قال الله تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ..﴾.
وقوله: (وبحقيقته وحده)، الحقيقة: لفظ مشترك، وقد يراد بها الذات، فيقال: حقيقة الشيء ونفسه وعينه بمعنى واحد. وقد يراد بها خلاف المجاز، وهي من أقسام الألفاظ، فيقال: اللفظ ينقسم (٣/ب) إلى الحقيقة والمجاز. والمراد هنا بالحقيقة: الذات دون اللفظ. والضمير عائد على الفن، أي بحقيقة الفن، وليست هذه الإضافة إضافة الشيء إلى نفسه، فإن تلك ممنوعة، وهي كإضافة الأسماء إلى الكنى، والكنى إلى الأسماء، وذلك لا يسوغ عند أهل اللسان. نعم، الإضافة على وجهين: لفظية ومعنوية. فاللفظية في اللفظ دون المعنى، كالحسن الوجه، فلا تفيد تخصيصا ولا تعريفا. والإضافة المعنوية: [ما أفادت]
[ ١ / ٢٤٥ ]
أحدهما، ثم هي على وجهين: إضافة الشيء لغيره، كغلام زيد، وسرج الدابة. وقد تكون كإضافة النوع إلى الجنس، كخاتم حديد، ونفس زيد، إذ لفظ الخاتم لا يختص بالحديد، ولا النفس بزيد، فأفادت الإضافة التخصيص.
وقوله: (وحده). اعلم أن لفظ الحد ينطلق في اللغة على جهات: إذ يطلق على الحاجز بين شيئين. فيقال: بيني وبينه حد. وقد يطلق على منتهى الشيء، فحدود الدار منتهاها. ويطلق أيضا على المنع، ومنه تسمى المرأة حادا، لامتناعها من الزينة والأزواج. وحدود الشرع موانع من المحرمات. وسمي الحديد حديدا، لامتناعه لشدته. وسمي السجان حدادا، لمنعه من في السجن من الخروج.
وهو في عرف العلماء: مشترك بين اللذات واللفظ، فيقال فيه على الوجه الأول: حد الشيء نفسه. وعلى الثاني: حد الشيء هو اللفظ المفسر لمعناه. ثم إنه أيضا على هذا الوجه مشترك بين [ثلاثة] أمور:
فيطلق على اللفظ الحد، باعتبار دلالته على الأوصاف النفسية عند
[ ١ / ٢٤٦ ]
مثبتي الأحوال، ولابد أن يكون دالا على جميع الأوصاف، وإن كانت ألفا، ولا [تبال] بالتطويل، حتى يكون السامع للحد متصور للمحدود، بحيث إذا رآه، لم يستفد معلوما جديدا، بل لا يتجدد له سوى الرؤية، ولكن يحترز من التكرار. وإذا كان اللفظ يدل على الشيء بطريق الضمن، فلا يذكر أولا صريحا، ثم يذكر ثانيا ضمنا، فيحصل التكرار.
ومثاله: أن يقول في حد الشراب: إنه مسكر معتصر من العنب. ولا يقول: إنه جسم مائع. والأحسن أن يبدأ بالأعم ويختم بالأخص. فلا يقول: مسكر معتصر من العنب، بل العكس. والسبب فيه أنه لا يمكن معرفة الأخص مع الغفلة عن الأعم، فإذا ذكر الأخص أولا، تعذر الفهم حتى يذكر الأعم، ثم يفهم الأخص، [فيتراخى] الفهم عن الذكر، وليس كذلك إذا ذكر الأعم
[ ١ / ٢٤٧ ]
أولا، فإن الفهم يساوق الذكرن فكان [أولى].
واعلم أن المقصود بالحد: الإرشاد إلى المحدود وإيضاحه، فلا يصح أن يأتي بالألفاظ المجملة من غير قرينة، لتعذر البيان، فأما إذا اقترنت قرينة معرفة، ففيه خلاف. والصحيح القبول، والأحسن الترك. ولا حاجة في الحد النفسي إلى ذكر الاطراد والانعكاس، والجمع والمنع، فإنه إذا [أتى] به على شرطه، لا يكون إلا كذلك.
الاصطلاح الثاني: للحد باعتبار اللفظ: الحد الرسمي، والمقصود منه بيان من حيث الجملة، إما بذكر بعض صفات النفس المختصة، أو بذكر اللوازم والتوابع المشهورة، بحيث تكون مختصة به، ولا تثبت لغيره. والفرق بينه وبين الأول: أن هذا لا تتصور به الحقيقة في النفس، ولكن إذا صودفت عرف (٤/أ) عندها المحدود. ولابد في هذا من شرط الجمع والمنع، والاطراد
[ ١ / ٢٤٨ ]
والانعكاس. ونعني بالجمع: أنه لا يخرج من المحدود عن الحد شيء. وبالمنع: انه لا يدخل فيه غيره. ونعني بالاطراد: وجود كل واحد منهما مع وجود صاحبه. وبالانعكاس: انتفاؤه مع انتفائه.
وهل الطر والعكس شرط في الحصة أو دليلها؟ فإن كان شرطا، لم يلزم من وجوده صحة الحد، ويلزم من الانتفاء الفساد. وإن كان دليل الصحة، لزم من الوجود الصحة، ولم يلزم من الانتفاء الفساد. والصحيح أنه شرط لا دليل. لأنا نجد حدودا مطردة منعكسة، ولا يحصل منها مقصد صحيح.
وأما قول الأصوليين في المناظرة: عرفت صحته باطراده وانعكاسه، فهو
[ ١ / ٢٤٩ ]
كلام متجوز به. وإنما اكتفى بذلك في المناظرة، من جهة أنه لا يمكن سواه، إذ الحدود لا تقتنص بالبرهان، إذ البرهان إنما يقام على الجملة الخبرية بعد معرفة مفرداتها، ثم تق النسبة القابلة للصدق والكذب، فتطلب البرهان.
وأما الحد، فإنه وإن كان على صورة الجملة، فهو في التحقيق مفرد. مثاله: أنا إذا قلنا: الخمر شراب مسكر، فالشراب المسكر هو الخمر بعينه، ولم يعقل أولا خمرا ثم وصفناه بكونه شرابا مسكرا، بخلاف قولنا: زيد عالم، فإنا لما عقلنا زيدا، قضينا عليه بكونه عالما، فأمكن الصدق والكذب في
[ ١ / ٢٥٠ ]
النسبة، فافتقر إلى البرهان. فلما لم تتصور إقامة الدليل على الحد، وأمكن أيضا من الحاد العبد الكثير، كان أقرب الطرق البيان بالاطراد والانعكاس، ويفوض إلى الخصم الاعتراض.
الاصطلاح الثالث: لإطلاق الحد على اللفظ باعتبار كونه شارحا للفظ: وهو بمثابة قولنا: العلم معرفة. وهذا لا يتحصل منه بيان الحقيقة بأوصاف النفوس، ولا باللوازم، بل يكون المتكلم فهم عن السائل أنه فهم الحقيقة، وإنما جهل نسبة اللفظ إليها، فيبين له بلفظ واضح النسبة عند السائل، أن اللفظ المسؤول عن بيانه [وينسب] إلى ما ينسب إليه الآخر.
[ ١ / ٢٥١ ]
وشرطه: أن يكون اللفظ الثاني أوضح عند السائل من الأول. وقد يجوز باعتبار سائل غيره أن ينعكس الأمر في حقه، فيبين له بما سأل عن بيانه غيره.
فإذا ثبت هذا، فقول الإمام: (بحقيقته وحده)، لم يرد بالحد الحقيقة لقوله: (إن أمكنت عبارة سديدة)، بل إنما أراد اللفظ باعتبار كونه يدل على الذات. وهذا أمر لا يحتاج إليه مريد الفن، لتصور المطلوب عند الإحاطة بالحقيقة، وإن لم يدر الطالب التحديد. ثم إنه هل يحد لنفسه، أو يطلب من غيره التحديد؟ فإن كان يحد لنفسه ليبين، فذلك محال، وإن طلب من غيره الحد ليتبين بعد درك الحقيقة، فهو أيضا باطل، إذ الحاصل لا
[ ١ / ٢٥٢ ]
[يبتغي]. والظاهر أن هذا خلل في العبارة. والمراد- والله أعلم- وبحقيقته بحده، ملتمسا ذلك من غيره. فلم يرد الحد لعينه، وإنما أريد ليتصور السائل المحدود ليمكنه طلبه.
ثم قال: (وإن [عسرت]، حاول المدرك بمسلك التقاسيم). والمدرك ههنا: اسم مصدر، كمالضرب، والمراد: حاول الدرك. وهذا الكلام قد تكرر من الإمام مرارا في غير موضع. ورأي أن التقسيم يتوصل به إلى درك الحقيقة. وهذا الكلام (٤/ب) فيه نظر. فإن الشيء على ما ذكرناه، إنما
[ ١ / ٢٥٣ ]
تتبين حقيقته بالوقوف على أوصافه النفسية. وسلب أمر عن أمر لا يبينه بوجه، إذ نفي الضد ليس بصفة لضده نفسية، ولا معنوية. ولو تصور إنسان لا يعرف البياض مثلا، ولا تصوره، وعرف كل لون سواه، لم يكن نفي الألوان في حقه كافيا في تصور البياض. نعم، إن انضبط المطلوب في النفس مع معان سواه، وحصلت الإحاطة بالجميع، والتبست نسبة الاسم إلى معين منها، وعرف الإنسان اسم ما سواه، كان التقسيم في هذه الصورة يفيد في معرفة التسمية. وسيأتي لهذا مزيد تقرير في مسألة حد العلم، إن شاء الله.
وقد بينا أن الإحاطة بالمقصود لابد منها ليتأتى الطل اعتيادا. وأما تصور المطلوب في النفس، فشرط تصور الطلب عقلا. وأما تحصيل المواد، فقد يكون الاستمداد عقليا، وقد يكون عاديا، وسنتكلم على ذلك عند ذكر أصول الفقه.
قال: (والغرض من ذلك أن يكون الإقدام على تعلمه مع حظ من العلم). قد بينا توقف الطلب على تصور المطلوب. فإن قيل: فإذا علمه، فكيف يتصور الطلب مع حصول العلم؟ قلنا: علم الجملة لا يمنع من علم
[ ١ / ٢٥٤ ]