وأما الوجه الثاني الذي عينه وهو: (١٨/ب) أن المكلف إذا مات، ولم يكن امتثل، لقي الله عاصيا. فقد اقتصر على الدعوى من غير برهان. ولكن طريق التقريب أن نقول: إذا قال السيد لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا الثوب في أول النهار أو آخره أو وسطهن فلا يخلو: إما أن يقال: إنه لم يوجب شيئا أصلا، وهو باطل، لأنه صرح بالإيجاب، أو يقال: أوجب مضيقا، وهو باطل، لأنه صرح [بالتوسيع]، فلم يبق إلا أن يقال: أوجب موسعا. ونحن نجد هذا من أنفسنا، فيطلب الطالب من غيره تحصيل أمر في يومه، ولا يرتبط غرضه بساعة من ساعاته، بل [متى] حصل [العمل] في ذلك اليوم، حصل المقصود. هذا مما لا شك فيه.
ويدل [عليه] أيضا الإجماع على وجوب الصلاة في أول الوقت، وأنه
[ ١ / ٦٤٩ ]
[مهما] فعل، كان ممتثلا مؤديا فرض الله، كما نواه [وأداه]، ولا تضييق. هذا ما درج عليه الأولون قطعا.
فإن قيل: ليس حكم العمل بالإضافة إلى آخر الوقت وأوله حكم واحد، بل الفعل في أول الوقت- إن أوقع- كان مندوبا إليه، إذ المندوب: ما
[ ١ / ٦٥٠ ]
يكون فعله خيرا من تركه، بالإضافة إلى مقصود الطالب، من غير ذم يلحق بالترك. والصلاة مثلا في أول الوقت كذلك، وإن أضيف إلى آخر الوقت، كانت واجبة. إذ يلحق الذم [تاركها] الآن. فهما فعلان في وقتين يختلف حكمهما، باختلاف الإضافة إلى الأوقات، كما يختلف حكم الصوم بالإضافة إلى الأزمنة، كصوم رمضان ويوم العيد.
فنقول: التحقيق في ذلك أن نبين الحقائق، ثم نجعل الألفاظ تابعة لها. فإن حق الأمور المختلفة، أن تختلف العبارات الدالة عليها، فهو أبعد عن الإيهام، وأجلب للأفهام. فنقوم: الفعل المطلوب قد يلحق الذم بتركه عند أول الخطاب وإمكان الامتثال، وهو الواجب المضيق. ومعنى التضييق فيه: أن المكلف لم يجعل له فسحة في التأخير من زمان إلى زمان آخر. وفعل مطلوب يلحق الذم بتركه، بالإضافة إلى مجموع الوقت، [ولا] يلحق بالإضافة إلى إخلاء بعض الأوقات. وما جاز تركه مطلقان يخالف ما لا يجوز
[ ١ / ٦٥١ ]
تأخيره، وما يجوز تأخيره دون تركه، أو الواجب الموسع.
والعبارة الثاية أولى من وجهين: لأن الندب مع امتناع الترك، متناقض بالإضافة إلى [عرفهم]. والوجوب: [التحتيم] في تحصيل الفعل، دون التعرض لأزمنة الإيقاع. والإجماع أيضا منعقد على كون الصلاة واجبة عند دخول الوقت، (١٩/أ) وإن لم تجب المبادرة، والتضييق منتف. ويحقق ذلك أن المصلي في أول الوقت ينوي فرض الصلاة، ويثاب ثواب الفرض لا ثواب النفل. فقد تبين تعدد الأقسام عقلا وشرعا، نية ولفظا. (٥٠/ب)
وقوله: (والمختار تعيين قسم من الأقسام التي [ذكروها]، وهو التعصية إذا مات ولم يفعل). والكلام ههنا مفروض في الواجب الذي ضبط آخر وقته بغير العمر. واقتصر الإمام في هذا المكان على الدعوى من غير برهان ولم يزد على قوله: (ولا [مبالاة] بقول من يقول من الفقهاء: إنه مات غير
[ ١ / ٦٥٢ ]
عاص). وما ذكره القوم من امتناع إيهام الشرط، لم يدل على الجواز، بل قال: (فإن هذا النوع من الجهالة محتمل على الجملة). اقتصر في جميع هذه الأطراف على الدعاوى من غير برهان.
أما الأول، [فإنه] يقول: إذا مات في أثناء الوقت بحيث يبقى عليه من الوقت المختار ما يسع الفعل، فإنه لا يموت عاصيا بترك الصلاة، وإن كان عازما على أن لا يصلي، فإنه يأثم، لا لأجل إضاعة الواجب، بل لمجرد العزم على المخالفة. حتى لو عزم على ذلك قبل دخول الوقت وتاب، كان عاصيا لعزمه، وإن كان لا يتأتى منه إيقاع الفعل المطلوب قبل دخول وقته، [فمعصية] ترك العزم غير معصية ترك الفعل.
والذي يدل على ذلك: أنا نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يعصون من مات فجأة بعد مضي مقدار ركعتين بعد الفجر، أو أربع ركعات بعد الزوال، وكانوا لا ينسبونه إلى التفريط. بل كيف يعصي وقد جوز له
[ ١ / ٦٥٣ ]
التأخير؟ ولما بين الرسول ﷺ الأوقات قال: (الوقت بين هذين). في معرض التعليم. وهذا وقت الحاجة إلى البيان. فلو كان يتطرق إلى المؤخِر عصيان، لبينه عندما سأله، لإزالة الإشكال.
وأما قوله ثانيا: (فإن هذا النوع من الجهالة محتمل). فغير صحيح، فإن الشروط إنما هي أعلام منبهة للمشروطات، وشروط الساعة: أعلامها، وسمي الشرط شرطا لإعلامه نفسه بلباس يعرف به، فكيف يصح أن يكون الشرط الذي علق الشرط الحكم عليه لا يتصور للمكلف معرفته؟ وقد تقدم كلامه أنه لا يشترط في الوجوب علم المكلف به، بل يشترط تمكنه من العلم. وكما يشترط التمكن من العلم باعتبار الوجوب، فكذلك يشترط باعتبار التحريم والجواز جميعا. وهذا حكم لا يتصور علمه بحال، فيكون محالا عقلا عند قوم، وشرعا عند آخرين.
[ ١ / ٦٥٤ ]
وقوله: (وإنما الذي يستحيل جهالة تمنع فهم الخطاب، أو إمكان امتثال). راجع إلى قوله: (يكلف المتمكن، ويقع التكليف بالممكن). ولكننا نقول: هذه الجهالة تمنع فهم الخطاب، فإنه لا يدري، هل خوطب بجواز التأخير أو تحريمه؟ ولكنا نقول: تحقق الوجوب (١٩/ب) باعتبار الطلب. فإذا قيل: هل جاز التأخير أم لا؟ قلنا: لم يتعرض له الدليل، لا مطلقا ولا مشروطا. فإن قيل: إذا تحقق الوجوب ومات ولم يفعل، فقد ترك الواجب،
[ ١ / ٦٥٥ ]
فيكون مذموما، فإن حد الواجب: هو الذي يذم تاركه بوجه ما. وهذا الحد ليس باعتبار المعقول، لأنا قد بينا أن كون الفعل واجبا، إنما كان كذلك، لتعلق الإيجاب به. والإيجاب: قول في النفس يباين الندب. ولكن هذا أمر يكون لتعريف خصوصية الطلب.
وقد بينا صحة ما قال القاضي من أن الله تعالى لو أوجب شيئا لوجب، وإن لم يتوعد (٥١/أ) بعقاب على تركه. والمقصود إثبات مزيد معرفة، لفصل الواجب [عن] المندوب، ولحوق الذم بترك المطلوب، يميز بين القسمين، ونعني بقولنا: (بوجه ما)، أن تارك الصلاة حتى يخرج وقتها
[ ١ / ٦٥٦ ]
مذموم. فلحوق الذم في هذه الحالة، يبين أنها ليست من قبيل المندوبات، فيعقل الوجوب بالنظر إلى الطلب الجازم شرعا، ويتحقق كون الفعل واجبا في أول الوقت بدليل الإجماع، بالنظر إلى نية الوجوب، وحصول الامتثال، ويلحق الذم مخلي الوقت بكماله عن العمل، ويسقط الذم عن الميت في وسط الوقت، بناء على أن ما بقي منه يسمع الفعل، موافقة لأهل الإجماع. والتمييز بين الوجوب والندب قد حصل. وهذا كلام في غاية الحسن.
وقد لاحظ مالك ﵁ [هذا] الأصل في الصلوات والأيمان. فأما الصلوات، فإن المرأة الطاهر إذا لم تصل في أول الوقت، وأصابها الحيض، وقد بقي ما يسع الصلاة، ولم تطهر حتى خرج وقت الصلاة، فإنه لا قضاء عليها. لأن الحيض أصابها في وقت الأداء، فنافى الوجوب، فتصير بمثابة ما إذا أصابها الحيض من أول الوقت.
[ ١ / ٦٥٧ ]
والشافعي أوجب القضاء، وكأنه نظر إلى أنها جاز [لها] التأخير، لتفعل فيما بعد. ومالك [﵁] لم ير هذا شرطا، لحصول الإبهام فيه، وخروجه عن حقيقة الشرط، فإنه غير صالح لتعريف المشروط. وكذلك [قال] فيمن أخر قضاء رمضان مع التمكن منه، فإنه عندنا يوسع له في القضاء إلى شعبان، لقول عائشة ﵂: (كان يكون علي قضاء رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، يمنعني الشغل برسول الله ﷺ). فلو كان القضاء على الفور، لما أخرته. ولو كان يتسع أكثر، لما استمر على القضاء فيه، وأمكن في بعض الأوقات أن يؤخر عنه. فلو أخر القضاء إلى شعبان، واتفق عذر يمنعه من القضاء فيه، لم تكن عليه فدية المؤخر، حتى يدخل رمضان، لأنه أخره إلى بعض الوقت المتسع.
[ ١ / ٦٥٨ ]
وكذلك قال ﵀ في الحالف ليفعلن: فإن لم يضرب أجلا، (٢٠/أ) فهو على حنث، كما نقول في الأمر المطلق. وإن ضرب أجلا، كان على بر حتى يحل الأجل، ويصير كالأمر إذا ضبط له وقت، ولم يأت آخر وقته. وفائدة كونه على بر أو حنث، فيما يتعلق بوطء الزوجة أو الأمة المحلوف بعتقها.
وقوله: (فأما تكليف المرء شيئا، مع تقدير عمر مهلة وفسحة، إن امتثله فاز بالأجر، وإن أخلى العمر منه، تعرض للمعصية). كلام صحيح، وهو ربط الطلب بالفعل، مع قطع النظر عن زمان مخصص.
قال الإمام: (ومما تمسك به هؤلاء، وهو قريب المأخذ مما سبق) إلى قوله (لا يتأتى للقوم التعلق به، لإثباتهم واجبا مقيدا بجواز التأخير). قال
[ ١ / ٦٥٩ ]
الشيخ: هذا السؤال مشكل، لأن الوجوب يضاد الجواز. وإذا كان كذلك، فكيف يصح أن يقال: الفعل واجب، والترك جائز؟ ومعقول الجواز يقتضي التخيير بين الأمرين، ولا يعقل الجواز باعتبار جهة واحدة. فإذا قلنا بجواز الترك، فقد خيرناه بين الفعل والترك، مع ترجيحنا الفعل على الترك، فهذا متناقض. وقد أجيب عن هذا، فقيل: الذي يتناقض وجوب الفعل جواز الترك. وأما جواز التأخير، فلا يناقض. قالوا: والتأخير ليس هو الترك. واعترض عليه: بأن التأخير ترك على (٥١/ب) الحقيقة، فإن الترك: هو التلبس بضد الفعل، فيكون بذلك تاركا للضد الآخر. فإذا لم يحتم الإقدام، فقد جوز الترك في ذلك الزمان. ويؤكد هذا الإلزام أن يقال: هل الفعل واجب أول وقت الفهم والإمكان أم لا؟ فإن كان واجبا فيه، فقد [جو إخلاؤه] عنه، فهو مناقض. وإلى هذا المعنى يرجع الإشكال، وإن اختلفت الصيغ في الإلزام. والنقض عليهم- إن سلموه- لازم، وإن منعوه، أثبت بالبراهين السابقة.
[ ١ / ٦٦٠ ]
قال الإمام: (ولكن الإشكال قائم في النفس في الصور المتفق عليها) إلى قوله (ولا ينبغي أن يظن بهذا الرجل العظيم غير هذا. غير أنا لا نرى ذلك رأيا). قال الشيخ: اقتصر الإمام على ذكر مذهب القاضي، واشتغل بالرد عليه. [وكثيرا] ما يفعل هذا في هذا الكتاب. وهو تقصير كثير، من أعظم الإعانة على تعقب المذاهب ببيان مستنداتها. ومستند القاضي [والرد]
[ ١ / ٦٦١ ]
عليه، [من حيث] الجملة، أمور حصرته إلى هذا القول:
أحدها- ما استقر عنده من حد الواجب: أنه الذي يذم تاركه. وتقرر عنده أن التأخير ترك من جهة العقل، واستقر عنده بالإجماع وجوب الصلاة في أول الوقت، وتقرر أيضا بالإجماع أن المؤخر عند العزم غير مذموم. فتقرر بهذا أن الواجب ليس متحدا، إذ لو اتحد الواجب وترك، لم يكن من الذم، فتقدر واجبا ليس متحدا، إذ لو اتحد الواجب وترك، لم يكن بد من الذم، فقدر واجبا آخر. فإذا قيل له: فما الذي يدل على أن المقدر العزم؟ استدل (٢٠/ب) على ذلك: بأنه [[إن فعل الفعل]، لم يجب العزم].
وإن فعل العزم، لم يجب الفعل. فهذا الذي دل على تعيينه دون غيره. فإنه لو فعل كل واجب دون الصلاة، ولم يعزم على فعلها، لم يكن ذلك مسقطا عنه إثم
[ ١ / ٦٦٢ ]
الترك. هذا تقرير كلامه.
وقول الإمام: (وهذا خروج عظيم من مسلك التحقيق) إلى تمامه. والتشنيع عليه بأنه توقف في أصل الصيغة، من حيث لم يسنح له دليل على التعيين. فكيف أثبت وجوب العزم من غير أن تتعرض الصيغة له بحال؟ وهذا كلام ضعيف، فإن القاضي لم يثبت العزم تلقيا من الصيغة المتقاصرة عليه، بل يقطع القاضي بأن اللفظ لا يصلح لإيجاب العزم، وإنما يتلقى وجوب العزم من الطريق الذي قررناه. بل في الصيغة احتمال [الوجوب والندب،
[ ١ / ٦٦٣ ]
وأما وجوب العزم فلا تحتمله بحال. والعجب من الإمام كيف وجه هذا الإلزام]؟ وكيف غفل عن هذا المستند؟
فإن قيل: أنتم قد منعتم أن يتلقى حكم شرعي من العقول، واعترفتم بتقاعد الصيغة عن الدلالة على وجوب العزم، ثم قضيتم بأنه واجب، وهذا تصريح يتلقى الأحكام من العقل. قلنا: نحن ننبه ههنا على دقيقة يتكرر الاحتياج إليها في الكتاب.
أعلم أن الذي منعناه: أن تستقل العقول بالأحكام، غير مفتقرة إلى ورود الشرائع، فأما إذا وردت الشرائع، ودلت الأدلة على طلب، وكان لا يتمكن تحصيله إلا بتعاطي غيره، والانكفاف عنه، فإنه قد ثبت وجوب الوسيلة أو تحريم المانع، فلا تكون العقول مستقلة بأصل الحكم، دون ورود الشرع، ولكن لما طلب أحد الأمرين، تلقينا منه الآخر. (٥٢/أ)
[ ١ / ٦٦٤ ]
وقول الإمام: (وفيما صار إليه خصلة أخرى عظيمة الموقع). وهو أنه يلزم منه المصير إلى أن الصلاة ليست واجبة تعينا، وإنما تكون أحد الواجبين لا بعينه. فقد صرح القاضي بذلك، وقال: إنها كواجب المخير، بالإضافة إلى أول الزمان وإلى آخره أيضا، ولم يناقض أصله في الواجب المخير.
وقوله: (ثم إنما كان يستقيم ما ذكره، لو ساعده حملة الشريعة) إلى آخره، (وقد أجمع حملة الشريعة على أنه لو أضرب عن العزم، واتفق منه الفعل، فليس من العلماء من يعصيه). هذا الكلام ليس ببين، فيقال له: ما
[ ١ / ٦٦٥ ]
معنى قولك: لو أضرب عن العزم: أمع الذكر، أو مع النسيان؟ فإن قال: مع النسيان، فصحيح. وسببه أن الناسي غير مكلف. وإن قال مع الذكر، فغير صحيح، لأنه [لا] يضرب عن العزم على القيام بالواجب، إلا إذا تلبس بضده، وهو العزم على الترك، أو التردد في المعصية، وكلاهما حرام. هذا تقرير [دليل] الفريقين.
ولكنا نقول: ما ذكره القاضي غير صحيح عندنا. وإنما ألجأه إلى هذا المجال الضيق، ما اعتقده من أن الواجب: هو الذي يذم تاركه مطلقا. على ما
[ ١ / ٦٦٦ ]
قررناه: ونحن إذا رددنا (ما يذم تاركه بوجه ما)، وفسرناه على حسب ما ذكرناه، (٢١/أ) تحقق الوجوب، ولم يفتقر إلى عزم يكون بدلا عن الفعل.
[ثم ما ذكره متناقض في نفسه، فإنا نقول له: هل العزم عندك بدل من الفعل الواجب، بحيث إذا فعل العزم، سقط وجوب الفعل؟ أو يبقى الفعل على وجوبه، ويكون العزم بدلا عن المبادرة؟ فإن اختار القسم الأول، وهو الذي صرح به، فيقال له: إذا كان العزم بدلا عن الفعل الواجب]، فإن عزم على الفعل الواجب، سقط وجوب الفعل، ويستحيل بقاء العزم واجبا على [فعلٍ] نفي وجوبه. هذا متناقض لا شك فيه. وإن قال: ليس العزم بدلا عن الفعل، بل عن المبادرة، فقد رجع إلى [ما] منه فر. فإنه على هذا التقدير، قد عقل الوجوب، من غير مبادرة إلى الإيقاع، فلا حاجة مع عقلية هذا، إلى إثبات العزم بدلا على حال. ثم نقول: وجوب العزم على الطاعة الواجبة، [وترك] المحرمات، ليس بدلا في الشرع على حال، ولذلك يجب في
[ ١ / ٦٦٧ ]
الواجبات التي لم تدخل أوقاتها، ولم يمكن في الحال فعلها، وإنما يرجع ذلك إلى اعتقاد الشريعة وتصديق موردها. فلا وجه لقوله على حال.
قال الإمام: (فإن قيل: فما وجه الجواب عن السؤال) إلى قوله (فيؤول الأمر إلى الترهيب والخوف. وليس بعد هذا البيان بيان، وهذا نجاز الطريقة). قال الشيخ [أيده الله]: ما ذكره الإمام عن الشافعي، من كون الصلاة تجب في أول الوقت. كلام صحيح، ومصيره إلى أنه لا يأثم إذا مات في أثناء الوقت كلام المحققين. وقد [نقلنا] إجماع المتقدمين، واستدللنا على ذلك ببراءة الذمة وتحقيق النية. ومن تحقق أن الفعل لم يجب في الحال، كيف يتصور أن يقصد إلى إيقاعه واجبا؟ ولو كان كذلك، لم يكن بد
[ ١ / ٦٦٨ ]
من نية التقديم، كما في الزكاة، فإنه لو أخرج المال قبل حلول (٥٢/ب) [الحول]، ولم يقصد أنه قدم ما سيجب عليهن لم يكن كذلك مجزئا له. ونحن على بصيرة أنه ما نوى أحد من السلف في الصلاة في أول الوقت إلا ما نواه في آخره، ولم يفرقوا أصلا، وهو مقطوع به.
[وأما] كون الإمام بنى انتفاء الوجوب على سقوط الإثم، [فجنوح] إلى ما ذهب إليه القاضي، من أنه في ترك الواجب من الذم، ولكنه يفارقه من وجه آخر، وهو أن القاضي لا يفرق بين الترك والتأخير، [والتأخير] [ترك] على الحقيقة، وهما جمعا- إذا كان المكلف [متمكنا] منهما- ناقص ذلك الوجوب. والإمام يرى أن التأخير المسوغ غير مناقص، فصح عنده أن يجب الفعل، وإن لم تجب المبادرة إليه.
[ ١ / ٦٦٩ ]
والمذهب الثالث: وهو الذي اخترناه، أن مطلق الترك مع سقوط الذم عن فاعله، لا يناقض الوجوب في الشرع، إلا إذا انقضى الوقت بكماله، والمكلف متمكن من إدامة [ما كلف] به. ولم يذمه الشرع على تركه. فهذا يمنع تحقيق الوجوب فيه، بالنظر إلى المشروع دون المعقول.
وأما تعجيل الزكاة قبل حلول [الحول]، فمختلف فيه بين العلماء، فذهب ذاهبون إلى منعه مطلقا، وذهب ذاهبون إلى تجويزه مطلقا، بعد ملك النصاب. وذهب ذاهبون إلى جواز التقديم، إذا بقي [زمان قليل، والمنع إذا بقي] كثير من الزمان.
وسبب هذا التردد: دوران المسألة بين قضاء الديون (٢١/ب) ومحض العبادات. فالالتفات إلى مضاهاة الديون يصحح التقديم، والالتفات إلى محض العبادات، بدليل اشتراط النيات، يوجب الاقتران أن يتصرم الحول. وهذا هو أحد قولي مالك ﵁.
[ ١ / ٦٧٠ ]
فالالتفات إلى دوران المسألة بين [الأصلين]، وأخذ شبهين من الطرفين، رجح بعض شائبة الدين عن قرب الحول. وهذا هو اختيار ابن القاسم وروايته عن مالك. وقد فعل ذلك عبد الله بن عمر (فكان يخرج فطرة رمضان قبل يوم العيد باليوم واليومين). وليس [من] الإنصاف إلزام مسألة مقطوع بها، وهي إجزاء الصلاة في أول الوقت، على مسألة الزكاة المختلف فيها. فالصحيح وقوع الصلاة واجبة مجزئة، وسقوط الذم عن المؤخر إلى وسط الوقت. وإن اتفق عذر يمنعه الإيقاع، لم يكن عاصيا على حال.
وقوله: (وسبيل مكالمة أصحاب أبي حنيفة، إن استنكروا الوجوب على
[ ١ / ٦٧١ ]
حكم الجواز التأخير، كسبيل مكالمة أصحاب الفور في الطريقة الأولى). يرجع إلى ما قررناه من أن التسويغ لا يمنع الوجوب.
وقوله: (وإن تفطنوا لنفي المأثم في الصلاة، وسلم لهم ذلك، لم يبق لادعاء الوجوب معنى). لأنه يرى أن الترك من غير خوف ذم يمنع الوجوب.
وقوله قبل هذا: (فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف [ما استبعدوه قطعا]. لا يصح إذا كانت (ما) بمعنى الذي، فإنه يكون تقدير الكلام: فإن الذي ذكرناه إظهار منا لخلاف] استبعادهم، أي اخترنا ما استبعدوه. وهذا الذي أراده. والعلم عند الله تعالى.
وقوله: (فإن أصر مصر على المخالفة، لم ينتظم له ذلك، إلا من تأثيم من يموت في أثناء الوقت، وقد ذهب شرذمة إلى ذلك من الأصحاب). هذا
[ ١ / ٦٧٢ ]
ما قررناه عنه من أن جواز التأخير، لا ينافي الوجوب (٥٣/أ) دون جواز الترك.
وأما قوله: (وأما الأمر المسترسل على العمر، فالذي أراه أن من أخره، فلا يقطع القول فيه بنفي الإثم عنه، ولا يطلق ذلك إلا مشروطا). فالأمر على ما ذكرناه عند من يرى الفور.
وقوله: (والذي يكشف الغطاء في ذلك، أن الواجب المضيق المحقق، لا
[ ١ / ٦٧٣ ]
ينفصل عما ليس بوقوع العقاب [بالتارك لا محالة] إلى آخر. تخيل توجه اعتراض وهو: كيف يتحقق الوجوب مع كونه لا يؤثم بالتأخير؟ فقال: تحقق الوجوب بأنه خائف من الانحراف، فيفوت الفعل، فإن الواجب على التضييق، لا يتحقق العقاب فيه. فأين هذا من قوله: لا يعقل وجوب من غير وعيد؟ فقد رجع إلى ما أنكره على القاضي فيما تقدم.
تنبيه على أصل: وهو أن الأوامر المطلقة إذا لم يصر إلى أنها على الفور، وجوز فيها التأخير، فالمجوزون افترقوا ثلاث فرق:
فذهب فرقة إلى أن التأخير مشروط بشرط سلامة العاقبة، والفعل فيما بعد. وهذا الذي فسره الإمام ههنا: (إن مات ولم يحج، انبسطت المعصية على جميع سني الإمكان).
وطائفة ذهبت إلى أن الوجوب متعلق بالفعل من غير نظر إلى زمان. وهذا (٢٢/أ) هو الذي نختاره. وإذا مات في هذه الصورة بعد الإمكان، تحققت المعصية، لا باعتبار التأخير، بل من جهة ترك الواجب. والقاضي
[ ١ / ٦٧٤ ]
إنما يجوز له التأخير بشرط العزم على الفعل. على حسب ما تقدم. وإنما يصح العزم إذا أخر إلى أمد يغلب على ظنه البقاء إليه، كتأخير الصلاة من وقت إلى وقت، وتأخير الصوم من يوم إلى يوم.
وأما تأخير الحج من سنة إلى سنة، فهل ذلك مما يغلب على الظن؟ قال أبوحنيفة: لا يغلب على الظن. وكذلك أيضا يقول القاضي في الواجب الذي انضبط إلى آخر وقته، لا يجوز التأخير إلا بشرط العزم. ولا يتصور العزم على الفعل مع التأخير، إلا إذا أخر إلى أمد لا يغلب على ظن الهلاك إليه. فلو ظن أنه يموت في وسط الوقت، لم يجز له التأخير- على هذا الرأي- ويكون [عاصيا] بذلك.
[ ١ / ٦٧٥ ]
فلو أخر ثم لم يمت، فإذا وقع الفعل، فهل يكون الفعل قضاء؟ [وإنما] قال القاضي: يكون قضاء، لأنه يقيد الوقت في حقه بغلبة ظنه، فيكون هذا كل الوقت في حقه، وإن كان بعض الوقت في حق غيره. وكذلك يلزم عليه إذا غلب على ظنه أنه يموت قبل سنة أخرى، ووجب عليه الفور، فلم يفعل، ولم يمت، ووفق للعمل، فالذي يقتضيه قول القاضي أنه قضاء، وكذلك يقول في كل واجب تعين البدار إليه، ثم فعل، فيجيء على أصل القاضي أنه قضاء. والرأي الحق عندنا أنه أداء.
ولننبه هنا دقيقة، وهي أن كل فعل يتلقى وجوبه من الدليل الأول، من غير حاجة إلى دليل جديد، ويقع الفعل موافقا لذلك الطلب، فهو أداء. وكل فعل افتقر المكلف في إيقاعه طاعة إلى خطاب جديد، تداركا لفوات متعلق الطلب الأول، فهو قضاء. فعلى هذا من غلب على ظنه أنه يموت قبل
[ ١ / ٦٧٦ ]
(٥٣/ب) عام آخر جديد، ولم يحج عصى، من جهة عزمه على ترك الواجب. فإذا لم يمت، فهو مطالب بالحج بخطاب الله تعالى: ﴿والله على الناس حج البيت﴾، فلا يكون قاضيا بحال.
قال الإمام: (ومما تمسك به أصحاب الفور، النهي على النسق [المتقدم] في مسألة التكرار) إلى قوله (وشرطنا قبض الكلام بعد الوضوح، وإعداد جمام التقرير للمشكلات. فهذا منتهى مسلك أصحاب الفور). قال الشيخ: قوله واضح كله، غير مفتقر إلى زيادة إلا وجها واحدا، وهو قوله: (فالنهي بالاتفاق يقتضي الاستغراق). ليس هذا قول جميع الأصوليين. وقد خالف في ذلك بعض الناس، وقال: النهي أيضا الانكفاف مطلقا. ولو قال له: لا تفعل كذا. حسن أن يقول: انتهائي أبدا أم مرة واحدة؟ ولكن
[ ١ / ٦٧٧ ]
الصحيح أن النهي المطلق يقتضي (٢٢/ب) الاستغراق.
وقد أشار إليه الإمام فيما سبق، ولكنه لم يستوعب الكلام عليه. إلا أنه قال: ([والقول] الكافي فيه أن الإثبات يختص بثابت، والنفي لا اختصاص له، [فكان] الجنس كالشخص في حقه). ولنبسط القول فيه ههنا بعض البسط، فنقول: قد اختلف الناس في معنى قول القائل: لا تقم. فذهب كثير من الناس إلى أن معناه: لا يوجد منك قيام. فـ (لا) حرف نفي، فإن دخلت على اسم منكر، كانت نفيا، وإن دخلت على فعلن سميت حرف نهي. والمراد: نفي المصدر بواسطة إشعار الفعل به. فيكون التقدير: لا يوجد منك قيام.
[ ١ / ٦٧٨ ]
وهو لو قال ذلك، لدخل في باب النكرة المنفية بـ (لا) نحو: فلا رجل في الدار. وقد ذهب إلى هذا كثير من المعتزلة. وهو اختيار القاضي أنه يصح طلب النفي. ولعل هذا [بناه] على القول بصحة تعلق القدرة بالإعدام.
وقال قائلون: لا يصح أن يكون النفي مطلوبا لأنه يتعلق بشيء. و(لا تفعل) عدم، وليس بشيء. ولا يصح الإعدام بالقدرة. قالوا: والمنتهى بالنهي مثاب، ولا يثاب إلا على شيء.
والنظر في المسألة يتعلق بالبحث عن متعلق التكليف. والذي اختاره حذاق الأصوليين أن متعلق أفعال المكلفين.
وقد بينا أن هذا تجوز، والمراد ما يصح أن يكون فعلا، والنفي لا
[ ١ / ٦٧٩ ]