ولكن لابد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط الدليل به). وجه ورود السؤال أنه لما فسر أصول الفقه: بأنها القواطع في عرف الأصوليين، قيل له: هذه مذكورة في الأصول، وليست قواطع. فإن كانت من الأدلة، فلم يجمع الحد، فيكون مختلا، وإن لم تكن من الأدلة، فأي حاجة إلى ذكرها؟ فأجاب: بأنها ليست من الأدلة، ولكن الأصولي مفتقر إلى إقامة الدليل على وجوب العمل عندها، فإن لم يتصور حقائقها، تعذر الاستدلال عليها، فذكرت من هذه الجهة، لا لكونها أدلة.
ثم قال: (فصل- قد ذكرنا أن الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية، ونحن الآن نذكر معنى الأحكام ذكرا [كليا]، ثم نفصلها بعد ذلك) إلى قوله (وليس لما يتعلق به قول قائل على جهة صفة حقيقية من ذلك القول.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وهو كتسميتنا الشيء معلوما، مع القطع بأنه ليس له من تعلق العلم به صفة حقيقية). أما قوله: ليس الحكم المضاف إلى متعلقه صفة، فالأمر على ذلك، ولكن لا يتبين بهذا الحكم، لا من جهة الجملة، ولا من جهة التفصيل، فإنا قد بينا أن سلب شيء عن شيء لا يبين حقيقته بوجه. وإذا لم يكن الحكم صفة في المحكوم فيه ثابتة، وج أن تبقى الذات التي [هي] متعلق الحكم بعد التعلق على ما كانت عليه من قبل. ولكن قصد بهذا الكلام بيان مخالفتنا للمعتزلة في رد الأحكام إلى صفات الأعيان. على ما سيأتي بيان
[ ١ / ٢٧٤ ]
مذهبهم، إن شاء الله تعالى. نعم، قوله: إن الحكم يرجع إلى القول، هو بيان الحكم من أعم الوجوه، ولا يتحصل من ذلك ضبط جنس الحكم. ولم يذكر الإمام حد الجنس، لا في هذا المكان، ولا في غيره، مما سيأتي. وإنما تعرض بعد ذلك لحد التفاصيل. ولكن قد يؤخذ من حد التفصيل ضمنا حد الجنس، على ما سنبين، إن شاء الله تعالى.
وقد اختلفت عبارات الأصوليين في حد الحكم، فقال قائلون: هو خطاب الشارع إذا تعلق بأفعال المكلفين. وفي ظاهر هذا الكلام ما يدل على تجدد التعلق، وهذا يلائم قول من يقول: إن الله تعالى ليس [آمرا] في الأزل،
[ ١ / ٢٧٥ ]
وهو القلانسي، وأبو الحسن يأباه.
وقال قائلون: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. وهذا لا يظهر فيه ما ظهر من الأول، لكن يلزم منه أن يكون قول الله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾ - إذا خوطبنا به- حكما.
وقال قائلون: الحكم يرجع إلى تعلق الخطاب. ويرد عليه ما يرد على الأول. ولكن الفرق بين القولين: أن الأول رد الحكم إلى الخطاب المنسوب، والثاني رد الحكم إلى النسبة. والأول أصح. لأن الحكم يرجع إلى الأمر
[ ١ / ٢٧٦ ]