وإنما يتباين من الوجهين) إلى آخر المسألة. هذا الكلام واضح، لا يحتمل أكثر من هذا.
قال الإمام: (مسألة: في تأخير البيان) إلى قوله (ولو بين لهم أولا لفسدوا). قال الشيخ: اختلفت مذاهب المعتزلة في تأخير البيان إلى وقت الحاجة. فمنهم من منع ذلك عموما، ومنهم من فرق بين العام والمجمل، فقال: يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل منه تجهيل، ولا يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من إلباس. ومنهم من عكس ذلك، وقال: يجوز تأخير بيان العموم، لما فيه من أصل الفائدة. بخلاف المجمل، فإن وروده لا فائدة فيه بحال. ومنهم من جوز في الأحكام، لقبولها النسخ، وهو عندهم يرجع إلى
[ ١ / ٤٩٩ ]
البيان، دون الوعد والوعيد.
والقول الحق يقتضي جواز تأخير [الجميع]. والقوم منعوه [بناء] على قواعد التحسين والتقبيح. [هذا] تقرير مأخذ [الخصم] والاعتراض عليه. ولا يحصل من مثل هذا علم، إلا أن يثبت بالبرهان انحصار المأخذ، ثم يبطل ذلك، فيحصل منه أن الحاكم متحكم، ولكن لا يحصل من هذا القول
[ ١ / ٥٠٠ ]
بطلان المذهب قطعا، إلا ببرهان يقوم على إبطاله. وليس في إبطال المآخذ المعينة، بطلان كل ما يقدر مأخذا. ولو قطعنا ببطلان كل مأخذ، لم يحصل العلم ببطلان المذهب، إذ يحتمل أن يكون صحيحا، ولم يتفق لقائله الوقوف على دليله، أو يكون مما لا دليل عليه. ومن أين يلزم أن يكون كل شيء مدلولا عليه؟ ومن أين يلزم أن يكون كل دليل يعرفه الحاكم؟ فلا يحصل من مثل هذا علم في العقليات. نعم، يكون هذا الطريق نافعا في السمعيات، من حيث تقرر أن الله تعالى لا يحكم على العباد بحكم حتى ينصب لهم عليه دليلا. فإذا علم انتفاء الأدلة، علم نفي الحكم، لاستحالة تكليف ما لا يطاق، إما عقلا، وإما سمعا.
[ ١ / ٥٠١ ]
ولكن الدليل على أنه ممكن، صحة وجوده، فإن المستحيل لا يتصور وجوده بحال، ويصح للواحد منا أن يأمر عبده ووكيله بخطاب عام، وهو يقصد تخصيصه بعد ذلك، لمصلحة يراها، أو بخطاب مجمل، [وهو] يقصد بيانه بعد ذلك. ولو كان [ذلك] مستحيلا، لم يتصور بوجه.
قال الإمام: (الثاني: يتعلق بمناقضتهم مذهبهم هاهنا بأصلهم في النسخ، [فإنه] عندهم: بيان مدة التكليف. [وليس هذا] البيان مقترنا بمورد الخطاب الأول. وليس لهم عن هذا جواب). قال الشيخ وفقه الله: ما ذكره الإمام غير (٣٥/أ) لازم للقوم، فإن البيان هو الدليل على حسب ما مر. وإذا كان كذلك، لم يمنع ورود دليل، وإنما الممتنع أن يكون الدليل يتعرض للدليل الأول، إما بتخصيص أو تفسير. فأما إذا كان لا يتعرض له، وإنما يتضمن قضية أخرى، فلا مانع من ذلك. والنسخ عند المعتزلة لا يتعرض للفظ
[ ١ / ٥٠٢ ]
الأول بحال، فإن الذي دل عليه اللفظ الأول لا يرفع. نعم، [إذا] كانوا يجوزون [ورود] مثله، فالخطاب الثاني منع مثل الحكم الأول من الورود. يدل على ذلك ورود النسخ على النص الذي لا يقبل البيان بوجه. فإذا البيان يرجع إلى إزالة ظاهر أو اشتراك مجمل. وهذان النوعان هما اللذان منعهما القوم.
قال الإمام: (والمسلك [الثالث]: يتعلق بمطالبتهم) إلى قوله (ثم يفسر لهم في وقت الحاجة). قال الشيخ: هذا المسلك الشرعي مقطوع به تواترا
[ ١ / ٥٠٣ ]
واستفاضة، فإنا نعلم بالضرورة أن تفاصيل الصلاة، وما تفتقر إليه من شروط وبيان أركانها، وما تتوقف صحتها عليه، من قراءة، أو طهارة، وستر عورة، واستقبال قبلة، وما يقدح في صحتها من المفسدات، وكذلك الزكاة، والصيام، والحج، وما يتعلق بالبيع، والنكاح، وما يصح تزويجه، وما شروط العقد، مما لا يمكن أن يبين في وقت واحد. وهذه الطرق تجري على جميع المذاهب، ولا يفرق بين عام ومجمل، ولا بين حكم ووعيد.
تبقى المسألة مع المجوزين، اختلفت مذاهبهم في جواز التدريج في البيان. فقال قائلون: إذا شرع، وجب أن يبين الجميع، فإن اقتصاره على إخراج صورة من العموم، يوهم كون الباقي مقطوعا باستقراره. وهذا أيضا باطل من وجهين:
أحدهما- أن من توهم ذلك تاما، فقد أخطأ كمن توهمه أولا، والسابق
[ ١ / ٥٠٤ ]
من الأدلة يقضي عليه.
الثاني- أنه قد نقل في الشريعة أنه كان [يبين] ما تدعوا الحاجة إلى بيانه، فلما سئل عن الاستطاعة، فقال: (زاد وراحلة). ولم يتعرض لأمن الطريق في ذلك الوقت، وإن كان شرطا. بل كان - ﵇ - لا يعتني بالبيان وقت توجه الخطاب اعتناءه بوظائف النقل، فضلا عن المقترنات.
وقد منع قوم تأخير المخصص عن اللفظ العام، بناء على غير هذا الأصل، مصيرا منهم إلى أنه لو تجرد اللفظ عن القرائن، لكان نصا في الاستغراق، فيرجع ذلك إلى استحالة بيان النصوص. وهذا الأصل سيأتي الكلام عليه بعد هذا، إن شاء الله تعالى.