الإمام [ههنا]. وإذا كان هذا هو المراد، فلا يصح أن يكون الكلام مادة لأدلة الأحكام، فإنه قد فسر الكلام بأنه (معرفة العالم) إلى آخره. ولا يصح أن تكون هذه المعرفة مادة لأنفس هذه الأدلة، لصحة ثبوت الكتاب والسنة والإجماع في أنفسها، وإن لم يحصل [إلباس] بعلم الكلام. وكذلك العربية، كيف تكون مادة، والمادة زيادة متصلة، والكتاب والسنة من جملة العربية؟ والفقه أيضا لا يصح أن يكون مادة للأصول، إذ العلم بالأحكام إنما يتلقى منها.
فلابد من تأويل في اللفظ. فالمراد: أن العلم بهذه الأدلة لا يحصل دون تقديم هذه المواد، على ما سنبين وجه ذلك.
ثم قال: (فالكلام نعني به معرفة العالم، وأقسامه، [وحقيقته]،
[ ١ / ٢٥٦ ]
[وحدثه]، والعلم بمحدثه، وما يجب له من الصفات، وما يستحيل عليه، وما يجوز في [حقه] والعلم بالنبوات، وتمييزها بالمعجزات عن دعاوى (٥/أ) المبطلين، وأحكام النبوات، والقول فيما يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). الفصل واضح، وفيه العلم بما يجب له من الصفات. يعني بالواجب [ههنا]: ما لو قدر عدمه لزم منه محال. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الواجب، واختلاف معانيه.
وصفاته ﷾ لا جائز فيها، إذ الجائز لا وجود له بنفسه، وهو مفتقر إلى من يوجده، فتحقق فيه حقيقة الحدث. والقديم سبحانه يستحيل أن
[ ١ / ٢٥٧ ]
يكون محلا للحوادث، إذ لو قامت به لم يخل عنها، وما لا يعرى عن الحوادث حادث. ويستحيل عليه كل ما [يناقض] وصف القدم. وجميع أفعاله مما يجوز في حكمه، فلا تجب ولا تستحيل، ومن ذلك جواز بعثة الأنبياء وتأييدهم بالمعجزات. فإن ذلك يدرك من علم الكلام.
وقوله: ([فيما] يجوز ويمتنع من كليات الشرائع). يمكن أن يريد به ما يتعلق بالتحسن والتقبيح، ونفي الواجبات عقلا، وما يتعلق بجواز نسخ الأحكام، وجواز تكليف المحال.
وقوله: (ولا يندرج المطلوب من الكلام تحت حد). يعني بذلك المطلوب: الحد النفسي والرسمي دون اللفظي. فإن هذا الفن قد اشتمل على ذكر القديم والحادث، والصفة والموصوف، والنفي والإثبات، والعلم والاعتقاد، والبرهان والشبهة. وهذه الأمور لا يتصور أن تدخل تحت حقيقة.
[ ١ / ٢٥٨ ]
جنس، ولا خاصة نوع، ولا يتصور أيضا أن تشترك في لوازم جامعة مانعة، لتنافيها وتنافي كثير منها، وتضاد بعضها. وأما الحد اللفظي، فلا يمتنع، إذ هو يرجع إلى تبديل الأسامي، وتعدد الألفاظ، كعلم الكلام، وأصول الدين، وقواعد العقائد، وغير ذلك من الألفاظ. وسيأتي الكلام على بقية الفصل، إن شاء الله تعالى.
وأما المادة الثانية: وهي العربية، والعربية في العرف: عبارة عن معرفة النطق بالكلمات العربية، وإن لم يدر مدلولاتها. وهذا وإن كان يحتاج إليه، إلا أن الحاجة إليه قليلة، والحاجة إلى معرفة مدلولات الألفاظ في اللغة أهم من ذلك.
وقد ذكره الإمام بعد ذلك فقال: ([ولن] يكون المرء على ثقة من هذا
[ ١ / ٢٥٩ ]
الطرف حتى يكون محققا [في اللغة] والعربية]. وهذا التعداد أيضا إنما هو من جهة الاستعمال، وإلا باللغة تشتمل على معرفة المدلولات وكيفية النطق. وقد تقدم الكلام أن اللغة ليست مادة للأدلة، وإنما العلم على ثقة من هذا الطرف حتى بكون متحققا، مستقلا في [اللغة] العربية).
ثم قال ﵀: (ومن مواد أصول الفقه؛ الفقه، فإنه مدلول الأصول، ولا يتصور درك الدليل دون درك المدلول). وقد بينا أيضا أن الفقه لا يصح أن يكون مادة للأدلة، إذ الفقه في غرضنا: هو العلم بالأحكام الشرعية، وذلك لا يتلقى إلا من الأدلة، فيكف يتصور أن يكون مادة لها؟ نعم، العلم بكونها أصول فقه، لا يتصور إلا إذا تصور الفقه. ويدل على ذلك أمران:
[ ١ / ٢٦٠ ]
أحدهما- بالنظر إلى صناعة العربية. والثاني- بالنظر إلى البحث العقلي. (٥/ب)
فأما الأمر الأول: فهو أن المضاف إلى معرفة إضافة حقيقية، لابد أن [يتعرف] بها، وكذلك يشترط سلبه للتعريف إن كان معرفة، لتعذر أن يتعرف الاسم من وجهين مختلفين. فإذا اشترط في صحة الإضافة التنكير، لم تتعرف إلا على تقدير المضاف إليه. فغن لم يكن المضاف إليه معرفة، لم يتعرف المضاف، إلا أن النحوي يكتفي في التعريف بكون الفقه معرفة، وإن كان لا يدري معناه، والأصولي ينقل هذا الكلام بعينه إلى المعنى، ويقول: إن لم يكن الفقه متصورا عندنا، لم ندر خصوصية الدليل المرتبط به. وأما حصول العلم بثبوت الأحكام الشرعية، فلا يثمره إلا الأدلة، فلا يصح أن يكون مادة لها.
قال: (ثم يكتفي الأصولي بأمثلة من الفقه يتمثل بها [في كليات من] أصول الفقه). أما الأمثلة، فغير محتاج إليها، وإن كان ذكرها معينا على
[ ١ / ٢٦١ ]
السلوك. ولكن لابد من تصور الأدلة في النفوس حتى تتقرر دلالتها، ومن أي جهة دلت. وإذا تصورت من جهة دلالتها، تصور مدلولها، وهذا القدر مكتفى به.
ولما حكم بأن من مواد الأصول: الفقه، افتقر إلى حد الفقه فقال: (فإن قيل: فما الفقه؟ قلنا: هو في اصطلاح علماء الشريعة: العلم بأحكام التكليف). اعلم أن الفقه في اللغة: هو العلم مطلقا. يقال: فقهت الشيء وعلمته بمعنى واحد. قال الله تعالى: ﴿فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا﴾. وقال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾. فسمى ذلك علما، ولكن صار بعرف العلماء- علم الشريعة- مخصوصا بعلم الأحكام الشرعية، حتى لا يطلق بحكم العادة اسم [الفقيه] على متكلم ونحوي ومفسر.
وأما قول الإمام: (إنه العلم بأحكام التكليف)، فليس ذلك وضع
[ ١ / ٢٦٢ ]
اللغة، ولا عرف الاستعمال. أما وضع اللغة، فقد بينا عمومه، وأما عرف الاستعمال، فلا يوافقه هذا من وجهين مختلفين:
أحدهما: أن الإباحة ليست من التكليف عند المحقيين، ولا الندب والكراهة عند الإمام. والعلم بها من الفقه، فلم يجمع الحد.
الثاني أن إضافة الإحكام إلى التكليف، ليست من قبيل إضافة الشيء إلى غيره، كغلام زيد، ولا من إضافة النوع إلى جنسه، كباب ساج، بل إضافة الجنس إلى نوعه، وليس ذلك بمعروف عند أهل اللغة، إلا أن يكون أطلق هذا على رأي الأستاذ الذي عد الإباحة من التكليف، فيكون لهذا وجه، والإمام ينكر هذا أشد الإنكار
[ ١ / ٢٦٣ ]