سنذكره في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة.
والعمدة في الباب على جواز التكليف بالنظر إلى مقتضى العقول، من غير اعتبار هذه الشروط، واستقراء الواقع في الشرع. فقد ثبت ذلك بوجه مقطوع به، كما في صوم النائم وصلاة الغافل في أثنائهما، وتوجه التكاليف على من استفزه الهوى وأغفلته شهوة المعصية. وقد ثبت ذلك بوجه مظنون، كما في السكران وصوم المغمى عليه، فإن هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، فيقضي كل مجتهد بما غلب على ظنه. والله الموفق للصواب.
قال الإمام: (مسألة: المكره لا يمتنع تكليفه، لإمكان الفهم والامتثال) إلى آخر المسألة. قال الشيخ - ﵁ -: المكره يطلق على وجهين: يطلق على
[ ١ / ٣٥٧ ]
المضطر الذي لا قدرة له، ولا تمكن في حقه. وهذا غير مكلف بفعل مأمور، ولا بترك منهي، إما عقلا عند قوم، وإما شرعا عندنا. ويطلق على من لم يخل ودواعيه، بل حركت دواعيه من خارج. وهذا القسم هو الذي فيه الكلام.
ومذهب أهل الحق صحة تكليفه بفعل المأمورات وترك المنهيات. ومنعت المعتزلة التكليف على وفق الإكراه، وجوزوا التكليف على خلاف
[ ١ / ٣٥٨ ]
الإكراه، فإذا أكره على قتل مسلم، كلف ترك القتل. وإلزام القاضي صحيح على مقتضى الأصول. فإن المعتزلة والقاضي متفقون على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا. وأراد القاضي أن يبين أن الإكراه لا يصير الفعل واجبا من جهة العقل، بدليل عقلي، وآخر شرعي:
أما العقلي: فهو أنه يمكنه الانكفاف، ولو كان الإكراه يصير الفعل حتما، لكان الانكفاف مستحيلا.
الثاني: وهو الشرعي، أنه لو تحتم الإيقاع بسبب الإكراه، لاستحال التحريم في توجه التحريم بالاتفاق، [مما] يدل على بقاء الإمكان. وإذا تحقق الإمكان، صح التكليف.
والمعتزلة ثبتت على أصولها في اشتراط انضمام شرط آخر إلى الإمكان، وهو استحقاق الثواب [مع] [امتناع] التكليف. (١٨/ب) وهذا من
[ ١ / ٣٥٩ ]
تحكماتهم الباردة؛ ولا يمتنع التكليف من غير إثابة، ولا يمتنع أن يثيب لله المكره إذا فعل.
وقد وجه أبو احمد أشكالا على من يقول: يصح التكليف مع الإكراه. وتلخيص سؤاله أن قال: المكره لا يخلو: إما أن يقدم بباعث السيف، فلا يكون فعله طاعة، أو يقدم بباعث الأمر خاصة، بل كان يفعله لو أكره على تركه، فلا يكون مكرها. ثم قال: فلينتبه لهذه الدقيقة. ومقصوده أنه لا يصح أن يكون مكرها مطيعا، فيخرج منه أن لا يكون مكلفا مطيعا. وهذا زلل. وإذا تحقق الإمكان، تصور التكليف. فإن كانت النية شرطا، وجب الإتيان بها. وإن فقدت، بكل العمل، لا لاستحالة التكليف، بل للإخلال بشرطه. وإن لم تكن النية شرطا، حصل المطلوب، وإن لم يكن الفاعل مكرها. كما لو أكره على رد الغصب والودائع، وقضاء الديون بأنواع العذاب. فلا حاصل لما ذكره هذا الإنسان.
[ ١ / ٣٦٠ ]
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أصحاب أبي حنيفة إلى أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة) إلى قوله (ما لم يقدم رفع الحدث عليها). قال الشيخ وفقه الله: ظاهر مذهب مالك ﵀ كما حكي عن أصحاب أبي حنيفة، وعندنا قول ليس بمشهور: أنهم مخاطبون.
[ ١ / ٣٦١ ]
وأما الذين فصلوا من العلماء، فالسبب عندهم في الفرق، أن المنهيات يكتفى فيها بمجرد الكف دون النية، وذلك متأت من الكفار. وأما المأمورات، فمفتقرة إلى نية التقرب، وذلك لا يتصور من الكافر. وهذا خيال ضعيف. فإنه وإن تصور منهم مجرد الانكفاف، تصور منهم أيضا صورة الطاعة. وكما استحال منهم القصد مع الكفر، استحال منهم فهم التحريم مع جحود المحرم، فلا وجه لهذه التفرقة.
وما ذكره الإمام من تقسيم الكلام إلى الجواز والوقوع، حق لا مزيد عليه. وتلخيص القول: أنه لو فرض الخطاب بإقامة الفروع، لكان خطابا بتصحيح
[ ١ / ٣٦٢ ]
الفروع، وذلك ممكن ممن لا يعتقد الصانع المختار. معناه: أن الفاسد غير مأمور به، وإنما يؤمر بالفعل الصحيح. والفعل الصحيح مع الكفر مستحيل، فلا يمكن إلا الفاسد، وهو غير مأمور به. فالممكن ليس مأمورا به. وما يقدر مأمورا به لا يمكن. فلا يتصور الأمر على هذا إلا بتقديم الإيمان. وإذا حصل، صح الأمر بالفروع. هذا تقرير الشبهة. والجواب بالنقض لازم.
ونحن نذكر حقيقة النقض، وما ينفع منه في الدين والجدل، وما يفيد في القواطع والمظنونات، وما لا ينفع في واحد منهما، وما ينفع منه في المظنون دون المقطوع به.
[ ١ / ٣٦٣ ]
فالنقض في وضع اللغة: مأخوذ من تفريق الأجزاء، وإفساد البنية، ومنه قوله تعالى: ﴿كالتي نقضت غزلها﴾. ويقال: نقضت البناء. وهو عند الأصوليين يرجع إلى وجهين: انتقاض الأدلة، وانتقاض العلل، وكلاهما يرجع إلى بيان حال الربط الذي ادعاه المستدل أو المعلل ببيان الافتراق بينهما في الوجود. وهذا قد يكون قادحا، وقد لا يكون قادحا. والذي ينتفع به في القطعيات قسم واحد، (١٩/أ) وهو أن تكون المسألة الناقضة مقطوعا بحكمها. ويقطع [القاطع] بمساواة المنقوضة لها مع امتناع الاستثناء عليها. فإذا اجتمعت هذه الشروط، قطع بمساواة حكم المنقوضة لحكم الناقضة.
وهذه المسألة من هذا القبيل، فإن الأمة مجمعة على ثبوت التكليف بالإيمان بالله - ﷿ - وبرسول، وإن كان ذلك لا يمكن إلا بتقديم النظر. وكذلك المحدث مأمور بالصلاة، وإن كان لا يتأتى منه إقامتها دون تقديم رفع الحدث عليها. فعلم بذلك، وهو قاطع، أن تقديم الشرط غير مشروط في تحقيق التكليف بالمشروط قبل وجود شرطه. وأما بقية أقسام النقض، فسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليها في باب النقض. وإنما ذكرنا [ههنا] ما تمس الحاجة إليه الآن.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وجواب آخر: وهو أنا بينا أن الإمكان لا يتشرط عقلا في تصور التكليف، بدليل ما أسلفناه.
ولو سلم ذلك، فليس المراد بالإمكان اقتران القدرة بالمقدور، وإنما المراد بذلك أن يكون الفعل من قبيل الممكنات لمن كلف به في الاعتياد، بحيث تتأتى منه داعية الإقدام والإحجام، والمكلف يتأتى منه القصد إلى إقامة الفروع بتقديم شروطها. فإن امتنع من تقديم الشرط عد مخالفا. وهذا أمر بين عند العقلاء. والعبد المأمور بشراء حاجة من مكان بعيد، يعلم أن سيده أمره بالشراء، وإن كان لا يتأتى منه ذلك دون الوصول إلى مكانها. ولا يقال: إنه لا يكون مأمورا بالشراء إلا بعد الوصول، وهذا إنما اتخذ السير وسيلة إلى تحصيل الواجب، فإذا لم يجب شراء البتة. ولو استحال التكليف بالمشروط قبل حصول الشرط، لم يجب أيضا الإيمان بالله، ولا النظر في الأدلة، إذ شرط ذلك القصد، فلا يكون الخلق مطالبين إلا بالقصد خاصة. فأما الإيمان بالله ورسوله، فلا يتوجه على الكفار أمر به. وهذا خلاف دين الأمة قطعا.
وكذلك القول في الصلاة باعتبار الطهارة، ولا يكون الإنسان أيضا مأمورا
[ ١ / ٣٦٥ ]