وأما على القول بان المصيب واحد، فلا يصح أن تجعل الظنون على الوجه المذكور شرطا في انتصاب الأدلة القاطعة. إذ لو كان كذلك، لقطع بتصويب المجتهدين. والذي نختاره خلاف ذلك. على ما سيأتي بيانه، إن شاء الله تعالى. فالصحيح عندنا في إطلاق اسم الفقيه في العرف على: من تجوز له الفتوى، إما لكونه مجتهدا، أو لمن يجوز له الفتوى من المقلدين.
ثم قال: (فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي
[ ١ / ٢٦٦ ]
القواطع السمعية. وأقسامها: نص الكتاب، ونص السنة المتواترة، والإجماع، ومستند جميعها قول الله - ﷿ -، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه من الكلام). قال الشيخ - ﵁ -: قد ذكرت أن أصول الفقه قد تطلق لقبا، وقد تطلق مضافا. والإمام ﵀ إنما أطلقه مضافا. وإذا كان كذلك، فلا يصح أن يكون الفقه مدلول القواطع السمعية لوجهين:
أحدهما: أن الأدلة إنما باشرت الأحكام، فالأحكام هي المدلولات على الحقيقة. ومن أحاط بالدليل علم مدلوله. وقد اختلف المتكلمون في مسألة، وهي أنا إذا أقمنا دليلا على حدث العالم، فهل المدلول حدث العالم، أو العلم بحدث العالم؟ والصحيح أن المدلول الحدث، بدليل أن حدث الأكوان دال على حدث الجواهر، سواء نظر الناظرون أو لم ينظروا، لأن حد الدليل: هو الذي يتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا. والنظر
[ ١ / ٢٦٧ ]
الصحيح يتضمن العلم بالمدلول.
الثاني: أن الناظر لو أخطأ جهة النظر في الدليل، لم يعلم الحكم، ولا يخرج الدليل عن كونه دليلا. فثبت بهذا أنها أدلة الأحكام، لا أدلة العلم بالأحكام.
ومعنى قولنا أدلة الأحكام: أي أدلة نسبة الأحكام إلى أفعال المكلفين، إما على جهة إثبات أو نفي. إذ نفس الحكم باعتبار كونه مفردا لا يقبل الدليل. كما قررناه في امتناع إقامة الدليل على المفردات. نعم، إذا حصل النسبة، أمكن الصدق والكذب، فافتقر إلى دليل.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فأما إحدى النسبتين، وهي نسبة الإناث، فلا تتلقى إلا من الأدلة السمعية. فأما النسبة الأخرى، وهي نسبة النفي، فتتلقى من الأدلة السمعية، ولا تقتصر عليها. فإنا نعلم انتفاء الأحكام قبل ورود الشرع. كما سنقرره، إن شاء الله تعالى.
وقوله: (وأقسامها: نص الكتاب، (٦/ب) ونص السنة المتواترة، والإجماع). وقد اختلفت عبارات الأصوليين في هذا، فمنهم من لا يقيد هذا التقييد، ويذكر الكتاب والسنة والإجماع. وإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد؟ فيقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعينة من صور العموم. وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونه سنة. ومنهم من يقيد لإزالة هذا اللبس.
ومنهم من يقول: ما دل على الحكم، ولو كان بوجه مظنون، ولو كان بوجه مظنون، فهو دليل. فهذا لا يفتقر إلى التقييد، فيعد من جملة الأدلة الظواهر وأخبار الآحاد. ويرى
[ ١ / ٢٦٩ ]
أن الحكم استند إليهما. وهذا هو واللائق بمذهب من يقول المصيب واحد، ويظن الإصابة بناء على ظن الدليل.
والإمام ﵀ قيد في الدليلين الأولين، ولم يقيد في الإجماع، ويمكن أن يكون ترك التقييد فيه لأمرين:
أحدهما- أن يكون جعل (الألف) و(اللام) في الإجماع للعهد، يعني والإجماع الذي هو حجة في عرف الأصوليين على شرطه. والعهد في الكتاب والسنة مفقود.
الثاني- أن الشروط المعتبرة في كون الإجماع حجة كثيرة، لا يمكن ضبطها إلا بتفريغ المسائل وتمهيد الأبواب. والكلام يجمل في غير مقصوده، لاسيما إذا كان التفصيل يطول.
وإنما قصر الأدلة على ثلاثة، لإخراجه (شرع من قبلنا) عن كونه حجة. وأما من يرى ذلك حجة، فلا تقتصر الأدلة عنده على ذلك. وهذا هو المختار عندنا.
وقوله: (ومستمد جميعها قول الله - ﷿ -، ومن هذه الجهة تستمد أصول الفقه في الكلام). اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، وأما النبي والزوج والسيد والوالد وغيرهم، إذا أمروا أو أوجبوا، لم يجب شيء بإيجابهم، بل بإيجاب الله
[ ١ / ٢٧٠ ]