ثم قال: (فإن قيل: فمعظم متضمن مسائل الشريعة ظنون. قلنا: ليست الظنون فقها، وإنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون. ولذلك قال المحققون: أخبار الآحاد والأقسية لا توجب عملا، وإنما يجب العمل بما يجب به العلم بالعمل، وهي الأدلة القاطعة). في الكلام اختصار، ومقصد مورده الاعتراض على حد الفقه بالعلم بالأحكام الشرعية في العرف، فقال: كيف يقول ذلك، وأكثر مسائل الفقه مظنونة، وسموا فقهاء بسببها؟ فقال: إنما سموا فقهاء باعتبار (٦/أ) ما عملوا، وإنما الظنون أمارات على حصول العلم بالأدلة القاطعة، وهو الإجماع المنعقد على وجوب العمل عند أخبار الآحاد وإجراء الأقيسة. فأقول: هذا كلام غامض، وموضع ملتبس، فلابد فيه من فضل تحقيق
[ ١ / ٢٦٤ ]
فاعلم أن ظن الشيء والعلم به ضدان، فلا يتصور أن يكون الشيء مظنونا معلوما في وقت واحد، على وجه واحد. والمجتهد إذا ظن الحكم مستندا إلى خبر الواحد والقياس، كيف يصح أن ينتهض ظنه علامة على علم الحكم؟ وإنما يستديم الحكم، ما دام الظن قائما حتى لو زال ظنه بالصدق والإلحاق، لامتنع الحكم عليه. فلا يصح أن يكون استمرار ظن الحكم شرط دوام العلم به، فإن ذلك محال.
نعم، يجوز أن يحصل ظن الاستواء في الجامع في باب القياس، أو ظن صدق العدل شرطا في العلم بالحكم ابتداء، ويرتبط استمراره باستمراره، ويجوز خلافه. فيكون ما ذكره الإمام في هذا المقام على القول بتصويب المجتهدين.
[ ١ / ٢٦٥ ]