وذهب الحارث بن أسد المحاسبي إلى أن العقل: غريزة يتوصل بها إلى المعرفة. وقد أوضح ذلك في كتاب: (الرعاية) وبسطه بسطا كثيرا، وأتى له بمثال فقال: (مثل العقل مثل البصر، ومثل العلم مثل السراج، فمن لا بصر له، لا ينتفع بالسراج، ومن له بصر بلا سراج، لا يرى ما يحتاج إليه). فقد صرح بمخالفة العقل العلم.
وقال الجبائي: العقل هو الصارف عن القبيح، الداعي إلى الحسن. وعباراتهم في ذلك كثيرة. وكلها ترجع إلى هذا. فلم نر الاشتغال بنقلها والإكثار منها.
وقال بعض المحصلين: إن العقل هو الذي يصح معه الاستدلال. قال القاضي: لست أنكر تفسير العقل بالعلم في وضع اللغة، فإن العرب تقول:
[ ١ / ٣٧٨ ]
عقلت الشيء وعلمته وفهمته. فلا امتناع في تسمية العقل علما والعلم عقلا. ولكن غرضنا بالكلام أن نوضح العقل الذي هو شرط صحة التكليف.
وأما التطويل الذي ذكره الإمام في احتجاج القاضي، فلابد منه ليتبين مأخذه. فإن الرد على القائل قبل معرفة مأخذه فيه نظر. قال القاضي: العقل أمر وجودي، إذ لو كان عدما، لما اختص به بعض الجواهر دون بعض، إذ النفي لا اختصاص له.
فإذا ثبت وجوده، فلا يخلو: إما أن يكون قديما أو حادثا، ويستحيل الحكم بقدمه، لدلالة الأدلة على أن لا قديم إلا الله وصفاته، إذ لو كان قديما، لاستحال أن يتصف به المحدث، ولا معنى للإطناب في ذلك.
وأيضا فإن ذات القديم لا يختص بها بعض الجواهر دون بعض، فكان يجب أن يثبت العقل لجميع جواهر العالم. وقد صار كثير من الحشوية إلى أن العقل قديم. وهم أقل من أن يفردوا بكلام. وهذا كقولهم بقدم الروح.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وإذا بطل كون العقل قديما، وجب القطع بحدثه. ثم الحادث لا يخلو: إما أن يكون جوهرا أو عرضا، وباطل أن يكون العقل جوهرا، لأدلة: منها- تماثل الجواهر. ومنها- أنه لا يوجب جوهر حكما لجوهر، مع اختصاص كل واحد بحيزه. ومنها- تجدد حكم العقل على الجوهر مع استمرار وجوده. ويتحقق ذلك بوجوب قيام الموجب بمن له الحكم، فوجب أن يكون من قبيل الأعراض. ولا يصح وقوعه على جميعها، لأنها مضادة. وأيضا فإنه (٢١/أ) يتصف بالعقل مع فقدان جملة من الأعراض.
فإذا ثبت أنه بعض الأعراض، فلا يخلو: إما أن يكون غير المعلوم، وإما أن يكون من العلوم. باطل أن يكون غير العلوم، إذ لو كان كذلك، لصح أن يتصف بالعقل خال عن العلوم كلها. فدل أنه من ضروب العلم.
والذي يحقق ذلك، أنه ما من ضرب من ضروب الأعراض زائد على الحياة، إلا ويصح تقدير العقل مع عدمه إلا العلوم. وإذا كان كذلك، وصح أن العقل من العلوم، ومحال أن يكون جميعها، لصحة الاتصاف بالعقل مع فقدان جملة من العلوم. ولا يصح أن يكون من العلوم النظري، لأن النظر لا يقع ابتداؤه إلا مسبوقا بالعقل. ولا يصح أن يقال: إنه جملة من العلوم الضرورية، فإن العلم بالمحسوسات من الضروريات. وقد يعقل من لا يحس أصلا. فثبت أنه بعض العلوم الضرورية.
[ ١ / ٣٨٠ ]
ثم سبيل التنصيص عليه أن [يقال]: كل علم لا يخلو العاقل منه عند الذكر، ولا يشاركه فيه من ليس بعاقل، فهو العقل. وتحصيل ذلك: أن العلم بالآلام واللذات والعلم بالنفس، لما اشترك فيه العاقل وغير العاقل، لم تكن هذه الضروب من العقل.
فأما العلم بأنه لا يخلو المعدوم عن النفي والإثبات، ولا يخلو الموجود عن قدم وحدوث، فلا يشارك العقل فيه غيره فهو العقل. وعد القاضي من
[ ١ / ٣٨١ ]
ذلك، العلم بأن الخبر لا يكون إلا صدقا أو كذبا. وعد منه العلم باستحالة اجتماع المتضادات. فهذا هو التطويل الذي ترك الإمام ذكره.
والاعتراض عندي على هذه الطريقة أن يقال: العقل معنى واحد مفرد، فكيف يتصور أن يكون مركبا من علوم متعددة، وكل علم مخالف للعلم الآخر؟ هذا عندي لا يصح. وقد قال بعض أصحاب القاضي: إن العقل يرجع إلى علم المرء بأنه عالم، فإن المعلوم ينقسم إلى النفي والإثبات، والإثبات ينقسم إلى القديم والحادث، فيرجع العقل إلى علم واحد، حتى لا يلزم التركيب في العقل. ولكن هذا أيضا غير سديد، فإنا نختار في الكلام: أن كل معلومين يتصور العلم بأحدهما مع الغفلة عن الآخر، فغنما يعلمان بعلمين. والعلم يتعلق بالمعلوم وبنفسه، فلا يكون علم واحد يتعلق بهذه المعلومات. فلا يصح أن تصير العلوم المتعددة عقلا.
قال الإمام: (وهذا الذي ذكره فيه نظر) إلى قوله (وهذا سبيل كل شرط ومشروط). قال الشيخ: قول الإمام: إنه لا يمتنع أن يكون العقل مشروطا
[ ١ / ٣٨٢ ]
بعلوم. لا يصح، إذ لو كان كذلك، لأمكن وجود العلم دون العقل، إذ لا يمتنع وجود الشرط دون المشروط. ومن المحال أن يعلم العلوم الضرورية من لا عقل له.
ولكن يتوجه على القاضي فيما ذكره اعتراض، وهو أن يكون العاقل شرطا في العلوم الضرورية، فلا تحصل إلا لمن حصل له العقل. وهذا الذي قصده الإمام، وإن كانت العبارة غير محررة، ولكن يجاب عن هذا: بأنه لو كان العقل شرطا، لأمكن وجدانه دون العلوم.
وهذا الذي ادعاه الإمام من أن الذاهل عن الفكر في الجواز والاستحالة عاقل، فهذا الذي ذكره غير مسلم، فإنه إذا ذهل عن جميع العلوم، لم يكن عاقلا. فإن قال قائل: ما المانع من كون العقل شرطا في العلوم، والعلوم شرطا في العقل (٢١/ب)، فيكون الاشتراط من الجانبين، فيوجب ذلك الاقتران من الطرفين؟ وهذا السؤال غامض، وينقدح في دفعه طريقان:
أحدهما- أن التحكم بادعاء شرط لا يعلم ضرورة ولا نظرا باطل. فإن قيل: لسنا ندعيه، ولكن نقول: ما المانع منه؟ فعنه جوابان:
[ ١ / ٣٨٣ ]
أحدهما- أن هذا التقدير يفضي إلى ما لا نهاية له، فإنه يمتنع تقدير شرط للشرط المقدر، ولا يقف الأمر على حد.
الثاني- أنه لو كان كذلك، لوجب أن يثبت ذلك في حق الله ﷾، فإن الشرط العقلي يجب طرده شاهدا وغائبا، فيكون للباري تعالى عقل زائد على العلم، وذلك باطل بإجماع الأمة. وهذا هو الطريق الثاني في الجواب عن السؤال الأول.
فإن قيل: هذا تمسك بالإجماع في مسائل الكلام وقضايا العقول. فنقول: لا يمتنع أن يتلقى هذا الضرب من المعقولات من الإجماع. والضابط: أن كل ما يصح أن يتلقى من الرسول - ﵇ - من قضايا العقول، جاز أن يتلقى من الإجماع. ولو أخبر الرسول - ﵇ - أنه ليس لله تعالى صفة هي شرط في العلم إلا الحياة، لعلم ذلك منه. وسيأتي لهذا مزيد تقرير، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٨٤ ]
قال الإمام: (فإن قيل: فما العقل؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين. وما حوم عليه أحد من علمائنا غير الحارث بن أسد المحاسبي. فإنه قال: العقل: غريزة يتأتى بها درك العلوم وليست منها). قال الشيخ وفقه الله: وقد أنكر الإمام [هذه المقالة] في (الشامل)، ومنه كون المحاسبي يقول ذلك: (ولعمري إنه لبعيد من نفس ذلك الرجل، وغير لائق بمذهب أهل الحق). ثم تأوله الإمام هنالك، وقال: (لعله أراد بذلك معرفة الله - ﷿ - والتشمير للعمل، ولم يرد به مطلق العلم). وللتأويل مجال. ولكن قد ذكر المحاسبي هذه المسألة في (الرعاية)،
[ ١ / ٣٨٥ ]
ونص على الفرق بين العلم والعقل. على ما قررناه. والله أعلم بصحة ذلك.
قال الإمام: ([والقدر] الذي يتحمله [هذا الموضع]) إلى قوله (والأدلة عليها). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام، لا خلاف بينه وبين ما حكاه عن (المحاسبي). إلا أن لفظ الغريزة ليست عبارة المتكلمين. فقد يوهم إطلاقها باختلاف في الجواهر على ما ذهب إليه الفلاسفة، وليس هذا اعتقاد أحد من أهل الإسلام. ولفظة (الصفة) مشهورة عندهم.
وقوله: ليس الكلام في بالهين، يشير إلى اشتراك لفظه، وتعدد مدلولاته. والفلاسفة يقولون: العقل يرجع إلى العالم العلوي. في مذاهبهم في
[ ١ / ٣٨٦ ]
العقول والنفوس. وهذا الأصل لا سبيل للخوض فيه في هذا الفن. وليس النزاع الحقيقي بين المتكلمين وراء الألفاظ، إلا في إثبات هذه الصفة ونفيها.
والذي يصح عندنا في العقل ما حكيناه عن أبي الحسن أنه يرجع إلى العلم من غير زيادة. وهو مطابق للغة، وإن كان لفظ العقل قد يطلق على زاد على العلم، ولكن إنما [نريد] نحن بعض مسمياته، وهو ما يرادف العلم منها، إذ يقال: علمت وعقلت وفهمت بمعنى واحد. وقد اعترض على هذا، بأن الله سبحانه عالم، ولا يقال له عاقل. والجواب عنه: (٢٢/أ) أن إطلاق الأسماء على الله - ﷿ - موقوف على ورود السمع.
فأما وضع الاسم تلقيبا، فمجمع على منعه. وأما إطلاق الأسماء المشتقة من المعاني عند ثبوت اتصافها بالمعاني، فمختلف فيه. وللمسألة ثلاثة أحوال: إما أن يرد الإذن، كالعالم والقادر، وإما أن يثبت المنع، كالسخي، وإن أطلق عليه لفظ الكريم، وإما أن ينتفي الأمران. فهذا موضع خلاف، فمن مانع، ومن مجيز، ومن متوقف.
والظاهر عندي المنع، لحصول القصر، بالنظر إلى مفهوم العدد، حيث
[ ١ / ٣٨٧ ]
قال - ﵇ -: (إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا). فانظر كيف قال: (إلا واحدا). وكأن المنع من إطلاق العقل عليه لذلك.
وأظن- والعلم عند الله- أن سبب المنع ما يتطرق إلى اللفظ من اشتراك. إذ قد يطلق العاقل على من عنده سكون وهدوء، وملازمة الطريق الحميدة عند العقلاء، لداع يدعوه إليها، والانصراف عن الرذائل لصارف يصرفه عنها.
فلما كان ذلك قد يفهم من اللفظ، منع من إطلاقه على الله ﷾. وهذا الاعتراض أيضا يتوجه على من قال في حد العلم: إنه المعرفة. فإن الله ﷾ لا يسمى عارفا، كما لا يمسى عاقلا. والكلام في المعقولات غير الكلام في جواز الإطلاق على الله [في السمعيات].
قال الإمام: (فصل- لم ينكر من يبالي به من العقلاء أصل العلوم) إلى
[ ١ / ٣٨٨ ]
آخر الفصل. قال الشيخ: هذا الذي ذكره الإمام ظاهر، لا مزيد عليه،
[ ١ / ٣٨٩ ]