فإن فرض شخص لم يستول عليه شيء من هذه الأوهام، لم يسلم أن عقله يرشده إلى الترجيح على حال.
(شبهة أخرى- فإن قالوا: البراهمة مع [إنكارها] الشرائع قبحت وحسنت) إلى قوله (وقد اشتمل كلامنا على تسليم ذلك). قال الشيخ - ﵁ -: هذا الكلام واضح، لا يفتقر إلى زيادة، وبسطه المسلك السابق.
قال الإمام: (مسألة: ترسم بشكر المنعم: لا يدرك وجوب شكر المنعم
[ ١ / ٣٠٧ ]
بالعقل عندنا) إلى قوله (فكيف يقضي العقل بوجوب؟). قال الشيخ وفقه الله: قد تقدم [الكلام] على الشكر، وأنه يرجع إلى الثناء على المنعم بذكر آلاء المنعم وإحسانه. وقد قضى المعتزلة بوجوب ذلك عقلا، وجعلوه من مواقع الاستدلال.
وفي الشكر مسألتان: إحداهما-[حسنه]. وهذا عند القوم واقع في قسم الضروريات المدركة بضرورات العقل. والثانية- وجوبه عقلا، وهو الذي يتوصل إليه بالنظر العقلي. وإنما منعهم من القضاء بالوجوب ضرورة، تعذر كل حسن، فإن ذلك مناقض لأحكام العقلاء في العادات، وهو مستند القوم فيما يحسنون ويقبحون، فلذلك قضوا بأنه لا يدرك إلا نظرا.
وقد أشار الإمام إلى أصل الاستدلال، ولكن لم يأت بالكلام على وجه مضبوط.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وتحريره أن نقول: لا [يخلو]، إما أن يوجب الشكر لفائدة، أو لا لفائدة، (١٢/أ) ومحال أن يوجبه لا لفائدة، فإن ذلك عبث وسفه. وإن كان لفائدة، فلا [يخلو]، إما أ، ترجع إلى الشاكر أو إلى المشكور. ومحال أن ترجع إلى المشكور، فإنه يتعالى ويتقدس عن الأغراض، وقبول المنافع والمضار، فلم يبق إلا أن ترجع إلى الشاكر، ومنفعة الشاكر إما نفع أو دفع، إما في العاجل وإما في الآجل، فلا منفعة له في الدنيا، بل يتعب نفسه، ويتعرض إلى الآلام والأسقام، ولا منفعة له في [الآجل] باعتبار العقول، لأن الثواب تفضل من الله تعالى يعرف بوعده، فإذا لم يخبر عنه، من أين يعلم أنه يثيبه؟
قال المعتزلة: نسلم أنه لا فائدة له في الدنيا، بل فائدته في الآخرة، فإنه يفيد الشاكر الثواب الجزيل في [الآجل]، والعقل قاض باحتمال التعب
[ ١ / ٣٠٩ ]
العاجل لارتقاب النفع [الآجل] المربي على التعب المحتمل.
أجاب الإمام بأن قال: (كيف يدرك [العاقل] ذلك بالعقل؟ ومن أين يعرف العاقل هذا؟ والمشكور يقول: لا يجب على نفعك ابتداء، وما نفعتني فأعوضك. فإن قيل: يدرأ الشاكر بالشكر العقاب المرتقب على ترك الشكر. قلنا: كيف يعلم ذلك؟ والكفر والشكر سيان في حق المشكور.
فإن قيل: إن لم يقطع بالعقاب، لم يأمنه. قلنا: إذا تحقق استواء الأمرين، فارتقاب العقاب على ترك الشكر كارتقابه على فعله، ولا يبقى بعد ذلك [مضطرب].
ومما ذكره الأستاذ في مفاوضة له [أن] قال: الشاكر متعب نفسه،
[ ١ / ٣١٠ ]
وهو ملك خالقه، فقد يتوقع على تنقيص ملك المالك من غير إذنه فيما لا ينتفع [به] المالك عقابا). هذا من الأستاذ ﵀ إلزام عظيم على أصول المعتزلة، فإنهم يبنون أمرهم على التحسين والتقبيح. والتصرف في ملك الغير قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن في الشكر، فتعاطيه قبل الأمر به، تصرف في الملك من غير إذن المالك.
فلئن استروحوا إلى الشاهد في استحسان الشكر وقبح الكفر، فذلك مسلم، لأنهم يهتزون للشكر ويغتمون للكفران، والله تعالى يستوي في حقه الأمران، فالمعصية والطاعة في حقه سيان، بل يصح أن يكون الرب ﷾ يمنع مما يرتاح به عباده، إجلالا وتعظيما.
وعبادة العباد لا يتأثر بها الباري ﷾ على حال، فهو بمثابة من أراد التقرب إلى السلطان بتحريك أنملته في زاوية حجرته، فإنه مستهين بنفسه،
[ ١ / ٣١١ ]
مزر على عقله. وعبادة [الخلق] أجمعين كذلك بالإضافة إلى الله تعالى.
الثاني: أن شكر العباد بأجمعهم ناقص بالإضافة إلى جلال الله تعالى وعظمته وكبريائه، قال الله سبحانه: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾. ومع هذا، فكل من أثنى على الله، فثناؤه قاصر. قال رسول الله - ﷺ -: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك). لاسيما وقد منه في الشرع من إطلاق بعض كلمات المدح، كالعقل والشجاعة، وإن وصف بالعلم والكرم والقدرة.
قال الإمام: (وللخصوم مسلكان: أحدهما- التعلق بتعاقل العقلاء شاهدا) إلى قوله (والرب سبحانه [يتعالى] عن قبول النفع والضر كما سبق). قال
[ ١ / ٣١٢ ]
الشيخ أيده الله: (١٢/ب) ما تمسك به المعتزلة في هذه المسائل هو قياس في المعقولات. وقد اختلف الناس، هل يجري القياس في المعقولات؟ على ما سيأتي الكلام فيه، إن شاء الله تعالى.
والمعتزلة ينكرون ذلك، ثم يتمسكون في المعقولات بأقيسة، مع عروها عما يعتبر في القياس العقلي من الجوامع العقلية. على ما سنبينه بعد ذلك، إن شاء الله تعالى. والذي يختص بهذا المكان أنه يرد عليه أوجه من الاعتراض:
أحدها- منع حكم الأصل. فإنا لا نسلم اتفاق العقلاء على وجوب الشكر لكل منعم، لا قبل ورود الشرع ولا بعد وروده.
الثاني- فساد وضع القياس. فإن هذا النوع من القياس لا يجير في المعقولات.
[ ١ / ٣١٣ ]
الثالث- الفرق بما ذكره الإمام. وقد فرق بفرق صحيح وكلام بالغ.
الرابع-[النقض]، فإن الله تعالى قد تحسن منه أمور لا تحسن من الخلق لو فعلوها. وذلك أن السيد لو ترك عبيده [وإماءه] يزنون ويرتكبون الفواحش، وهو مطلع عليهم، عالم بهم، قادر على منعم، ولم يمنعهم، لعد ذلك قبحا. وقد فعل الله بعبيده، ولم يقبح منه.
فإن قيل: تركهم لينزجروا بأنفسهم، فيستحقون الثواب. قلنا: قد علم أنهم لا ينزجرون، فليمنعهم كرها، فكم من ممنوع من الفواحش بعنة وعجز، فذلك [أولى] من تمكينهم مع العلم بأنهم لا ينزجرون.
قال الإمام: (والمسلك الثاني- في توقع العقاب) إلى قوله (مع قيام البرهان القاطع الذي أقمناه على مخالفتهم). قال الشيخ - ﵁ -: وجه تقرير
[ ١ / ٣١٤ ]