قال الإمام: (كتاب الأوامر). قال الشيخ [وفقه الله]: ينبغي أن ينظر، هذا جمع ماذا؟ والذي عليه الأصوليون أن الأوامر جمع أمر. وأهل العربية الذين وقفنا على أقوالهم كسيبويه وأبي علي والمتأخرين، لا يرو هذا الجمع أصلا. ويقولون: لا يصح أن يجمع فعل على فواعل، وقد ذكروا [أمثلة] جمعه، وليس منها هذا البناء. إلا أن الجوهري صاحب (الصحاح) قد قال: ويقول: (أمرته بكذا أمرا، والجمع الأوامر). وهذا شاذ غير معروف عند أئمة العربية.
[ ١ / ٥٨١ ]
وقال بعض الناس: إن هذا جمع أمر، وفواعل لا يخلو: إما أن يكون [اسما] أو صفة لمذكر. فإن كان اسما، صح جمعه على فواعل، تقول: خاتم وخواتم، وتابل وتوابل. وإن كان صفة لمذكر، لم يجمع على فواعل. وقد شذ فارس وفوارس وهالك في الهوالك. فأما فارس وفوارس، فلعدم اللبس، إذ لا يكون هذا صفة للمؤنث. وأما هالك في الهوالك، فكأنهم نحوا به ناحية النفس، [إذا] قصد تأنيثها.
وقال بعض الناس: المراد الصيغة، فإنه قد تسمى الصيغة آمرة تجوزا. وإذا كان المراد (فاعلة) صح الجمع على فواعل، اسما كان المفرد، كفاطمة وفواطم، أو صفة، ككاتبة وكواتب. وهذا بعيد في التجوز، وليس هو المقصود ههنا، إذ الكلام في الأمر الحقيقي.
وأما الألفاظ، فلم يأت الكلام فيها إلى الآن، إلا أن يكون قصد الكلمة باعتبار كونها قائمة بالنفس، ويسمى الأمر آمرا. والظاهر عند أنه [إنما] قصد ما ذكره صاحب (الصحاح) من جمع الأمر على أوامر.
ثم لفظة الأمر مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع، إلا أن تختلف أنواعه. وقد بينا أنه لا التفات عند أهل اللسان إلى تعدد المحال، كما قلنا: إن سيبويه منع جمع العلم، ولم يلتفت إلى [تعدد] متعلقاته. فلا يصح
[ ١ / ٥٨٢ ]
جمع الأمر إلا إذا تحقق اختلاف لا يرجع إلى تعدد المحال. وهذا ثابت في الأمر، إذ أمر الوجوب يباين أمر الندب، باعتبار الذات، لا المتعلق، فصح جمعه لذلك. فإذا تقرر هذا، فلفظ الأمر يدل على ثلاثة أمور:
أحدها- إطلاق الأمر على الشأن والحال، كما يقول القائل: أمر فلا مستقيم، أي حاله مرضية. وق تقول عكس ذلك، قال الله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾.
[الثاني]- وينطلق الأمر على اللفظ الدال على الطلب القائم بالنفس، عند مثبتي كلام النفس. وعند نفاته، اللفظ: هو الأمر نفسه. أما مثبتوه، فيطلقون الاسم عليه، من جهة أنه دليل الطلب. وأما نفاته، فيقولون: إنه الأمر لاعتبار نسبة الدلالة. ولا يطلق عند هؤلاء على المعنى القائم بالنفس.
[ ١ / ٥٨٣ ]