بكلام النفس. ولكن يمكن أن يكون ذلك لتعبد في اللفظ، وهو السبب، إذ باللفظ يتحقق الإعجاز.
وقال الأخطل:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فقد أثبت الكلام قائما بالنفس، وجعل اللفظ دليلا عليه.
وأما ما ذهب إليه الإمام [من] أن الكلام الحقيقي هو القائم بالنفس، فحيد عن المقصود، فإن النزاع ليس في كون المعنى القائم بالنفس على حقيقة لا يختلف، وأن الألفاظ اصطلاحية وضعية، فإن هذه أمور معقولة لا تتعلق باللغات والتسميات، وإنما النظر في إطلاق اللفظ حقيقة أو مجازا. وهذا البحث لا يرشد إلى ذلك.
قال الإمام: (وأما المعتزلة وكل من خالف عصبة أهل الحق) إلى قوله
[ ١ / ٥٨٦ ]
(ولا علما بكيفية الصيغة، فلم يبق إلا ما حاولناه). قال الشيخ: قول الإمام: ولا نجد بدا من ذكر ما يقع الاستقلال به إلى آخره. كلام فيه إشكال، وذلك أنه لم يبين في أول الكلام إلا ادعاء الضرورة، وعليه سؤلان:
أحدهما- أن الضروري لا يقبل الاستدلال.
والثاني- أنه لا يتصور فيه من العقلاء النزاع. وأكثر الخلق على جحد كلام النفس، فكيف يتصور دعوى الضروري فيه؟ لكن يجاب عن هذا: بأنه لم يقصد الاستدلال على ما ادعى الضرورة فيه، فإنه يقول: أصل المعنى الذي نحن [نثبته]، لا ينفيه خصومنا، ولكنهم يردونه إلى الإرادة تارة، وإلى العلم أخرى. وربما أثبت ابن الجبائي كلام النفس، وسماه الهواجس. والكلام
[ ١ / ٥٨٧ ]
على هذا الوجه صحيح. وإذا رده المعتزلة إلى الإرادة، وحققنا أمرا غير مريد، ثبت العدد.
وما ذكره الأئمة من الصورة المفروضة، وكون السيد لا يريد الامتثال، فكلام صحيح، لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنه آمر أو لا؟ فالمعتزلة منعت كونه آمرا، لتحقيق أنه غير مريد. وعند أصحابنا أنه آمر على الحقيقة. ولكن هذه دعوى برهانها (١٢/أ) عندهم علم العبد والحاضرين بحقيقة الأمر، مستندين إلى قرائن الأحوال، وهذا يمنعه الخصم، ويقول: بل الحاضرون يعلمون خلاف ذلك. وأما العبد، فمعتقد يمكن تشكيكه عند اطلاعه على باطن الأمر.
[ ١ / ٥٨٨ ]
فتنتهي المسألة إلى هذا الحد، ولا يثبت بذلك استدلال على (٤٤/ب) الحقيقة.
وقد التزمنا في هذا الكتاب الإنصاف، وترك التعصب، بحسب الإمكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. لكن الصواب عندي في المسألة بناؤها على ما يتعلق بعموم الخلق وشمول الإرادة للكائنات جميعا. وإذا تقرر ذلك، بنينا عليه غرضنا، وقلنا: لو كان الله تعالى أمر بالإيمان عموما، ولا يريد الإيمان ممن كفر، وقد قال تعالى: ﴿ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها﴾.
[ ١ / ٥٨٩ ]
﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾. ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾.
ومما اجتمعت [الأمة عليه] كلمة متلقاة بالقبول غير معدودة من محتملات الألفاظ، وهي قولهم: (ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن).
ومعنى قول الإمام في الرد عليه: (الصيغة المنبئة عن العلم بالصيغة ليست هذه). يريد بذلك أنه لو اتحد المعنى، لم تختلف دلالة الألفاظ. والمفهوم
[ ١ / ٥٩٠ ]
من قول الإمام: قم، ليس هو المفهوم من قوله: صيغة (قاف) و(ميم) محذوفة العين، منقولة من (قوم) إلى (قوم)، لسكون آخر الفعل، فيحذف العين ويرد الفعل إلى بناء آخر. هذا طريق معرفة الصيغة، وليس مدلول (قم) هذا قطعا. وكلامه في هذا حسن جدا.
قال الإمام: (ثم أثبت المعتزلة النظر طلبا زائدا على الإرادة) إلى قوله (ونحن نذكر بعد ذلك القول في حقيقة الأمر). قال الشيخ: قصد الإمام بهذا أنهم أثبتوا الطلب الذي هو النظر، والنظر هو الفكر، وأنكروا فكر النفس، [فكأنه] نسبهم إلى [إثبات] شيء وجحد ما يضاهيه في الوضوح والقيام به. بل يظهر من كلامه أن الفكر الذي هو كلام النفس أجلى من النظر، إذ يتأتى للإنسان أن يبقى مدة هو غافل لا يتظر في دليل، ولا يتصور أن يكون عريا
[ ١ / ٥٩١ ]
من كلام النفس. ولهذا قال: وجدان المرء [جولان] الفكر الذي هو كلام النفس من قبيل الضروريات.
وما ذكره ثانيا من (أن كل أمر جرى عليه كلام النفس، فالإنسان يخبر عنه بأنه يخبر عن كونه عالما بكيفية نظم الصيغة). هذا معنى كلامه.
وقوله: (إن العلم الحق لا يدركه الإنسان من نفسه إدراكه آلامه ولذاته). كلام مشكل، إن أراد أن العلم لا يعلم، فذلك محال، وقد بينا استحالته. وإن أراد أن إدراك الآلام [واللذات] يستمر، والعلم النظري لا يستمر، فهذا صحيح. ولكن العلم الضروري يضاهي الآلام واللذات، باعتبار
[ ١ / ٥٩٢ ]
الاستمرار وامتناع الغفلة. وإن أراد أن مدرك الآلام يتألم، والعالم ليس كذلك، ولكن لا يحصل منه مقصوده. وغرضه بهذا أن الإرادة كالعلم، وكلام (١٢/ب) النفس كالآلام، ليثبت التعدد والتغاير. وجنح في هذا الاستدلال
[ ١ / ٥٩٣ ]