وهؤلاء لا يفتقرون إلى إثبات الكلام لله - ﷿ -. وقال قائلون: مدلولها كونه مصدقا، وهو الصحيح. فإنه قد ادعى واستدعى من الله تعالى ما يدل الخلق على صدقه، فيفعل فعلا مطابقا لدعواه، ليقوم مقام قوله: صدق. فلابد على هذا من إثبات الكلام الصدق.
وقوله: (ولو خرق الله تعالى العادة بإظهارها على أيدي الكذابين، لانسلت العلوم عن الصدور). قال الشيخ: هذا كلام حسن، وذلك أن الأدلة العقلية والسمعية يترتب العلم [فيها] على استتمام النظر في الدليل.
وأما العلم المترتب على قرائن الأحوال، فلا سبيل إلى ضبطها حتى يحصل من ضبطها ترتب العلم عليها. وهذا كالعلم المترتب على خبر التواتر، والشبع المترتب على الأكل، والري الترتب على الشرب. وكذلك كل علم
[ ١ / ٤٧٨ ]
مترتب على أساس غير مضبوطة. وإنما يستدل على جريان السبب بكماله بالعلم المترتب عليه. فإذا ظهرت المعجزة، وحصل العلم بصدق المدعي، أمنا من كونه كاذبا، لحصول العلم بصدقه.
فإذا أظهرها الله تعالى على أيدي الكذابين، لم يخلق العلم المترتب عليها. وكذلك القول في الخبر المتواتر الذي يترتب العلم عليه، فإن كانوا كذلك، أو كان فيهم (٣٣/أ) كاذب، لم يخلق الله تعالى له العلم بالصدق.
قال الإمام: (ونقول بعد هذين الأصلين: الأصل في السمعيات: كلام الله
[ ١ / ٤٧٩ ]
[تعالى]، وهو مستند قول [الرسول - ﵇ -]) إلى قوله (فمنها تلقي الكتاب، والأصل الكتاب). قال الشيخ: قوله: الأصل في السمعيات كلام الله. قد تقدم الكلام قبل هذا على أنه لا حاكم على الحقيقة، باعتبار الشرع إلا الله - ﷿ - فالحكم يرجع إلى كلام الله القديم. وإذا قلنا: أمر الرسول، أو القاضي، فبمعنى أنهم يبلغون أحكام الله - ﷿ -، لا أنهم مستبدون بحكم من قبل أنفسهم. فإذا جردوا النظر، وميزوا الحكم، بان أن الحاكم هو الله تعالى خاصة، وإن نظروا إلى المبلغ المعرف، فهو الرسول خاصة، فإن الله تعالى إنما علمنا أحكامه بواسطة الرسل، ولا حاكم إلا الله، ولا مبلغ إلا الرسول - ﵇ -.
[ ١ / ٤٨٠ ]
قال الإمام: (وأما الإجماع فقد أسنده معظم العلماء) إلى قوله (عنينا به المتواتر النص الذي ثبت أصله وفحواه قطعا). قال الشيخ - ﵁ -: قوله: إن الآية ليست على مرتبة الظواهر. اقتصارا على الدعوى من غير أن يبين الوجه في ذلك. ولكن تقرير خروجها عن الظواهر من وجوه:
أحدها- أن (غير) لا تتعرف إلا بالإضافة إلى معرفة، إن تعددت الأغيار، باتفاق من أئمة اللسان.
وإن انضبطت القسمة، فقد قال بعضهم: إن الإضافة في هذه الصورة إلى المعرفة تقتضي تعريفا، كقوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾.
[ ١ / ٤٨١ ]
وهذا هو اختيار ابن السراج. وأطلق آخرون القول بأن (غير) لا تتعرف بالإضافة. وهذا القول أقرب إلى العربية من جهة أن التعيين لم يأت من جهة الإضافة، وإنما جاء من الحصر، حتى أن من لا يعرف الحصر لا يدله اللفظ على التعيين. فإذا ثبت ذلك من المذهبين، فـ ﴿غير سبيل المؤمنين﴾، لا تتعرف بهذه الإضافة، إذ الأغيار هاهنا كثيرة: من الكفر والشقاق، والخروج على الأئمة، والمخالفة في الأحكام، وارتكاب محرمات الشريعة، إلى غير ذلك.
[ ١ / ٤٨٢ ]
وقد جاء النبي - ﵇ -: (من غشنا فليس منا). و(سباب المؤمن فسوق، وقتال كفر). و(من حمل علينا السلاح فليس منا). فهذه كلا غير سبيل المؤمنين.
الوجه الثاني- أنه قال: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين﴾. فهل الجملتان [شرطا جزاء]، أو كل واحدة شرط مستقل، ويكون الكلام اشتمل على ذكر أحد الجملتين، ولم يذكر جزاء الأخرى لدلالة الكلام عليه؟ فعلى التقدير الأول، لا يكون في [الآية] تعرض لمخالفة أهل الإجماع على انفرادها، وإنما يكون فيها ظهور على التقدير الثاني.
الثالث- هو أن سياق الآية يدل على أنه أريد بغير طريق المؤمنين، ما يرجع إلى المناصرة والمعاضدة والجهاد وإعلاء كلمة الإسلام. فإن الآية إنما سبقت لهذا الغرض، فإن لم يكن ظاهرا، فهو محتمل، على أن أقصى الممكن فيه تسليم ظاهره. ولا يصح (٣٣/ب) الاستدلال على القطعيات بالظواهر، فإن الظاهر ملتحق في محل طلب العلم بالمجملات.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وأما ما ذكره الإمام هاهنا، فإن ذلك يتضمن استقصاء مسائل الإجماع، وهذا له كتاب تام، فليؤخر إلى موضعه. وبقية الكلام قد تقدم.
قال الإمام: (وما ذكرناه من الخبر عنينا به: التواتر النص). قد تقدم أيضا الكلام على ذلك، ووجه الاشتراط، واختلاف الأصوليين في الاحتراز بهذه القيود، والإضراب عنها.
قال الإمام: (وأما الخبر الواحد) إلى قوله (طريق نقله أو مستند إليه). قال الشيخ أيده الله: قد تقدم الكلام أيضا على هذا. وهل يقطع بالعمل عند خبر الواحد، أو يظن الحكم بمقتضاه؟ بما يغني عن الإعادة.
وقوله: (وما عداه طريق نقله). يعني الكتاب والسنة جميعا، فإنه إذا
[ ١ / ٤٨٤ ]
دل على كلام نفسه بألفاظ تتلى، سمي كتابا، وإن كان بلفظ لا يتلى، سمع من الرسول - ﵇ - سمي سنة، والمستند إليه هو الإجماع.
قال الإمام: (فهذا بيان العقلي المحض) إلى قوله (وإلا فليس في حقيقة
[ ١ / ٤٨٥ ]
النظر العقلي المفضي إلى العلم تفاوت). قال الشيخ: هذا الكلام من الإمام أورده حكاية عن الأصوليين، وإلا فمذهبه أن العلوم ضرورية. والضروري لا يقبل الاستدلال.
[ ١ / ٤٨٦ ]
وقولهم: تدل لأنفسها. كلام متجوز به، فإن العدم قد يدل ولا نفس له، وإنما يعنون بذلك: وجوب الارتباط عقلا.
واعتذار الإمام عندما حكم بكون العلوم ضرورية في سبب التفاوت في الإدراك، فإن الشيء قد يحوج إلى مزيد تدبر، كيف يفتقر في الضروري إلى تدبر؟ فإن قال قائل: التدبر يرجع إلى النظر، فقد بينا أن النظر على أصله لا يتأتى.
وأما الوجه الثاني من تعدد الرتب، بكأنه يقول: لا بعد في اشتراط الترتيب في العلوم الضرورية، ويكون الترتيب فيها لابد منه. قلنا: يلزم على
[ ١ / ٤٨٧ ]