أحكام الأزل ونفي الولية، فهو راجع إلى أحكام الإلهية.
وأما الثاني، وهو كون الجوهر الفرد لا ينقسم، فلا يتلقى إلا من برهان الخلف، فإن العقل لا يقف على حد، ولا يمنع من قسمته، ولكن يقول: لو انقسم إلى غير نهاية (٣٤/أ)، لدخ غير المتناهي الوجود، وبراهين من هذا الجنس. ودخول ما لا يتناهى الوجود محال.
قال الإمام: (القول في البيان) إلى قوله (إذا استقل كلامه بالإبانة
[ ١ / ٤٩٠ ]
والإشعار بالغرض. فهذا منتهى المقصود في هذا الفن). قال الشيخ - ﵁ -: ظاهر كلامه أن أصحاب العبارة الأولى والثالثة متفقون، وإن كان أحد اللفظين أكثر احترازا، وليس الأمر كذلك. بل القائل الأول يرد البيان إلى الاستدلال بالدليل، والإرشاد إلى جهة دلالته. والثالث رد البيان إلى نفس الدليل، على أن لفظ الدليل مشترك عند المتكلمين، فإنه قد يطلق على الدال، وقد يطلق على الدلالة، وهذا الثاني هو اختيار القاضي ﵀. والأمر في ذلك قريب، وإنما ترجع المسألة فيه إلى اللفظ.
[ ١ / ٤٩١ ]
قال الإمام: (فأما الكلام في مراتب البيان) إلى قوله (والاكتفاء بذكر الإجماع أولى، ولا دفع للسؤال). قال الشيخ: الكلام واضح كله. وما اعترض به أبو بكر على الشافعي غير لازم، وذلك أن الشافعي ﵀
[ ١ / ٤٩٢ ]
عد ما تستند إليه الأحكام مباشرة. والمراتب السابقة كلها كذلك. وأما
[ ١ / ٤٩٣ ]
الإجماع فهو على الحقيقة ليس دليل الحكم، وإنما هو دليل دليله. وهذا واضح إذا ظهر مستند الإجماع. وإن لم يظهر مستنده، فقد يظن الظان أن الحكم أسند إليه مباشرة، وليس كذلك. بل إنما يثبت الحكم، لصحة العصمة في المستند. والإجماع يدلنا على طريق لا نص فيه، ولا دليل سواه. وإن كنا نعلم نفي بقية الأدلة.
ولو كان الإجماع كذلك، لتصور أن ينعقد الإجماع ويكون حجة مع فقدان تلك الطرق، وفرض ذلك محال، لأنه يناقض العصمة؛ إذ [يكونوا] قد حكموا من غير دليل. وقد قال الشافعي ﵀ ما أشرنا إليه، فقال في كتاب القياس: ([لا أرى] للصحابة في القراض [مستندا] إلا ما صح عن
[ ١ / ٤٩٤ ]
رسول الله - ﷺ - في المساقاة). يقول: إنهم سلكوا فيه مسلك القياس. قيل: هذا منه قلب لمجاري القياس، فإن سبيل القياس الصحيح اعتبار المختلف فيه بالمتفق عليه. وهذا اعتبر المتفق عليه بالمختلف فيه.
قال الشافعي: الإجماع لا ينعقد [هزلا]. وتمام التقرير يقتضي الالتفات إلى الأدلة التوقيفية، نقلية أو قياسية. فإليها يستند أهل الإجماع. فتبين بهذا سقوط السؤال. وسيأتي مقررا بأبلغ من هذا في ذلك المكان، إن شاء الله تعالى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
قال الإمام: (وقد ذكر بعض الأصوليين صنفا آخر من الترتيب) إلى قوله
[ ١ / ٤٩٥ ]
(في لفظ الشارع له ذكر. ثم له مراتب، لسنا لها الآن). قال الشيخ: هذا الترتيب غير صحيح، فإنه قدم لفظ الشارع مطلقا على الفعل الواقع بيانا. وقد
[ ١ / ٤٩٦ ]
يكون اللفظ ظاهرا، وقد يعلم بالقرائن ما قصده بالفعل، [فكيف يصح التقديم مطلقا؟ والإشارة (٣٤/ب) أيضا فعل] اقترن به القول للبيان، فلم تأخرت عن قضية الصلاة الواقعة بيانا؟
وكذلك تأخير المفهوم عن العموم مع [أنه] يؤخر من جهة كونه من توابع اللفظ، لا من جهة مفهومه.
وكذلك القول في القياس، إذ لا يصح أن يقدم كل لفظ على كل قياس، إلا أن يكون المقصود أنه لولا شرعيته، لم تدل الألفاظ على أحكام الفروع، ولم تستند إليها، فيكون لهذا وجه. فأما أن يعتقد الترتيب في قوة الدليل وضعفه، فغير صحيح.
[ ١ / ٤٩٧ ]
قال الإمام: (والقول الحق عندي أن البيان: هو الدليل. وهو ينقسم إلى العقلي والسمعي. فأما العقلي، فلا ترتيب فيه على التحقيق في الجلاء والخفاء،
[ ١ / ٤٩٨ ]