يصح أن يكون فعلا، وكذلك الانتفاء. فإذا [انبنى] الأمر على المذهب الأول، في أن النفي مطلوب، وهو متعلق النهي، واستقر أن أصل المصادر التنكير، اتضح جدا أن يكون النهي على العموم، إلا أن يدل دليل على الاختصاص، وضده الأمر بالظاهر عند الاستغراق، إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك.
وإن فرع على المذهب الثاني، وهو الصحيح، رجع النهي إلى طلب الترك، فيشق على هذا التقدير كونه مستغرقا. ولكن يقرر الكلام من وجه آخر، فيقال: لا يعدل العربي عن قوله (لا تسكن) طالبا لمطلق الحركة، فإنه يكون مطولا، من جهة دخول الحرف الزائد، ومن جهة أنه لم يذكر حقيقة المطلوب، فحمل الأمر على أنه طلب حركة يحصل عندها نفي السكون، ولا اختصاص في النفي، [فلزم] [بذلك] عموم النفي بهذا التقرير. والله المستعان. [وكلامه] في بقية الطريقة بين، لا يفتقر إلى زيادة. وقد تقدم الإرشاد إليه قبل هذا.
قال الإمام: (فأما من لم ير الفور، وجوز (٥٤/أ) التأخير: فمن مسالكهم
[ ١ / ٦٨٠ ]
ما ذكره القاضي معتمدا لنفسه) إلى قوله (فقد أبعد). قال الشيخ: الذي ذكره القاضي من [الاحتجاج]، صحيح، وما أتى به استشهادا، تقريب وتمثيل، من غير أن يقصد القياس والاستدلال. وإنما وسع المقال وضرب الأمثال.
والمقصود من الكلام: أن اللفظ لا تعرض له للازمان بحال. والتقديم والتأخير إنما هو بالنسبة إلى الزمان، وذلك من ضرورات الأفعال، (٢٣/أ) لا من معقول التكليف، والزمان كالمكان من غير إشكال. وكما يصح أن يربط التكليف [بالزمان، كذلك يصح أن يربط بالمكان. ولكن إذا قصد ذلك الطالب،
[ ١ / ٦٨١ ]
فعليه التعريف بنصب الدليل، وإلا كان ذلك] من قبيل التكليف بالمستحيل. وكون القاصد يريد ذلكن لا ينكر على الجملة، وليس الحق إلا ما قاله القاضي - ﵁ -.
وقوله: (ومن عد النظر في هذا الفن من قبيل النظر في الغيم والإصحاء) إلى آخر كلامه. ليس فيه تحقيق، فإن القاضي إنما يسوي بين هذه الأمور، بالنظر إلى قصور إشعار اللفظ عن هذه الجهات كلها. وهذا
[ ١ / ٦٨٢ ]
بالإضافة إليها دلالة على جهة واحدة في القصور وعدم التعرض لشيء منها، فيجب فهم مدلول اللفظ، وقطعه عن الأوقات كلها.
لكنا نقول للقاضي: إذا عقل عندك تعلق الطلب بالفعل من غير نظر إلى زمان، فأي حاجة مع هذا إلى تقدير عزم يكون بدلا من الفعل، وقد ربط الطالب طلبه بالفعل، معرضا عن جميع الأزمنة؟ وهذا غير مستنكر عرفا وعقلا. فالوجه كما قال: فهم الامتثال وقطعه عن الأزمنة على الإطلاق، إلا] أن يتعرض لها [الطالب]، وينصب عليها دليلا.
وقوله: (فالقول الحق في ذلك: أن الأمر اقتضاء ناجز، فليقتض الوفاء الناجز). كلام ضعيف، ومن العجب ادعاؤه كونه حقا مع اعترافه بعد هذا
[ ١ / ٦٨٣ ]
(بأنه لا يستقل [بإثبات] غرض، فإن الطلب ليس مجحودا). ومعنى قوله: (إنه طلب ناجز). أي توجه الطلب على المكلف في الحال. وهذا مسلم من غير إشكال. قال الشيخ: كلام القوم صحيح، وما ذكره الإمام ضعيف. وبيان صحته: التمسك [بأن] القائل إذا قال: (افعل)، فقد ألزم غيره الفعل، غير متعرض للأزمنة. وإذا التزم الفعل، فقد التزمه أيضا، مع قطع النظر عن أزمنة الفعل. وقد تقدم تقرير هذا في طريق القاضي. وإيراد الالتزام على الإلزام، لم يكن على جهة القياس، وإنما المراد أن الملتزم والملزم جميعا، لم يتعرضا
[ ١ / ٦٨٤ ]
للأزمنة، فإن [قصدا] إليها، فلينصبا الدليل الدال عليها. فيقول الملزم: (افعل غدا)، فإذا وقع التقييد بذلك، لم يثبت الامتثال، ولا الخروج عن الالتزام بالتأخير عن ذلك الزمان.
قال الإمام: (فأما من قال من أصحاب الوقف: إن من بادر إلى إيقاع [الفعل] المطلوب، لم يقطع بكونه ممتثلا) إلى قوله (في مظان الضروريات). قال الشيخ: [- ﵁ -]: الأمر على ما قاله من لزوم القضاء بامتثال المبادر لاقتضاء الطلب للفعل، ودلالة الصيغة عليه، وعدم التعرض لأزمنة الفعل، وصحة نسبة الفعل الواقع في أول الوقت إليه، ولا معنى لوقوع الفعل طاعة إلا من جهة موافقته للطلب.
قال الإمام: (والذي يجب القطع به) إلى قوله (فإن اللفظ (٥٤/ب) لا
[ ١ / ٦٨٥ ]
اختصاص له بوقت). قال الشيخ [أيده الله]: أما قوله: (إن المطالب (٢٣/ب) [مهما] أتى بالفعل، فإنه بحكم الصيغة ممتثل). فالأمر على ذلك، وهو اختيارنا واختيار القاضي أيضا، وقد بينا وجهه. وأما التوقف في المؤخر، فلا وجه [له]، لما قررناه من وجوب الافتقار في الطلب [إلى] ما دل عليه اللفظ، واللفظ لم يفتقر في دلالته [إلى] زمان، ولم يتعرض له
[ ١ / ٦٨٦ ]
بحال. وإذا أمكن الطلب من غير نصب دليل عليه، لزم من ذلك التوقف في المبادر أيضا، لاحتمال أن يكون المقصود التأخير، وهو تمام هذا المذهب.
ثم أيضا يلزم منه التوقف في أصل امتثال، لأنه يمكن أن يقول، ويضمر مبادرا، ويصح أن يقال: (افعل وبادر). فعلى التقدير الأول، يخرج المؤخر عن كونه ممتثلا. وعلى التقدير الثاني، لا يخرج عن كونه ممتثلا. وإذا تحقق استواء الأمرين بالنظر إلى اللفظ، لم يكن سبيل إلى تعيين أحدهما بالتحكم.
وما اعتذر به الإمام من (أن اللفظ الدال على الطلب لا اختصاص له بزمان). يحقق إبطال الوقف في المؤخر على كل حال.
[ ١ / ٦٨٧ ]
[وأما قوله]: (أجمع المسلمون على أن كل مأمور به بأمر مطلق، إن لم يجز تأخيره، فإذا فرض تأخيره ثم إقامته، فليس ما أقيم مقضيا، وإنما هو
[ ١ / ٦٨٨ ]