ولا يحتمل أكثر من هذا.
قال الإمام: (فصل- في حد العلم وحقيقته) إلى قوله (وهذا لا يرشد إليه
[ ١ / ٣٩٠ ]
تغاير العبارات). قال الشيخ - ﵁ -: ننبه في ابتداء هذا الكلام على أصل في الحدود، وهو أن اللفظ إذا كان نصا، فهو أحسن ما استعمل في الحدود. وكذلك إن كان ظاهرا واحتماله بعيد، فاستعماله أيضا حسن. وإن كان مشتركا وملتبسا، فلا يصح استعماله في الإفهام مجردا عن القرينة بحال.
واختلف أصحاب الحدود فيما إذا بينته القرينة المقالية، كقولنا: العلم:
[ ١ / ٣٩١ ]
الثقة بالمعلوم. فإن الثقة مشتركة بين الأمانة والعلم. ولكن ذكر المعلوم يقطع ذلك الاشتراك في المحل المخصوص، ويبين مقصود المتكلم منه. وكذلك إذا قلنا: العلم إدراك المعلوم. وقد حد به أيضا الشيخ أبو الحسن. من جهة أن الإيهام الذي فيه يزيله التقييد بالمعلوم والإضافة إليه.
وهل يكون اقتران القرينة الحالية فيما بين المتخاطبين تقوم مقام القرينة اللفظية؟ هذا أيضا متنازع فيه. وإذا رأينا أن ذلاك لا يبطل، فالمراد ههنا بالتبيين: مجرد الكشف. ويكون ذلك استعمال اللفظ في خصوص ما وضع له. نعم، إن كان لا يطلق لفظ التبيين أبدا لا حقيقة ولا مجازا، إلا على ما سبق فيه إيهام، امتنع التحديد، ولست أرى الأمر كذلك.
[ ١ / ٣٩٢ ]
وأما قول أبي الحسن: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالما. فهو ضعيف من أوجه: منها- أن إيجاب الأحكام إنما يكون على القول بإثبات الأحوال. وأما نفاة الأحوال، فلا معنى عندهم للإيجاب. ولا يرجع ذلك إلا إلى مجرد التسمية، فكأنه قال: العلم إذا قام بذات سميت عالمة. لا فائدة فيه بوجه من الوجوه. ومعرفة (٢٢/ب) المصادر عليها تترتب أسماء الفاعلين والمفعولين، إذ لا يتصور أن يفهم الضارب من لا يفهم الضرب. وأما على القول بإثبات الأحوال، فالمعنى الموجب للحكم، قد يكون أخفى من الحكم،
[ ١ / ٣٩٣ ]
فيصح بيانه به. وهذا بمثابة قولنا: الحركة ما يوجب لمن قامت به كونه متحركا. ولعل أبا الحسن إنما أتى بذلك ردا على المعتزلة، فإنهم يثبتون للقديم أحكام الصفات وينفون الصفات. فيمكن أن يكون هذا الكلام جرى منه في مكالمتهم.
وأما القسم الثاني: وهو إذا كانت الصفات واضحة جلية وأحكامها ملتبسة خفية، فلا يكون ذكر الحكم مبنيا للمعنى بحال. وهذا بمثابة كون الألوان إذا قامت بمحال، هل تحب لها أحكاما؟ وفيه نظر. فإذا قيل لنا: ما البياض؟ تعذر علينا أن نقول لمن التبس عليه البياض: هو الذي يوجب لمن قام به كونه أبيض.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وأما حد الأستاذ، فقد قصد أوجها من التقريب، ووقع في أكثر مما منه فر. وذلك أن الحدود التي ذكرناها كلها ترجع إلى الألفاظ دون الحقائق واللوازم. وقد بينا أن التبيين على التكميل في التحديد، بذكر أوصاف النفوس، ويليه في التعيين، التعريف باللوازم.
وأما تبديل العبارات المترادفةـ، فبمعزل عن البيان. ورأى صحة الإتقان والإحكام من لوازم العلم، فبينه [وبينها] ملازمة، غير أنه لم يجمع ولم يمنع.
[ ١ / ٣٩٥ ]
أما كونه غير جامع، فإن العلم المتعلق بالواجب والمستحيل، والباقي والموجود، لا يتأتى به الإحكام والإتقان. وإنما يندرج تحت ما قاله ضرب واحد من العلوم، وهو العلم المتعلق بالممكن على الخصوص.
وأما كونه غير مانع، فلأنه لا يصح الإحكام والإتقان دون القدرة، فليجب أن تكون القدرة علما؟ هذا إذا سلم أن للإحكام والإتقان أثرا محققا. وفيه نزاع عند المتكلمين. فقال طائفة: ليس إلا الإيجاد، والتخصيص يدل على الإرادة، والإرادة تدل على العلم. وسيأتي تقريره بعد هذا.
وحد المعتزلة أيضا غير جامع وغير مانع. وأما كونه غير جامع، فلتقييدهم العلم بالشيء. فإن الشيء عند القوم: هو الموجود، أو المعدوم الذي يمكن وجوده، وأما ما لا يمكن وجوده من المنفيات، فليس شيئا، فهذه علوم وليست علوما بأشياء. وأيضا فإن أبا هاشم أثبت علوما ليست متعلقة بمعلومات،
[ ١ / ٣٩٦ ]
وهذا كالعلم بأن لا شريك لله، فقد خرج هذا الضرب عن الحد.
وأما كونه غير مانع، فالعقود المصممة إذا كانت صحيحة، فإنها ليست علوما. وقد زاد بعض المتأخرين منهم زيادة أخرجت هذين الضربين، فقالوا: اعتقاد المعتقد على ما هو به، إذا وقع ضرورة أو نظرا. فقالوا: المعتقد، ليتناول الحد جميع أنواع العلم. وقالوا: إذا وقع ضرورة أو نظرا، ليخرج عقود المقلدة عن الحد. لكن يبقى مع هذا كله أمران:
أحدهما- إثبات أبي هاشم علما (٢٣/أ) لا معلوم له، إذا توجه ذلك عليه، بطل الاعتماد على ذكر المعتقد، فيجب طرحه. وإذا أسقطت هذه اللفظة بقي: (العلم: [اعتقاد])، فإذا اقتصر على ذلك، بطل بالجهل. وعن هذه الدقيقة كان مذهبه أن العلم بالشيء والجهل به مثلان. على ما سيأتي بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
والأمر الثاني: أن الاعتقاد لفظ مشترك، والعلم لا اشتراك فيه، فكأنه بين الواضح بالخفي.
[ ١ / ٣٩٧ ]
وأما قول القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو به. فهو عندي ضعيف، لأنه إن حاول بذلك بيان العلم- إن تصور افتقاره إلى بيان- فلا يصح هذا اللفظ لذلك، وإن بدل لفظا بلفظ، فيغتفر في هذا، إلا أن تكون الأسامي مترادفة، ويكون الثاني عند السائل أوضح من الأول. وليس لفظ المعرفة مرادفا للفظ العلم عند أهل اللسان. بل خص اسم العلم بما يتعلق بالجملة، واسم المعرفة بما يتعلق بالمفرد.
فإن قيل: هما مشتركان في حقيقة الكشف، وإن كثرت متعلقات أحدهما وانفرد متعلق الآخر. قلنا: غرضنا أن نبين أن هذا لا يجري على ذوق الحد اللفظي. وأيضا فإن علم الباري ﷾ لا يطلق عليه اسم المعرفة.
وقد تنازع أصحابه في قوله: المعلوم، هل هو محتاج إليه في الحد؟ فقال قائلون: لا حاجة إليه، فإنه لو قال: العلم: المعرفة، واقتصر، لكان الكلام
[ ١ / ٣٩٨ ]
كافيا. وقال قائلون: لابد من ذكر المعلوم، حذارا من أن يظن بالقاضي أنه يقول بقول أبي هاشم في تصور علم لا معلوم له. وهذا ضعيف، فإن الحاد لا يلتزم في حده أن يحترز عن أن يضاف حده إلى حدود باطلة.
ولم يتكلم أصحاب القاضي في الزيادة الأخرى، وهي قوله: على ما هو به. وهذه الزيادة أبعد من الأولى. ويمكن أن يعتذر عنها بما اعتر به عن ذكر المعلوم. فإنه أيضا لو قال: العلم معرفة المعلوم، [لأمكن] أن يقال: لفظ العلم والمعرفة والاعتقاد عند المعتزلة يجري على جنس واحد. فعلى هذا يصير كأنه قال: العلم اعتقاد المعتقد. ومتى رد الكلام إلى هذا، وجب أن يصون بقول: على ما هو به. احترازا عن الاعتقاد الفاسد.
وذكر الإمام لفظة: (وبها تميزه الذاتي عما عداه). وهذه اللفظة لا تجوز في العربية، وذلك أن النسبة ترد الكلمات إلى أصولها، وأصل (ذات)
[ ١ / ٣٩٩ ]
(ذوية). وإنما قلنا ذلك، لأنه لا يوجد اسم متمكن على أقل من ثلاثة
[ ١ / ٤٠٠ ]
أحرف. و(الهاء) ليست أصلية، وإنما هي علامة التأنيث، فتبقى الكلمة على حرفين، وهي لا تكون كذلك. فحذف منها (لامها)، وهي (ياء). [وإنما] قلنا: إن (اللام) (ياء)، لأنه لا تكون كلمة (عينها) و(لامها) (واوين) إلا قليلا جدا، كباب (فوه). فقضينا بكون (اللام) (ياء). وإنما قلنا: إن (العين) (واو) في الأصل، لظهورها في التثنية والجمع، فيقال: ذواتا، وذوات، فهي إذا (ذوي). وإنما تحركت (الواو) وانفتح ما قبلها (ألفا)، ثم خففت، فحذفت (اللام) وصارت (هاء) التأنيث كالعوض. فإذا جاء النسب، حذفت (الهاء)، لأنها زيادة متصلة بآخر الاسم، فلم (٢٣/ب) يجمع بينهما وبين (ياء) النسب.
وأيضا فغنها قد تنسب بـ (هاء) مثل [مماليه] وصياقله وصيارفه، فلما حذفت (الهاء) التي كانت كالعوض من (اللام)، رجعت (لاما)، وكان حقها أن ترجع (ياء)، إذ هو أصلها.
[ ١ / ٤٠١ ]
ولكن يلزم منه أن يقال: [ذويي]. فتكثر الياءات والكسرات، فأبدل من (الياء) (واوا)، كما في رحوي، وهو من رحيت الرحى. وهذا الموضع من العربية غلبت فيه (الواو) على (الياء)، وإن كانت (الياء) غالبة على (الواو) في غيره، لأنها أخف منها. وكذلك إذا اجتمعت هي و(الواو) وسبقت إحداهما بالسكون، فلبت (الواو) (ياء)، فيقال: [كي] من كويت، كما يقال [حي] من حييت، وإنما نسب إلى ذات ذووي، على ما تقتضيه اللغة العربية.
قال الإمام ﵀: (فإن قيل: فما المرتضى عندكم في حقيقة العلم؟) إلى قوله (وحذار مخالفة الماضين). قال الشيخ: قوله: الرأي عندنا أن
[ ١ / ٤٠٢ ]
نتوصل إلى درك حقيقة العلم بمباحثة نبتغي بها ميز مطلوبنا مما ليس منه. قد تقدم في أول الكتاب الإرشاد إلى بيان امتناع إدراك حقيقة ملتبسة بسلب أمر عنها. وحققنا أن المطلوب إنما يعرف بدرك جميع أوصافه النفسية، وحققنا ذلك أبلغ تحقيق.
والذي نريده الآن أن الذي جعله الإمام في [هذا المكان] يوصله إلى معرفة أضداد العلم، هو أيضا تبديل الألفاظ. فلئن كان تبديل لفظ العلم بالمعرفة لا يرشد إلى حقيقة العلم، فقوله: الجهل عقد يتعلق بالمعتقد على خلاف ما هو عليه، لا يكون مرشدا إلى حقيقة الجهل، إذ ليس إلا تبديل الألفاظ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
وقوله: والظن والشك ترددان بين معتقدين. أما الظن فإنه يرجع إلى ميل النفس إلى أحد الأمرين أو الأمور، فليس هو على ذوق الشك، ولا على حقيقته. وأما الشك، فقد اختلف الناس فيه، هل هو معنى أو لا؟ والصحيح أنه معنى، ويدل عليه ما يدل على جملة المعاني المستدل عليها، لتجدد أحكامها.
وقد ذهب الجبائي في أحد قوليه إلى أن الجهل عبارة عن نفس العلم. وهذا خطأ بين، وهو يفضي إلى نفي الأعراض. فيصح أن يقال- على هذا
[ ١ / ٤٠٤ ]
الرأي- إن العلم يرجع إلى نفي الجهل. وقال في [موضع] آخر: إن الشك يرجع إلى توالي اعتقادين متناقضين على العاقل، فيكون في زمن معتقدا نفيا، وفي الثاني معتقدا إثباتا، فلا ينفك في زمن من الأزمان عن الاعتقاد. وهذا القول باطل، فإن العاقل يدرك من نفسه تردده وعدم تصميمه على جهة. [ولو] صح أن يكون الشرك يرجع إلى تعاقب معنيين متناقضين على القلب، لكان الإنسان إذا اعتقد قدم العالم دهرا، ثم اعتقد حدثه أن يكون شاكا، وهو في جميع أزمنته مصمم.
وأما قوله الإمام: إنه تردد بين معتقدين. فهو لفظ متجوز به، وهو يفهم منه ما حكيناه عن أبي هاشم. والأحوط أن يجتنب في الحدود الألفاظ الموهمة، فيقال: هو تردد بني أمرين من غير ترجيح في أحدهما. (٢٤/أ)
[ ١ / ٤٠٥ ]
وهذا الموضع غامض. [فإن قيل]: هل المتعلق بالأمرين معنى واحد أو معنيان؟ فنقول: المتعلق بالأمرين معنى [واحد]، إذ لا يتصور الشك مع اتحاد المتعلق، فلابد أن يكون متعلق الشك أمرين. والذي خالفوا في تعلق العلم الحادث بمعلومين، سلموا تعلق الواحد بأمرين.
فإن قيل: إذا شك الإنسان في ثلاثة أمور، فقد تعلق شك واحد بأمرين، ولا يبقى للشك الثاني إلا متعلق واحد. قلنا: قد استحال تطرق الشك إلى أمر واحد. فنقول: على هذا يصح أن يتعلق الشك الواحد بأكثر من اثنين، فهو متردد بين الجهات الكثيرة ترددا واحدا.
وما انحصر إليه الكلام من طلب الفرق بين الاعتقاد الصحيح وبين العلم، فهو لعمري مكان غامض، [ومتاهة] مظلمة. ومنها نشأ اختلاف الأولين والآخرين في المذاهب والمعتقدات، فإن كل معتقد مصمم على أنه عالم. ومن المستحيل أن يعرف المعتقد كونه معتقدا، سواء كان اعتقاده موافقا للمعتقد أو مخالفا، فإنه إنما يدري أن الحاصل ليس يعلم بتجويزه النقيض. وعند تجويزه النقيض يبطل الاعتقاد.
[ ١ / ٤٠٦ ]
والبحث عن الأسباب المرشدة للفرق بين الاعتقاد والعلم مهم جدا. وقد سلك الإمام في ذلك طرقا:
أحدها- أنه قال: لا يخفى الفرق بين العلم والجهل. والمماثل للمخالف مخالف. هذا مقصوده في قوله: إن الاعتقاد يماثل الجهل، والجهل مخالف للعلم. وصدق في قوله: المماثل للمخالف مخالف.
وأما قضاؤه بأن الاعتقاد الصحيح من جنس الجهل، فكلام مبهم، وقول مظلم، فإنه إن أراد به أنه من جنسه، باعتبار أعم أوصافه، فالعلم أيضا من جنس الجهل. فإنه معنى من المعاني. وأن أراد أنه من جنسه، من جهته الخاصة، وهو الذي قصدها- والله أعلم- ولذلك أتى بالمثال، وهو قوله: إذا اعتقد المعتقد أن زيدا في الدار، ولم يكن فيها، ثم استمر العقد إلى أن دخلها زيد، فحال المعتقد لا يختلف، وإن اختلف المعتقد. فقد قضى باستواء حال الجاهل والمعتقد اعتقادا صحيحا. ولو كانت المعاني القائمة مختلفة، لما تصور استواء حال من قامت به، وهذا القول خطأ بين. وبيانه من وجهين:
أحدهما- أن المثلين هما اللذان يقوم أحدهما مقام الآخر ويسد مسده، ولو كان الاعتقاد صحيح مماثلا للجهل، للزم أن يكون المعتقد اعتقادا صحيحا جاهلا، حتى يعتقد المعتقد على خلاف ما هو به، فيكون اعتقاده صحيحا وباطلان معا.
[ ١ / ٤٠٧ ]
الثاني- أنا قررنا أن ضرورة المعتقد أن لا يدري كونه معتقدا، لأنه إنما يدري كونه معتقدا إذا أدرك الفرق، وإنما يدرك الفرق على تقدير الإحاطة بالأمرين. فإذا لم يحط بالأمرين، كيف يتصور أن يدرك الفرق؟
وما نقله الإمام عن أبي هاشم من قوله: إن العلم بالشيء والجهل به مثلان، هو اللازم على قوله من وجهين:
أحدهما- أن العلم عنده يرجع إلى اعتقاد المعتقد على ما هو عليه بلا زيادة، وهذا هو المراد بالاعتقاد (٢٤/ب) الصحيح. وقد اعترف الإمام بأن هذا مماثل للجهل.
الثاني- أن أبا هاشم لما حد العلم بأنه اعتقاد المعتقد، وقد بينا أن الإضافة إلى المعتقد ليست لازمة عنده ولا شرطا، فوجب حذفها، والاكتفاء بأن العلم: اعتقاد، والجهل أيضا: اعتقاد، فلزم أن يكون الجهل علما. بل يلزم على قوله أن يكون الشاك علما، لأنه في كل زمان معتقد. وهذه جهالة لا تنسب إلى لبيب.
[ ١ / ٤٠٨ ]
وقول الإمام: الشاك يرتبط عقده بأن زيدا في الدار أم لا؟ . كلام فيه ضعف وإيهام، إذ كيف يكون معتقدا ولا اعتقاد عنده؟ بل شك محض.
وقوله: [المعتقد] سابق إلى أحد المعتقدين. يعني اللذين أضيفا إلى الشاك، والكلام فيه على ما تقدم.
قال الإمام: (ومن أحكام عقد المقلد) إلى قوله (وترى معارضه جدلا محجاجا). قال الشيخ: قصد الإمام في هذا المكان أن يفرق بين العلم والاعتقاد بطريقين:
أحدهما- تصور حقيقتهما مع الاختلاف.
[ ١ / ٤٠٩ ]
والثاني- النظر إلى الآثار والخواص. فأما الأول وهو قوله: الاعتقاد مأخوذ من الربط، والعلم يشعر بالانشراح والثلج. فهذا الأمر يرجع إلى تفسير اللغة ووضع الألفاظ، [ولا تتلقى من ذلك المعقولات]. وأيضا فإنه قد قررنا أن ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما. فلو كانت المعاني واضحة الاختلاف باعتبار حقائقها، لم يتصور اللبس. وأكثر الخلق حصل الالتباس في حقهم حتى حسبوا الاعتقاد علما.
وأما الكلام الثاني: وهو قبول التشكيك عند نهاية الإصغاء، ففيه عسر من
[ ١ / ٤١٠ ]
جهة الاعتياد، فإن التصميم على الأمر يمنع من كمال الإصغاء إلى نقضيه. ولكن إذا اتفق ذلك، وحصل الإنصاف، ووقع الالتفات إلى التجويز في المعتقدات، أمكن الاضطراب.
لكن يبقى على هذا سؤال، فيقال: هل يحصل الشك عند الإصغاء في حالة بقاء الاعتقاد أو عند زواله؟ فإن كان مع بقاء الاعتقاد، فمحال، وإن كان بعد زواله، فقد خلفه ضد من أضداده، وذلك أيضا يصح في العالم إذا زال علمه، صح أن يخلفه الشك، فبماذا يفارق العلم الاعتقاد؟
فنقول والله المستعان: يمكن أن يشكك المعتقد وإن بقي ذاكرا لسبب اعتقاده، فإنا نبين له أنه لا ربط بينه وبين معتقده، وإلا لو استند إلى وجه صحيح يقتضيه، لكان علما، ولكان السبب دليلا، بخلاف العلم إذا استند إلى سبب يقتضيه، لم يتصور بيان بطلان السبب. فلذلك استحال أن يشكك العالم مع ذكر سبب العلم، وأمكن أن يتشكك المعتقد على ما قررناه. وهذا واضح فيما إذا استندت العلوم والاعتقادات إلى أسباب مختلفة، وإنما تغمض إذا صودفت الاعتقادات في النفوس مضاهية للأوليات من العلوم، فإنه قد يجد الإنسان نفسه مصممه على أمور وهمية لا يقدر على صرف نفسه عنها. وهذا كالاعتقاد أنه لابد من خلاء أو ملاء وراء العالم. هذا في النفس مضاه
[ ١ / ٤١١ ]
لكون الشخص لا يخلو من كونه متحركا أو ساكنا. (٢٥/أ) والأول عمل الوهم، والثاني ضروري.
ولكن طريق الفصل في ذلك أن الوهمي العقل يصد عنه، فإن الخلاء لا معنى له، والملاء باطل بانحصار العالم، [والأولي] العقلي لا يتصور أن يقدح فيه شيء. فإذا يدرك الميز إما: بالثمرات من قبول التشكيك وامتناعه، أو بالنظر إلى الطرق وقبولها للفساد وامتناع ذلك. هذا هو المعتمد في الفرق بين العلم والاعتقاد.
قال الإمام: (وقد يطرأ على العالم المحقق) إلى قوله (وسأتحفك إن ساعدت الأقدار بلباب هذه الفنون، مستعينا بالله، وهو خير معين). قال الشيخ - ﵁ -: لما قال الإمام: إن العالم لا يتصور تشكيكه إلى آخره، وجه على نفسه هذا السؤال، يشير به إلى أنه قد يتوهم المتوهم [تشكيكا]. ومثال ما ذكر: أن المعتزلة إذا قضوا بأنه لا يصح قيام المعنى بنفسه، كان في ذلك على
[ ١ / ٤١٢ ]
بصيرة وبرهان. ثم اعتقد أن القدم أخص أوصاف الباري تعالى، وأن الاشتراك في الأخص يوجب الاشتراك في الأعم. وهو في هذا مصمم غالط. فإذا جاءت مسألة الإرادة، فلم يمكنه أن يقول: الباري تعالى مريد لنفسه. فإن مقتضى مذهبه أن الحكم الثابت للنفس، إذا كان يقتضي تعلقا، وجب أن يعم تعلقه، كما قالوا في كونه تعالى عالما، فإنه عالم بكل معلوم.
قالوا: فلو كان مريدا لنفسه÷ لكان مريدا لكل أمر، حتى يكون مريدا للقبائح، وذلك عندهم محال. ولا يصح أن يكون مريدا بإرادة قديمة، لأن القدم عندهم أخص أوصاف الباري تعالى، فلو كانت إرادته قديمة لكانت إلها. ولا يصح أن يقال: غير مريد، لوجود التخصيص الدال على ذلك. ولا يصح أن يقال: إنه مريد لا لنفسه، ولا لمعنى، فإن ذلك محال، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة حادثة. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بذاته، فإنه
[ ١ / ٤١٣ ]
يستحيل أن يكون محلا للحوادث. ولا يصح أن يقال: إنها قائمة بغيره، فإنه يكون من قامت به مريدا بها، ولا يرجع حكمها إلى الباري سبحانه، فلم يبق إلا أن يقال: إنه مريد بإرادة قائمة بنفسها، وهذا يناقض ما تقدم من استحالة قيام المعنى بنفسه. ولا يتصور قيام المتضادات بالقلب في حالة واحدة، فيصير الإنسان على هذا مترددا بين الاعتقادين، فيكون أشبه شيء بالشك على مذهب أبي هاشم.
قيل للإمام: فهذا عالم متردد. فقال: (ليس ذلك شكا، إن كان الحاصل له علما، وإنما هو إيثار ذهول عن الأول، ليستمر ما يحاوله من الاستقرار على العقد التقليدي). وأما ما هو عالم به، فلا يجد في نفسه ترددا ولا ميلا عنه.
[ ١ / ٤١٤ ]
وقوله: (ولن يبالي بذلك، إلا من ضعفت غريزة عقله). كلام صحيح، فإنه لا يصح للعاقل أن يترك ما علمه، بناء على الوهم، وإنما يعتري ذلك من ضعف العقل. والله المستعان. هذا نهاية كلام الأصوليين والمتكلمين.
والذي عندي في العلم غير ذلك كله. فنقول والله المستعان: من أحاط بحقيقة الشيء، فهو مستغن عن حده، ليعرف به المحدود. وقد تقدم الكلام (٢٥/ب) على هذا في أول الكتاب. فإن طلب العالم حدا، فإنما يريد إرشاد غيره، لا ليتعرف هو في نفسه، وإذا كان كذلك، فالأمر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يتصور جهله بوجه، وهو العلم، إذ من ضرورة من قام به العلم أن يعلمه. فإن المذهب الصحيح أن العلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه. ولو لم نقل
[ ١ / ٤١٥ ]
ذلك، للزمنا أمور ممنوعة، وهو القضاء بكون العلم لا يتصور أن يعلم، وذلك محال، فإنا نعلم علم غيرنا وعلمنا. ويلزمنا أيضا أن يكون الواحد منا عالما بالعلوم الكثيرة، وهو لا يعلم ذلك من نفسه، وذلك معلوم بطلانه ضرورة. أو يقال: يعلم العلم بعلم آخر، وذلك باطل، لإفضائه إلى التسلسل، إذ لا ينتهي إلى حد يوقف عنده، فلم يبق إلا أن العلم يتعلق بالمعلوم ويتعلق بنفسه. وإذا كان كذلك، وجب أن يكون العالم عالما بحقيقة العلم، فكيف يتصور أن يطلب العاقل أن يكشف له حقيقة العلم؟
وظني بالأئمة - ﵃ - أنهم ما سلكوا في التحديد التعرض لتبديل الألفاظ، إلا لما قررته من كون الحقيقة مكشوفة. وإنما التبس على السامع نسبة اللفظ إلى المعنى، فأوضحوا له بلفظ أوضح دلالة ونسبة من الأول.
فإن قيل: فإذا كان من ضرورة العالم أن يحيط بحقيقة العلم، فكيف يتصور التباس العلم بالاعتقاد، حتى قلتم: إن ذلك من أغمض الأمور؟ فيقال: إنما جاء ذلك من خفاء الاعتقاد وشدة التباسه، إذ ضرورة المعتقد أن يعتقد كونه عالما، فلما كان ذلك من ضرورته، التبس أمره، فذكرنا تلك الطرق، ليتبين بها الاعتقاد، لا أن العلم مفتقر إلى البيان، إذ ليس بعد العلم كشف على حال.
وهذا الذي ذكرته في هذا المكان من جواهر الكلام. ولم أر أحدا من الأصوليين والمتكلمين ذكر ذلك، ولكنه شيء من الله سبحانه، فله الحمد وله المنة.
[ ١ / ٤١٦ ]