أضداد المأمور به) إلى قوله (فلم [يستقم] الحكم بأن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: أكثر المتكلمين صاروا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وهو المنصور للقاضي وغيره من الأئمة. وهم إنما يقضون بذلك باعتبار الكلام القائم بالنفس. وما ذكره الإمام عن القاضي، فلم أره له صريحان وإنما قد يشتمل كلامه على ذلك تلويحا.
[ ١ / ٦٩٣ ]
وأما المعتزلة، فهم متفقون على نفي كلام النفس، صائرون إلى [أن] الكلام هو العبارات، فلم يكونوا أن يقولوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده.
فإن الألفاظ مختلفة لا مراء في اختلافها، فقالوا: إنه يقتضيه ويتضمنه، وليس يعنون بذلك إشعارا لغويا، وأمرا لفظيا فقط، فإنه لو كان كذلك، لأمكن أن يأمر بالشيء من لا ينهي عن ضده. ولكن القوم قد قالوا: الأمر: قول القائل لمن دونه: (افعل) مع إدارات. على حسب ما قدمناه من مذاهبهم.
ومريد الشيء عندهم لا بد أن يكون كارها لضده، فلزم أن يكون الآمر بالشيء ناهيا عن ضده، فيكون في اللفظ إشعار بصيغة أخرى، وفي الشرط تلازم باعتبار المعقول. هذا تفصيل مذهب القوم وتحصيله.
ولم يذكر الإمام مستند من قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، واقتصر في الرد عليهم على دعوى الضرورة، ونسبة القوم إلى مراغمة البديهة، وأن من خالفه سقطت مكالمته. وزعم أن هذا كاف. وكيف يرد على فحول النظار
[ ١ / ٦٩٤ ]
وجماهير المتكلمين في أمر استمروا عليه خلفا عن سلف بمثل هذا القول الباطل، والنسبة إلى الجحد الضرورة؟ (٢٤/ب)
ثم إنه حمل عليهم غير ما قالوه، وهو أنه قال: (من زعم أن القول القائم بالنفس الذي يعبر عن بـ (افعل) هو القول الذي يعبر عنه بـ (لا تفعل) سقطت مكالمته). والقوم لا يقولون هذا، وإنما يقولون: القول القائم بالنفس الذي هو (تحرك)، هو القول الذي هو (لا تسكن)، لا أنه القول الذي هو (لا تتحرك).
[ ١ / ٦٩٥ ]
وقد استدل القاضي على ذلك بما سنذكره. وذلك أنه قال: إذا اتحد الفعل، لم يتصور تعدد الطلب، إذا المحل لا يقبل الامتثال. والقائل إذا قال: (تحرك) فله مطلوب، وهي الحركة. وإذا قال: (لا تسكن)، فله مطلوب، وقد امتنع أن يكون مطلوبه السكون، فإنه هو المنهي عنه. فإذا تعذر أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، وقد تحقق الطلب، وطلب لا مطلوب له محال. وإذا ثبت ذلك، وامتنع أن يكون السكون مطلوبا، ولا درجة بين الحركة والسكون، وجب أن تكون الحكة هي المطلوبة. ولا يصح أن يكون نفي السكون مطلوبا، لا بالنظر إلى حد الحكم، ولا بالنظر إلى نفي تكليف المحال، إما عقلا وإما شرعا، فلا بد أن يكون المطلوب مما يصح فعله. ونفي السكون لا يتصور أن يكون فعلا بحال. نعم، الذي يصح أن يكون فعلا هو الحركة والسكون. وإذا بطل أن يكون
[ ١ / ٦٩٦ ]
(لا تسكن) طلبا للسكون، وجب أن يكون طلبا للحركة، التي هي ترك السكون.
ولهذا صار المتكلمون إلى أن النهي طلب الترك، والترك فعل على الحقيقة. وقرره أيضا بوجه آخر، وذلك أنه قال: قرب الحركة إلى جهة المغرب، هي بعينها بعد عن المشرق، وشغل الجوهر بحيز انتقل إليه، [عين] تفريغه للحيز المنتقل عنه. كذلك ههنا طلب واحد، هو بالإضافة إلى السكون نهي، وبالإضافة إلى الحركة أمر. هذا تقرير كلامه، وهو في غاية الصعوبة، والانفصال عنه غامض. على ما سننبه عليه في آخر المسألة، إن شاء الله تعالى.
وأما الذي حكاه عن القاضي أخيرا، من أنه ليس عينه، ولكن يقتضيه ويتضمنه. فهذا المذهب ضعيف، ولا صبر له على مأخذ الأدلة، فإنه على هذا الرأي يعترف بتعدد المتعلق، ثم يدعي وجوب الاقتران من جهة العقل بلا برهان. ولكن يمكن أن يكون مستنده في ذلك، من حيث الجملة، الالتفات إلى وجوب الوسائل، وتحريم الموانع، وهو لا يصح منه فعل الحركة، مع مانع السكون، فحرم السكون لأجل ذلك.
[ ١ / ٦٩٧ ]
وسنتكلم على هذه القواعد بعد هذان إن شاء الله تعالى. وهذا يتنزل على هذا الرأي منزلة الجوهر والعرض، لا يمكن انفصالهما بحال.
وقوله: (إنه يتنزل منزلة الحياة والعلم). ليس كما قال، فإنه لو كان كذلك، لجاز وجود أحدهما دون الآخر. وهذا مما لا يصير إليه القاضي بحال، لأن له مذهبين:
أحدهما- اتحاد الطلب، فكيف على هذا أن يكون آمرا بالشيء من لا (٢٥/أ) ينهي عن ضده؟
والمذهب الثاني- التعدد مع التلازم عقلا، فلا يصح أيضا الانفصال بوجه، فكأن هذا [يشبه] افتقار الجواهر إلى جنس [الأعراض].
[ ١ / ٦٩٨ ]
[قوله]: (فإن قيام الأمر بالنفس مشروط بقيام النهي). قال الشيخ: إذا ثبت له أن الآمر بالشيء، قد لا تخطر بباله أضداده من وجه، بطل المصير إلى اتحاد الطلب المتعلق بالحركة، الذي [هو] بعينه طلب ترك السكون، وبطل أيضا التلازم من جهة العقل، بين الأمر بالشيء وبين النهي عن ضده.
ولكن [المتكلمين] لا يسلمون هذا، ويقولون: لا يتصور أن يأمر بالحركة من هو ذاهل عن السكون، فإن معقول الحركة: استقرار الجوهر في حيز بعد أن كان مستقرا في غيره، ونفس الاستقرار في الحيز الثاني سكون فيه.
فمن سلم أنه قد يأمر بالحركة من لا يخطر له السكون؟
قال الإمام: (فإذا لاح سقوط المذهبين انبنى عليه ما هو الحق المبين عندنا) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: عمدته في المسألة على صحة طلب
[ ١ / ٦٩٩ ]
الحركة مع الذهول عن السكون. وقد قررنا أن ذلك ممتنع، وحاصله راجع إلى طلب الشيء مع الذهول عنه، وذلك مستحيل. نعم. قد لا تخطر بباله الجهات التي يقع السكون عليها، من نوم أو جلوس أو غيره. فأما الغفلة عن السكون (٥٦/أ) مع طلب الحركة، فمحال.
وأما قوله: (إنه إذا كان ذاكرا للأضداد عند طلب الفعل، فلا يكون قيام
[ ١ / ٧٠٠ ]
به). فهذا كلام مشكل، فإن هذا الكلام يفهم منه أن يكون الانكفاف عنها ذريعة إلى إيقاع حركة. وقد علم ضرورة أنه ليس بين السكون والحركة واسطة.
وما ذكره [من أن] (في تحقيق المسألة فرض مستحيل). لا يفيد،
[ ١ / ٧٠١ ]
فإن القوم إنما وضعوا كلامهم على اتحاد المطلوب، ورد التعبد إلى العبارات. فإذا تحد المطلوب، كيف يتصور فرض التعدد؟ هذا باطل لا شك فيه.
فإن قيل: فما الذي ترونه في ذلك؟ قلنا: الذي نختاره أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده، ولا يتضمنه. والدليل على ذلك: أن الطالب لحركة القيام، [مقصوده] حصوله، وإن كان لا يتصور حصوله إلا والقعود ينتفي حالة حصول القيام. فالنظر إلى مقصود الطالبين يحقق هذا التقرير.
وما ذكرناه في الاعتراض من أن التكليف لا بد له من متعلق، وانحصار الأمر في فعل الحركة أو نفي السكون إلى آخره، فالقسم صحيحة، وتخيل واسطة بين السكون والحركة محال. وكون السكون مطلوبا، باطل لا شك فيه، ورجوع التكليف إلى نفي السكون غلط، وليس نفي السكون فعلا، حتى يتعلق به التكليف.
[ ١ / ٧٠٢ ]
ولكن وجه الجواب أن طالب الحركة (٢٥/ب) قد يتفق أن يطلبها من جهة كونها شغلا لحيز، غير الحيز الأول، وقد يطلبها من جهة كونها تفريغا للحيز الأول. فإن طلبها من جهة كونها شغلا لحيز آخر، فقد تضمن ذلك [إثباتا]. فيعبر عن ذلك الطلب بكونه أمرا. فإن طلبت من جهة كونها تفريغا للحيز الأول، عبر عن ذلك بأنه طلب ترك أو نهي، ويفرق بذلك حرف النهي، ليشير إلى أنها طلبت من جهة ما يقاربها من نفي السكون. هذا هو الفرق، فلا يتعلق التكليف إلا بأفعال المكلفين. وقد حد النهي بأنه: طلب [ترك]، والترك فعل على الحقيقة. ولا يتصورها غير هذا.
فأما أن يجعل الترك للسكون ذريعة إلى تحصيل الحركة، فهذا محال، إذا يوجب إثبات واسطة بين الحركة والسكون، كما تقدم تقريره. والالتفات إلى
[ ١ / ٧٠٣ ]