[ولكن] النزاع، هل تعبدوا بالفروع أم لا؟ ولا أرى لما ادعاه من القطع وجها.
قال الإمام: (القول في العلوم ومداركها وأدلتها). قال الشيخ - ﵁ -: قوله: العلوم: هو جمع علم، لا يصح على مقتضى العربية، فإن العلم مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، لأنه يدل على القليل والكثير من جنسه، إلا أن تختلف أنواعه، نحو [الحلوم] والأشغال. والعلم لا يتصور أن تختلف أنواعه بوجه يرجع إلى انقسام العلم وتفاوت درجاته، وإن كانت تختلف متعلقاته، وليس اختلاف المتعلقات بالذي يوجب اختلاف العلم، من جهة كونه علما.
وقد ذهب بعض الناس إلى أن العلم يختلف، وزعموا أنه يتصور أن يكون علم أوضح من علم. وهذا غلط بين. واعتذر هذا القائل بمثال محسوس تمسك به، وقال: إذا رأى الرائي جسما أبيض في غلس، فإنه يرى بياضه، وكلما اشتد الضياء، علم البياض على وجه أوضح مما علمه أولا بالإبصار. قال: فكذلك العلم الذي لا يرجع إلى حاسة البصر.
[ ١ / ٣٧٤ ]
وربما تمسك بأن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره به. وهذا غلط عندنا. وخياله فيما تمسك به من رؤية الأبيض على جهة رؤيته على أوضح من ذلك، ليس بصحيح، وإنما يرجع ذلك إلى رؤية أجسام لطيفة مسودة، فإذا قوى البياض ذهب اسودادها.
وأما ما شنع به من أن علم النبي بربه لا يساوي علم غيره، فليس الأمر في ذلك يرجع إلى تفاوت العلمين، وإنما يرجع ذلك إلى كثرة معلومات النبي وقلة معلومات غيره، أو لدوام علمه، وتوالي الغفلات على غيره.
وأما تفاوت العلم حقا وحظا، فمحال، إذ حقيقته الكشف. وكمال التقرير فيه أن العالم إذا اطلع على معلوم، فلا يخلو: إما أن يحيط به من كل وجه، أو من بعض الوجوه، فإن أحاط به علما من كل وجه، استحال أن يعلم ثانيا ما لم يعلم أولا، فلا يصادف العلم الثاني متعلقا. وإن أحاط ثانيا بما لم يحط به أولا،
[ ١ / ٣٧٥ ]
فهذا علم آخر، متعلق بمعلوم آخر، ولا يرجع ذلك إلى إيضاح في الأول بحال. (٢٠/ب).
وإن قال قائل: يصح جمعه بالنظر إلى متعلقاته، فيقال له: فجوز جمع الضرب باعتبار تعدد متعلقاته، فقل: ضروب. وكذلك يلزم جمع النظر، لاختلاف المنظور فيه، حتى يقال: أنظار. بل منع أهل اللغة من جمع المصدر، وإن اختلف قلة وكثرة، وقوة وشدة. فكيف يجمع ما لا يقبل الاختلاف بوجه؟ وقد قال سيبويه ﵀: لا يجمع العلم ولا النظر. لما قررناه. والكلام في الدليل يأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (الوجه تصدير الباب بقول مقنع في العقل) إلى قوله (فهذا لباب كلامه بعد تطويل وإطناب). قال الشيخ - ﵁ -: قد اختلف في إلحاق لفظ
[ ١ / ٣٧٦ ]
العقل [بالعلم]، واختلفوا في ماهيته: فذهب الخوارج إلى أن العاقل: من عقل عن الله. وقال الشيخ أبو الحسن: العقل هو العلم. وهو مختار الأستاذ أبي إسحاق.
[ ١ / ٣٧٧ ]