فيعلم صدق الرسول - ﷺ - من هو غافل عن ثبوت الكلام لله سبحانه. وقد مال الإمام إلى هذا في (الإرشاد). وضرب في ذلك [مثالا] للملك المتصدي للرعية، المخالف للعادة، على حسب سؤال المدعي. قال: فيحصل للحاضرين العلم، مع الغفلة عن كلام النفس. بل لو كان في المجلس من يعتقد نفي كلام النفس، لحصل له العلم. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى.
قال الإمام: (فصل- يشتمل على مقدار من مدارك العقول) إلى قوله (على الألوان بحكم الأكوان من غير بصيرة). قال الشيخ: قوله: لا يجول العقل في كل شيء. الشيء: هو الموجود عندنا. فإن أراد أن بعض الموجودات لا
[ ١ / ٤٤٥ ]
يصح علمه، فهذا غير صحيح. ومن أصول أهل الحق أن كل موجود يجوز أن يرى. والرؤية إما علم خاص، وإما إدراك زائد على العلم، فالعلم أعم تعلقا. فإذا كان كذلك، صح أن يعلم كل موجود. وأيضا فإن العلم لا يصحح لتعلقه، فإنه يتعلق بالواجب والجائز والمستحيل.
وإن أراد [أن] بعض الموجودات لا يصح الاستدلال عليها، فهذا قد تقدم الكلام عليه عندما تكلمنا على أن الضروريات، هل يصح أن تكون مستدلا عليها؟
وقوله: (فالنظر عندنا: عبارة عن المباحثة في أنحاء العلوم الضرورية). وأراد بالمباحثة: الفكر، لكنه تجوز بإطلاق لفظ (المفاعلة) في غير موضعها، فإنها تستدعي تعددا في غالب الأمر. والعبارة السديدة ما قاله المتكلمون،
[ ١ / ٤٤٦ ]
فإن النظر عندهم: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو غلبة ظن.
وقوله: (في أنحاء الضروريات وأساليبها)، يعني الطرق، ثم العلوم الحاصلة على إثرها كلها ضرورية، يعني أنها ليست مقدورة على ما مر. وقد تقدم الكلام على السبر والتقسيم، وأنه غير مكتفى به في حصول العلم، بلا لابد من إقامة الدليل على التعيين.
وقوله: (وليس للدليل تحصيل إلا تجريد الفكر). كلام غير معقول، فإنه لابد للفكر من متعلق، فإذا لم يكن متفكر فيه، كيف يتصور الفكر لحصول
[ ١ / ٤٤٧ ]
العلم؟ وقوله: (إذا استد النظر) إلى قوله (فهو الذي يسمى نظرا ودليلا). فقد جعل في هذا المكان أن النظر هو الدليل، وليس الأمر كذلك؛ فإن الدليل قد
[ ١ / ٤٤٨ ]
قررنا: أنه مرتبط بالمدلول، سواء نظر الناظر أو لم ينظر. وههنا أربعة أمور متعددة: فالدليل مرتبط بالمدلول، والنظر في الدليل إذا تم على سداده يتضمن العلم. وعلى ما نراه ههنا يسقط من الأقسام، ولا يبقى إلا النظر والعلم والمعلوم. والعلم غير منظور فيه، وكذلك المعلوم، فلا يبقى للنظر مورد. فإذا بطل متعلق النظر، بطل النظر. فإما أن تصير الأمور كلها معلومة، وإما أن يتعذر علم شيء منها ليس بضروري. وهذا يشير (٢٩/ب) إلى مذهب منكري النظر.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وما ذكره من الأمثلة لا [يدفع] هذا التحقيق. وقد بينا أن الأدلة ترجع إلى أمور مرتبطة بأمور على جهات من الارتباط، فمن اطلع على جهة ارتباط الدليل بمدلوله، حصل له العلم بالمدلول.
وحصره جولان العقول في التقسيم المنضبطة التي يهتدي العقل إلى تعيين بعضها، غير صحيح. فإن البرهان ينقسم إلى البرهان المستد وإلى برهان الخلف. فالبرهان المستد: هو الذي يفضي بالناظر إلى العثور على عين المطلوب، كالإحكام الدال على العلم، أو على كون العالم عالما عند المعتزلة. وكذلك القول في الإيجاد والتخصيص. وبرهان الخلف: هو الذي لا يهجم على المطلوب بنفسه، ولكن يريد الناظر المطلوب بين قسمين، نفي وإثبات، ثم يقوم البرهان على استحالة الثبوت، فيتعين النفي أو بالعكس من ذلك.
[ ١ / ٤٥٠ ]
والكلام في استحالة العرو عن الألوان مشكل، وهو مما استخير الله فيه. وطرق المتكلمين فيه مشهورة، فلم نر الإكثار بذكرها.
وأما ما ذكره في منع القياس إلى آخره. فقد سبق الكلام على مثله عند كلامنا على إلحاق الكاتب بالشاهد.
قال الإمام: (ومما يتعين على الطالب الاهتمام به في مضايق هذه الحقائق) إلى قوله (يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى). قال الشيخ: ما ذكره في هذا المكان من أن الأحكام الإلهية تستحيل الإحاطة بها، وإنما يتعلق العلم بأمور جميلة منها. اختلف المتكلمون في جواز تعلق العلم بمعلوم على الجملة دون التفصيل. فذهب الأكثرون إلى جواز ذلك.
[ ١ / ٤٥١ ]
واختلف في ذلك قول ابن الجبائي، وقد نقل عن الشيخ أبي الحسن أنه منع من ذلك، وله أيضا كلام يقتضي التجويز. وقد تمسك المنكرون بنكتتين نذكرهما ونذكر الكلام عليهما:
إحداهما- أنهم قالوا: حقيقة العلم الكشف، ونحن لا ننكر أن يعلم المعلوم من وجه، ويجهل من وجه. والوجه الذي علم منه منكشف، ليس فيه إجمال بحال. بل ذلك الوجه مفصل عند العالم به.
[الثانية]: أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا يتصور اجتماع العلم بالجملة مع العلم بالتفصيل، فلا يتصور أن يعلم الباري تعالى معلوما أو معلومات على الجملة. فاستحال تعلق العلم على الجملة، ولا يتصور أن يتعلق العلم الحادث به، فإن العلم الحادث مخلوق لله - ﷿ -، وتعلقه بالمعلوم لنفسه، فلابد أن يكون فاعل العلم عالما بمتعلقه، فيقتضي ذلك أن يكون الباري تعالى يعلم المعلومات على الجملة، وهو عالم بها على التفصيل، وذلك متناقض على ما قررناه.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وأما المجوزون، فقد قالوا: لا ننكر العلم على الجملة، فإنا إذا علمنا أن معلومات الباري تعالى لا تتناهى، فقد علمنا أمرا لا محالة، إذ يستحيل علم لا معلوم له، ومعلومة المعلومات غير المتناهية، وهي غير مفصلة عندنا قطعا، لاستحالة تعلق العلم الحادث بما لا يتناهى على التفضيل، وأن كل معلومين يصح (٣٠/أ) العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فإذا علما، فإنما يعلمان بعلمين مختلفين، فإنه لو تعلق بما علم واحد، لاستحال أن يعلم أحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكان يجب عقلا أن يعلما معا.
وقد صورنا جواز العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، وكل ما أفضى إلى استحالة المجوز، فهو باطل وانقلاب الجائز محالا محال. وما أفضى إلى المحال فهو محال. وإذا كان كذلك، فلو قدرنا كون الحادث يصح منه أن يعلم ما لا يتناهى، للزم أن يعلمها بعلوم لا تتناهى، وتوجد تلك العلوم قائمة بالعلم، وما حصره الوجود، فهو متناهٍ ضرورة، فاستحال أن يعلم المخلوق ما لا يتناهى على التفصيل، فإذا لم يعلم المعلومات غير المتناهيات، إلا من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل.
[ ١ / ٤٥٣ ]
وأما الاستدلال الثاني، وهو قولهم: لو علم الواحد منا معلوما من حيث الجملة، للزم أن يكون الباري تعالى عالما به مع علم بالتفصيل، والعلمان متناقضان. إذ قد بينا أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل. فقد اختلف جواب أهل الحق عن هذا السؤال، فذهب القاضي أبو بكر إلى التزام ذلك، وقضى بأن الباري تعالى لا يتصور أن يعلم شيئا من حيث الجملة لإحاطته بالتفاصيل. والتزم أن قال: إذا خلق الله لعبده علما متعلقا من حيث الجملة، لم يكن عالما بمعلوم العبد، وإن كان عالما بعلمه، لأن خالقه ومبتدعه. قال: ولا بعد في خروج بعض المعلومات عن أن يتعلق بها العلم القديم. قال:
والمحقق هو الذي يدور مع الدليل ولا يجبن. وهذا يناظر ما ذهب إليه من أن القدرة الحادثة تؤثر في حال، والكسب، ولا تتعلق [بقدرة] القديم.
وهذا القول لا نراه ولا نرضاه، ومن المستحيل أن يخرج ممكن عن القدرة القديمة، مع عموم التعلق، وتحقق التماثل في المتجددات. وكذلك لا سبيل إلى أن يخرج معلوم عن العلم القديم، لما قررناه من استواء المعلومات بالإضافة إلى العلم، إذ ما تعلق بأحد المثلين، مع صحة تعلقه بالمعدودات التي يجوز افتراقها، وجب أن تستوي النسبة إلى الجميع. وقد أجمع أهل الإسلام على أن الله تعالى عالم بجميع المعلومات، لا يشذ عن علمه معلوم.
[ ١ / ٤٥٤ ]
وما ذكروه من أن العلم بالجملة يناقض العلم بالتفصيل، فلا نسلم المضادة في ذلك، ولو قدرنا أن الإنسان علم جواهر جسم وعددها، وعلم أن غيره يعلم الجسم من حيث جملة الجسم، [لما كان في ذلك مضادة]. وهذا هو الذي لا يصلح عندنا غيره.
وقوله: وإفضاء العقل إلى أمور جميلة منها، اقتصار على الدعوى. وما ذكره من أن المتناهي يستحيل أن يدرك حقيقة ما لا يتناهى، دعوى ثانية غير مقترنة ببرهان. نعم، الذي يستحيل أن يعلم [معلومات لا تتناهى عددا، هو الحادث]، لما قررناه من الدليل. أما المتعلق بمطلق لفظ ما لا يتناهى، فلا يفيد. والباري تعالى غير متناه وجوده، بمعنى أنه لا آخر له، وذلك غير مانع من علم ذاته. ويعتقد أهل السنة أن الله تعالى يرى في الآخرة، والرؤيا أخص من العلم. على ما سبق تقريره.
قال (٣٠/ب) الإمام: (وعبر الأوائل عن ذلك) إلى قوله (سلطنة الكل على الجزء). قال الشيخ: ماذكره الإمام حكاية عن الأوائل، مبني على غير
[ ١ / ٤٥٥ ]
أصول أهل الشريعة، فإنهم ينفون الصانع المختار، ويثبتون الفيض على الدوام. فلا منع ولا إعطاء، وإنما يرجع ذلك إلى اختلاف القوابل، وذلك يرجع إلى اختلاف التهيؤ للقبول. وهذه أصول باطلة كلها. وأدلة حدث العالم يسقط جميع هذا الهذيان.
ولو وقع التنزل على فاسد أصلهم، فقضاؤهم بأنه لا يبلغ النهى مبلغا يقبل من الفيض ما يحيط من الكل. فليس في هذا إلا اقتصار على محض الدعوى. وكذلك قولهم: وأما الاحتواء على الحقيقة، فهو سلطنة الكل على الجزء.
قال الإمام: (وأما ما يحمل على تبلد العقل) إلى قوله (في زمن ما مع تكرر المقتضيات). قال الشيخ: هذه الأمور كلها هي أصول الفلاسفة
[ ١ / ٤٥٦ ]
المنكرين للخلق والإيجاد، الذاهبين إلى العلل والمعلولات. وقواعد أهل الإسلام على خلافها.
ثم أيضا هم متحكمون في قولهم: إنه من الممكن أن يدرك بالعقل الخاصية الجاذبة للحديد في المغناطيس. فإن قالوا: يستحيل خرق العوائد، لاعتقادهم إياها عقليات، وليس في العقول صانع مختار ليخرق، فهو أيضا مبني على تلك الأصول الباطلة.
ثم نقول لهم: ما المانع من وصول بعض العقلاء إلى إدراك هذا؟ وبأي
[ ١ / ٤٥٧ ]
طريق علمتم نفيه؟ وما كل من أحاط بعلم يكشفه لأهل الأرض. فلا يرجعون إلا إلى محض الدعوى العرية عن البرهان.
فأما ما يتعلق بالخواص وتأثيرها، فهو باطل عندنا، ولا فاعل إلا الله. والجواهر متماثلة والأعراض لا تنتقل. وكل ذلك مدلول عليه في إثبات الإلهية والوحدانية.
وإنما الغامض في هذا الفصل قول الإمام: (ولكن ينقدح عندي في ذلك أمر يحمل التعذر عليه) إلى آخره. لا يتصور أن يكون ما ذكره عذرا عند أهل الإسلام، ولكن الظن به أنه إنما أراد: أنه ينقدح عندي لبعضهم على بعض. فإن الأوائل اختلفوا في ذلك. فكأنه يقول: وينقدح عندي لهم أمر يحمل التعذر عليه على مقتضى قواعدهم.
[ ١ / ٤٥٨ ]
ثم قوله بعد ذلك: (وعلى الجملة لا يقوم برهان على التحاق هذا القسم بالمواقف) إلى آخره. هذا أيضا كلام صعب، فإنه إذا جعل استقراء العوائد دليلا على استحالة ما لم تجر به العادة، أفضى ذلك إلى جحد النبوات، وإنكار المعجزات، واستحالة بعث الأموات. وهذا كفر بلا إشكال.
ويعتذر أيضا عن هذا بأن يقال: لا يقوم لبعضهم برهان على بعض في أن ذلك موقف بالنظر إلى عد صلاحية تهيؤ المفيض إلى آخره. وإذا بطل التلقي من هذه الجهة، رجع إلى استقراء العوائد على أصولهم، في اعتقاد وجوب الأطراد، واستحالة الخرق عقلا. هذا هو الذي أراده الإمام ﵀، ولا يصح غيره.
قال الإمام: (وأما الميز بين الجواز المحكوم به، ويبن الجواز بمعنى (٣١/أ) التردد والشك، فلائح. ومثاله: أن العقل يقضي بجواز تحرك جسم ساكن) إلى قوله (وإذا لاحت الحقائق، فليقل الأخرق بعدها ما شاء).
[ ١ / ٤٥٩ ]
قال الشيخ - ﵁ -: الجواز كما ذكر، قد يعبر به عن: قبول المعلوم لأمري على البدل، كقبول الجوهر أن يكن متحركا أو ساكنا. وهذا الجواز نقيض الاستحالة. وقد يعبر به عن: التباس المر بحيث لا يدري الناظر كيف الحال فيه، فيقول: يجوز أن يكون العالم قديما، ويجوز أن يكون حادثا. هذا هو الجواز بمعنى التردد.
وما ذكره في المثال، وهو انحصار الأجناس، واستدلاله على ذلك بأنها معلومة على التفصيل، وذلك مستحيل في غير المتناهي، كلام باطل، وقول غير صحيح. والذي عليه أهل الإسلام أن الله تعالى عالم بالمعلومات
[ ١ / ٤٦٠ ]
على التفصيل. فاقتصر على الدعوى في مثل هذا الأمر العظيم. ولم يأت بدليل بحال.
وقوله: فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم. دعوى، ما الدليل على ذلك؟ ومن أين يلزم من كون
[ ١ / ٤٦١ ]
الموجود متناهي العدد أن يكون المعلوم متناهيا، وقد حصل موجودًا؟ فقد
[ ١ / ٤٦٢ ]
هجم على أمر عظيم، وخالف أدلة العقول، وراغم إجماع المسلمين.
وأقرب ما يدل على كون الباري تعالى عالما بما لا يتناهى على التفصيل، أن نقول: ما من معلوم إلا ويصح من الباري تعالى أن يخلق لعبده علما متعلقا به، ولا يختص هذا بموجود أو معدوم، محقق أو مقدور. وإذا جاز أن يخلق علما بمعلوم، وعلما آخر بمعلوم آخر، امتنع الانتهاء إلى حد يستحيل معه تقدير خلق علم آخر، وكذلك إلى غير نهاية. فوجب لذلك كونه عالما بالمعلومات غير المتناهية على التفصيل. وللمتكلمين في ذلك أدلة كثيرة. والذي ذكرناه مقدار غرضنا، وقواطع السمع على تأبيد نعيم أهل الجنان، وعذاب أهل النار
[ ١ / ٤٦٣ ]