قال الإمام: (مسألة: السكران يمتنع تكليفه، خلافا لطوائف من الفقهاء) إلى آخر المسألة. قال الشيخ وفقه الله: هذا [الذي] ذكره الإمام في هذا الموضع، تعرض فيه لإثبات شرط زائد على تمكن الفاعل، وإمكان الفعل. فإن السكران قد يتمكن من الفعل، [ولكنه] غير متمكن من إيقاعه طاعة. وقد بينا أنه لا يشترط في التكليف التمكن من علم وجوب الفعل به. كما تقدم في وجوب النظر.
[ ١ / ٣٥٢ ]
ولكن مسألة السكران تخالف تلك، من جهة تصور القصد إلى النظر بحصول الفعل، والسكران لا يصح منه القصد إلى فعل. فبهذا تفترق المسألتان. والصحيح عندنا جواز ذلك. وقد بينا أن عدم فهم الخطاب لا يمنع التكليف، وقد استحال فهم الطلب في مسألة وجوب النظر قبل إكماله. والإمام ﵀ إنما جعل الاعتماد في منع التكليف على استحالة فهم الخطاب. وقد بينا أن المكلف لا يتصور أن يفهم خطاب الوجوب في النظر الأول على حال، ولا يعلمه إلا بعد تقضيه.
وأيضا فإن الجاهل بالأحكام جملته قد توجه عليه التكليف، وإن كان لا يفهم. وقد قررنا أن التمكن يقارن بالفعل، فهو على الحقيقة لا يفهم، ولا يتمكن من الحال، والتكليف متوجه من غير إشكال. فثبت بذلك أن الفهم غير
[ ١ / ٣٥٣ ]
مشترط في توجه التكليف من جهة العقل. وهذا يحقق صحة تكليف السكران من جهة العقل.
وأما وقوع تكليف السكران، فغير مقطوع به نفيا ولا إثباتا، والظاهر عندنا تكليفه. وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾. وهذا خطاب مع السكران، وقد تؤولت الآية على وجهين:
أحدهما- أنه قيل: هذا خطاب مع المنتشي الذي ظهرت منه مبادئ النشاط والطرب، فإنه قد يستحسن فيه من الانبساط ما لا يتم معه مقصود الخشوع، فهو تسمية ما يؤول إليه، وهو منساغ.
[الثاني-] وقيل: لم يرد بذلك النهي عن الصلاة مع السكر، وإنما أريد به الإفراط في الشرب عند وقت الصلاة، وكأنه قيل: لا تشرب فتمتنع عليك الصلاة، وأضيف النهي إلى الصلاة تجوزا. وهذا كما يقال: لا تقرب
[ ١ / ٣٥٤ ]