بالطهارة عند من يشترط النية، بل بالنية على الخصوص. ثم لا يصح أن يقصد الإنسان إلى إيقاع علم على وجه الطاعة يعلم أنه لم يؤمر به. والنية قصد يتبع العلم. فإذا علم، انتفى التكليف بالطهارة. كيف يتصور أن يقصد إلى الامتثال من يعلم أنه لم يتوجه عليه أمر؟ هذا محال لا شك فيه.
قال الإمام ﵀: (التحقيق في ذلك كله عندي أن الكافر
[ ١ / ٣٦٦ ]
يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة) إلى قوله (فهذا هو الكلام في طرف الجواز). قال الشيخ - ﵁ -: ما ذكره الإمام في هذا الموضع، كلام فيه لبس، وهو قوله: والذي أراه أنه يستحيل أن يخاطب الكافر في حال كفره بإنشاء فرع على الصحة. وهذا الكلام يصح على وجه، وهو أن يقال له: أوقعه صحيحا مع كونك كافرا، ويجعل كفره شرطا في كونه مطلوبا بالعمل، فإن ذلك لا يعقل. فأما أن يصادفه التكليف بالصلاة الصحيحة مع كونه كافرا، فإن ذلك غير مستحيل، بدليل ما قررناه قبل من المعقولات والأمثلة المعتادات.
[ ١ / ٣٦٧ ]
ولكن هذه المقالة بناها الإمام على قاعدة له سيأتي بيانها، وهو أن الأمر بالشرط لا يتحقق (١٩/ب) أنه أمر في الحال. وإذا كان الشرط عنده مفقودا، علم نفي الأمر. وبنى على ذلك مسائل كثيرة في الأوامر ومسائل النسخ. وأنه إذا ورد المانع من الفعل، تبين أنه لم يكن مأمورا على حال. وهذا غلط عند أهل التحقيق، كما قررناه فيما مضى. وعلى ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى.
ثم أفضى به الأمر إلى إثبات العقاب على ترك المشروطات من غير تكليف بها على حال. والأمة مجمعة على أن لا عقاب إلا على العاصي،
[ ١ / ٣٦٨ ]
وإن كان الله تعالى يتفضل بإثابة من لم يطعه، كالمظلوم يؤخذ ماله وعرضه. إلا أنه تعالى قد تفضل بأنه لا يعاقب إلا من عصاه. وقد يتفضل بترك العقاب بعد المعصية. ولا يشذ عن هذا الأصل إلا مسألة واحدة، اختلف الناس فيها على مذاهب كثيرة، وهم أولاد المشركين. فأما ما سوى هذه المسألة، فمجمع عليها بين علماء الأمة.
قال الإمام: (فإن قيل: إن ثبت لكم الجواز على تأويل التوصل وفرض العقاب) إلى قوله (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله لا يعفو عن الكفار). قال الشيخ - ﵁ -: ما ذكره القاضي ﵀ من كون المسألة مظنونة،
[ ١ / ٣٦٩ ]
كلام صحيح، والأدلة القطعية مفقودة من الجانبين. والمسألة من مسائل الفروع، وليست من مسائل الأصول بحال. إذ ليس النظر فيها متعلقا بأدلة قطعية، [وإنما] فيما يصح أن يكون أمارة، فهي بمجال الفقه أجدر. ولكن الأغلب على الظن عندنا أنهم غير مكلفين بالفروع. ويدل عليه أمران: نقلي وفقهي.
أما النقلي: فلما روي في الحديث الصحيح: أن النبي - ﷺ - أرسل بعض رسله إلى قوم من المشركين وقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أجابوا، فأعلمهم أن الله أوجب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة). فجعل الإعلام بالفروع بعد الإجابة إلى الإسلام.
[ ١ / ٣٧٠ ]
وأما من جهة المعنى: فطلب الفروع [يكون لإيقاعها]. والإيقاع مع الكفر متعذر، وإذا قدم الإسلام، فإن كانت أوقات الفروع قائمة، استقبل المكلف الفعل، لتوجه الخطاب عليه في الحال. فإن فاتت أوقاتها، فالإسلام يمنع من التدارك. فأي حاجة إلى تحقيق التكليف ثم الحكم بالسقوط؟ فهذه الفروع لا تفعل في حال الكفر، ولا تقضى بعد الإسلام. فكان الظاهر أنهم لم يخاطبوا بها، إذ لا يحصل منها مقصود التكليف. وهذا واضح، فإنا لم نقطع بذلك، لاحتمال أن يكون التكليف تظهر فائدته في الآخرة عند الموت على
[ ١ / ٣٧١ ]
الكفر في مضاعفة العذاب. وهذا بعيد، فإن المقصد الأصلي من التكليف الطاعة بالفعل. وقد بينا أن هذا ممتنع في [حق] الكفار في حال الكفر وبعد الإسلام. فكان الظاهر عندنا نفي التكليف بالفروع.
وقوله: (والذي أراه أن الكفار مأمورون بالتزام الشرع جملة، والقيام بمعالمه تفصيلا). [فيه] اقتصار على نفس المذهب، معرى عن الدليل. وأما وجوب التوصل، (٢٠/أ) فقد بينا صحة التكليف من جهة العقل، وحققنا أن مقتضى مذهبه، امتناع التكليف بالوسائل عند العلم بعدم وجوب المتسول إليه.
والإيمان وجب [لا] لاعتبار كونه وسيلة عندنا، بل لأنه مقصود في
[ ١ / ٣٧٢ ]
نفسه. حتى لو علم الإنسان بوجه من الوجوه أنه لا يمكنه أن يفعل [شيئا] من الفروع، لكان الإيمان عليه واجبا.
وما ادعاه من القطع بأنهم معذبون في الدار الآخرة، دعوى القطع من غير برهنا، ولا أمارة ظنية.
وقوله: (والموصل إليه أنه قد ثبت [قطعا] وجوب التوصل). فمن العجب أن يجب التوصل إلى ما ليس بواجب. [وقوله:] (وتقرر في أصل الدين ومستفيض الأخبار أن الله تعالى لا يعفو عن الكفار فيما تعبدهم به).
[ ١ / ٣٧٣ ]