا أحدًا أكشف لسوءات القوم مثل ما كشف الشافعي) (١).
وقال أبو حاتم الرازي: (لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى). وقال الإمام أحمد: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث. وقال: (كانت أقضيتنا في أيدي أصحاب أبي حنيفة ما تنزع حتى رأينا الشافعي فكان أفقه الناس في كتاب الله وسنّة رسول الله - ﷺ -).
_________________
(١) انظر مقدمة الرسالة للشيخ أحمد شاكر ص ٦.
[ ١ / ١٠٦ ]
وهذه الرسالة التي وضعها الإِمام الشافعي، والتي قصصنا عليك خبرها قد اندثرت مع ما اندثر من تراث إسلامي على مر العصور وكر الدهور، ولكنها كانت موجودة حتى القرن الثامن الهجري، وتوجد منها نقول في بعض الكتب فنقل عنها أبو عمرو بن الصلاح، والحافظ البيهقي ومحيي الدين
النووي والتاج السبكي وابن القيم الجوزية.
والرسالة الموجودة الآن هي القاهرية التي وضعها بعد أن استقر في مصر (١) فأعاد النظر في الأولى، وتعديله في أبوابها لا يعتقد بأنه كثير. وقد أملاها بعد تأليفها على أصحابه المصريين وعلى رأسهم الربيع بن سليمان المرادي أبو محمد المصري المتوفى سنة (٢) ٢٧٠ هـ. ورواها أيضًا الإِمام أحمد بن حنبل (٣). وهذه الرسالة وصلت إلينا كاملة وطبعت عدة طبعات بالقاهرة. ورسم الشافعي في رسالته هذه المنهج الذي يجب أن يسير عليه كل مجتهد وجمع بين منهجي أهل السنة وأهل الرأي بحيث لا يطغى الرأي وتهمل السنة، ولا يجمد الفقه على ظواهر الألفاظ وقد بحث فيها مهمات قواعد هذا الفن، وكل ما زاده المتأخرون بعده كان من باب التتميم والتوضيح ومن المباحث التي تعرضت لها الرسالة:
١ - الناسخ والمنسوخ في الكتاب والسنة.
٢ - العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والعام المراد به ظاهره والعام الذي لا يراد به ظاهره.
٣ - حجية خبر الواحد ومنزلة السنة ومكانتها.
٤ - القياس والاجتهاد وشروط المفتي.
٥ - الإجماع وغير ذلك من المباحث المهمة.
_________________
(١) انظر مناقب الشافعي للفخر الرازي ص ٥٧.
(٢) على ما في هامش آداب الشافعي لأبي حاتم الرازي ص ٢٧.
(٣) معالي التأسيس لابن حجر ص ٧٧، مذكرة شيخنا الدكتور عبد الغني عبد الخالق لم تطبع بعد.
[ ١ / ١٠٧ ]
وقد أردف الشافعي - ﵀ - الرسالة بمؤلفات أخرى في أصول الفقه، لا زالت تعتبر المرجع كما كانت في الماضي كذلك ومنها:
١ - إبطال الاستحسان: الذي رد فيه على من قال بالاستحسان وقال في ذلك كلمته المشهورة: (من استحسن فقد شرع).
٢ - اختلاف الحديث: وفيه جمع بين الأحاديث المتعارضة، وكان هذا الكتاب الأول في بابه، حيث تبعه في ذلك ابن قتيبة (١) فألف كتابه (٢) مختلف الحديث والطحاوي (٣) فألف مشكل الآثار (٤).
٣ - جماع العلم: الذي عقده لإِثبات حجية خبر الواحد ووجوب العمل به والرد على من أنكره.
دعوى الشيعة الإمامية أنهم السابقون لهذا الفن والرد عليها
ادعت الشيعة الإِمامية أنها قد سبقت الإِمام الشافعي لهذا الفن، فقالوا: إن أول من دون فيه هو الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين المتوفى سنة ١١٤ هـ، وتابعه ابنه الإِمام أبو عبد الله جعفر الصادق المتوفى سنة ١٤٨ هـ.
_________________
(١) هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وقيل المروزي النحوي اللغوي، سمع إسحاق بن راهويه ولد سنة ٢١٣ هـ وتوفي سنة ٢٧٦ هـ، مصنفاته عديدة منها: غريب القرآن، غريب الحديث، عيون الأخبار، مشكل القرآن، مشكل الحديث، طبقات الشعراء، كتاب الأشربة، إصلاح الغلط، كتاب الخيل، إعراب القرآن (من مقدمة كتابه تأويل مختلف الأحاديث).
(٢) كتابه: تأويل مختلف الحديث يجمع فيه بين ما ظاهره التعارض في السنة، وهو في جزءٍ واحد مطبوع سنة ١٣٨٦ هـ دار القومية العربية للطباعة والنشر.
(٣) هو أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر ابن أخت المزني صاحب الشافعي، كان شافعيًا ثم أصبح حنفيًا حتى انتهت إليه رئاسة الحنفيه في مصر. ولد في طحا من صعيد مصر. له شرح معاني الحديث مطبوع في مجلدين وكتاب الشفعة مطبوع وأحكام القرآن، والمختصر في الفقه ومناقب أبي حنيفة وكتاب في التاريخ، له ترجمة في: طبقات الحفاظ للسيوطي وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ١٩، البداية والنهاية ١١/ ١٧٤، لسان الميزان: ١/ ٢٧٤، معجم المطبوعات ١٢٣٢، هداية العارفين ١/ ٥٨١، الأعلام ١/ ١٩٧.
(٤) مشكل الآثار للطحاوي في الجمع بين الآثار المتعارضة، وطبع مرات منها في دائرة المعارف النظامية الكائنة بحيدر أباد الدكن بالهند سنة ١٣٣٣ هـ في أربعة مجلدات.
[ ١ / ١٠٨ ]
قال آية الله السيد حسن الصدر: (اعلم أن أول من أسس أصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإِمام أبو جعفر محمد الباقر، ثم من بعده ابنه الإِمام وقد أمليا على أصحابهما قواعده وجمعوا من ذلك مسائل رتبها المتأخرون على ترتيب المصنفين برواياتٍ مسندةٍ إليهما متصلة الإِسناد) (١).
وبعض الحنفية ادعت أيضًا أن واضع علم الأصول الإِمام قاضي القضاة أبو يوسف، ثم تابعه محمد بن الحسن - رحمهما الله -.
ونقول: إن دعوى الإِمامية أن الإمام محمد الباقر - ﵀ - هو واضع علم الأصول، ودعوى الحنفية بأن أبا يوسف ومحمد بن الحسن قد سبقا الشافعي في وضع قواعد هذا الفن، إنما ما حدث منهم هو التكلم في قواعد لمسائل فقهية عارضة أو بينوا منهجهم في استنباط حكم من الأحكام،
أو أوضحوا طريقة استدلالهم. وكل هذا لا يعارض دعوى كون الإِمام الشافعي - ﵀ - هو أول من صنّف مصنفًا شاملًا لمعظم أبواب هذا الفن الذي أتم بناءه الأصوليون من بعده، فلا تعارض بين الدعوتين.
وقد أثبت الفقهاء والأصوليون والمؤرخون سبق الوضع للإِمام الشافعي كما تقدم في الكلام على سبب وضع "الرسالة"، وسنذكر أيضًا بعضًا من شهادات العلماء بذلك.
قال جمال الدين الأسنوي المتوفى سنة ٧٧٢ هـ - ﵀ - في كتابه التمهيد: (إن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه. وكان إمامنا الشافعي - ﵀ - هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع وأول من صنف فيه بالإِجماع. وتصنيفه المذكور فيه موجود بحمد الله تعالى، وهو
الكتاب الجليل المشهور المسموع عليه المتصل إسناده الصحيح إلى زماننا المعروف بالرسالة، الذي أرسل الإِمام عبد الرحمن بن مهدي من خراسان إلى الشافعي بمصر فصنفه له، وتنافس في تحصيله علماء عصره، على أنه
_________________
(١) الشيعة وفنون الإسلام ص ٥٦. وعقيدة أهل الشيعة في الإمام الصادق ص ٢٩٢.
[ ١ / ١٠٩ ]
قد قيل: إن بعض من تقدم (١) على الشافعي نقل عنه إلمام ببعض مسائله في أثناء كلامه على بعض الفروع. وجواب عن سؤال السائل لا يسمن ولا يغني من جوع، وهل تعارض مقالة قيلت في بعض المسائل تصنيف كتابٍ موجود مسموع مستوعب لأبواب العلم) (٢) انتهى.
قال الإِمام فخر الدين الرازي في كتابه مناقب الشافعي: (الناس كانوا قبل الإِمام الشافعي ﵁ يتكلمون في مسائل أصول الفقه ويستدلون ويعترضون، ولكن لم يكن لهم قانون كلي يرجعون إليه في معرفة دلائل الشريعة وكيفية معارضتها وترجيحاتها، فاستنبط الشافعي - ﵀ - علم
أصول الفقه، ووضع للخلق قانونًا كليًا يُرجع إليه في مراتب أدلة الشرع. ثم قال: والناس وإن أطنبوا بعد ذلك في علم أصول الفقه إلَّا أن كلهم عيال على الشافعي فيه، لأنه هو الذي فتح هذا الباب، والسبق لمن سبق) (٣).
قال جلال الدين السيوطي: أول من ابتكر هذا العلم الإمام الشافعي ﵁ بالإِجماع، وألف فيه كتاب الرسالة الذي أرسل به إلى عبد الرحمن بن مهدي، وهو مقدمة كتاب (٤) الأم.
وعقد بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ في كتابه البحر المحيط فصلًا بعنوان: الشافعي أول من صنَّف في أصول الفقه (٥).
ويكاد يكون كل من أرخ لهذا الفن ذكر أن الشافعي ﵁ هو أول من صنف في هذا العلم، وبهذا البيان الشافي بطلت دعوي كون الإمام - ﵀ - مسبوقًا في تدوين هذا الفن.
_________________
(١) يشير بذلك إلى ما نقله ابن النديم في كتابه الفهرست ص ٢٨٦، في ترجمة أبي يوسف قاضي القضاة ومحمد بن الحسن أنهما أول من تكلم في هذا الفن. ثم تابعه الأفغاني المقدم لكتاب أصول السرخسي ١/ ٣.
(٢) التمهيد للأسنوي طبع مكة ص ٣، ٤.
(٣) مناقب الشافعي للفخر الرازي ص ٥٧.
(٤) إتمام الدراية ص ٧٧ طبع الميمنية سنة ١٣١٨ هـ.
(٥) مناقب الشافعي للشيخ مصطفى عبد الرازق ص ٦٦.
[ ١ / ١١٠ ]