قال الإمام: (مسألة: اختلف أرباب الأصول في مأخذ اللغات. فذهب قوم إلى أنها توقيف من الله تعالى) إلى قوله ([وإذا احتمل الكلام الأمرين، لم يكن فيه حجة]). قال الشيخ: قد تردد الناس في البحث عن هذه المسألة، هل لها تعلق بأصول الفقه، أو لا فائدة فيها؟ والصحيح عندنا أنه لا فائدة
[ ١ / ٥٠٨ ]
فيها، وذلك أن كل أمر يستوي العلم به وعدمه، بالإضافة إلى حصول أمر آخر، فلا حاجة إلى علمه في تحصيل مطلوبه. وقد بينا أن الاحتياج إلى معرفة اللغة العربية، إنما احتيج إليه بالإضافة إلى فهم الأحكام، وقد أمرنا الله تعالى بتنزيل أحكامه على ما نفهمه من اللغة العربية، إلا أن يثبت للشرع تصرف في بعضها، فيجب التنزيل على ما قرره الشارع من اللغة. على ما سيأتي مفصلا، إن شاء الله تعالى.
وإذا (٢/ب) كان كذلك، [فمفهومها لا يختلف، سواء كانت]
[ ١ / ٥٠٩ ]
اصطلاحا أو توقيفا. ولذلك قال بعض الأصوليين: الكلام عليها في الإطلاق وامتناعه. وهذا كإطلاق زيد قاتلا مثلا، وكون الخمر محرمة، مع قضاء العقول بأن مزهق الأرواح من الأشباح هو الله سبحانه. وأن الأعياد لا تكون متعلق التحريم. فإن كانت توقيفا من الله تعالى، استحال أن يكون الوضع لإزهاق الروح على التحقيق، بل إنما يكون معنى قتله، أي فعل عنده [فعلا] يحصل عنده الموت، أو يكون القتل عبارة عن زهوق النفس، فيكون قولنا: قتل زيد تجوزا. كما قال تعالى: ﴿وسئل القرية﴾. فإنه لا يقال في هذا إنه جعل القرية اسما للأهل، بل للقرية، وأضمر الأهل. فإن كانت اللغة اصطلاحا،
[ ١ / ٥١٠ ]
أمكن الغلط على الواضع في المعقولات، كما وقع للمعتزلة. وأمكن أيضا أن يكون عالما بالمدلولات، فيكون الاصطلاح على هذا التقرير كالتوقف.
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض من ينتمي إلى [أصحابنا]) إلى قوله (لا يجري هذا في محل النزاع قطعا). قال الشيخ: هذه المسألة يحتاج إليها في الأصول، فإنه إذا ثبت عموم الاسم بطريق القياس اللغوي، اندرجت
[ ١ / ٥١١ ]
المسميات تحت العموم، ولم يحتج إلى القياس وشرائطه، حتى يكون قوله: حرمت الخمر، يتناول النبيذ. وكذلك اسم السارق يتناول النباش، فدخل تحت قوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
والأمر في التقدير على ما ذكره الإمام [بلا] مزيد. هذا إذا ثبت اختصاص اللغة في أصل الوضع، ولم يثبت طرد القياس في اللغات بحال، فإنا نعلم من مذهب العرب أنهم لا يلتزمون بطرد (٣٦/أ) الاشتقاق وإن كان الاسم مشتقا، لأنهم قد يأخذون المحل قيدا في التسمية، فيسمون الفرس أدهما،
[ ١ / ٥١٢ ]
لسواده، وكميتا لحمرته. والآدمي المتلون بذلك اللون أو الثوب، لا يستحق هذا الاسم.
فإذا لم [يطرد] ذلك في لغتها، بل وجد الانقسام، امتنع القياس مضافا إليهم. وإن أطلق المطلق اللفظ، ولم يسنده إلى لغة العرب، لم يمتنع منه. وأما أسماء الفاعلين والمفعولين، فقد ثبت عموم الاشتقاق منهم فيها، فلا يكون ذلك قياسا. بل ذلك وضع منهم، فثبت أن اللغة نقل كلها.
قال الإمام: (مسألة: في ألفاظ استعملها العرب، وجرت في ألفاظ
[ ١ / ٥١٣ ]