وأما الموضع الذي يجب تحصيل هذا القصد فيه: فكل عبادة بدنية لم يظهر لها مقصد عاجل، فإنها لا تقع إلا إذا قصد بها التقرب. وسيأتي لهذا تقرير حسن في موضعه من هذا الكتاب.
وأما الموضع الذي يصح تحصيلها ويزداد ثواب المكلف بسببها، وإن كان لا يشترط ذلك في حقه: فاستصحاب النية بالتحقيق في أثناء الأعمال، فإن ذلك معفو عنه [تكرما] من الله تعالى على العباد. فلو اتفق حصول النيات، لكان [أعلى] وأفضل.
قال الإمام: (مسألة: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، بناء على أن الأحكام هي الشرائع بأعيانها) إلى قوله (على من لا ينتفع ولا يتضرر). قال الشيخ - ﵁ -: قوله: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، نفي عام لجميع الأحكام،
[ ١ / ٣٢٤ ]
لكن المراد نفي الأحكام الشرعية بجملتها. على ما سيأتي بيان قسمتها.
واختلفت مذاهب المعتزلة في الأحكام قبل ورود (١٤/أ) الشرع على ثلاثة مذاهب: ذكر الإمام مذهبين، ولم يذكر الثالث. والذي أغفله هو مذهب الوقف. إلا أن يكون لم ير الوقف مذهبا. إذ الواقف لم يحكم لا بنفي ولا بإثبات. ولكنه رد على الفريقين جميعا.
ومن العجب أنهم حكموا بذلك فيما لا يقضي العقل فيه بتحسين ولا تقبيح، ثم حظر بعضهم مستندا إلى العقل، وتوقف بعضهم مستندا إلى العقل.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وهذا غريب أن يحكم بالعقل في موضع لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح. وإنما احتيج إلى فرض المسألة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا قبح، لأن القوم متفقون على أن ما أدرك العقل حسنه، فليس بمحظور. وما أدرك العقل بقبحه فليس مباح. فلذلك كانت المسألة مفروضة فيما لا يقضي العقل فيه بحسن ولا بقبح. ولذلك ورد الإشكال وظهر التناقض ظاهرا.
ولكن مراد القوم بهذا القسم الذي زعموا أنه يتلقى من الشارع، على حسب ما تقدم بيانه. هذا موضع الاختلاف. ومعنى قولهم: فيما لا يقضي العقل بحسنه ولا بقبحه، أي بالنظر إلى صفات نفسه على الاختلاف السابق أيضا. فإن الذي تستقل العقول بدركه لا يتوقف على ورود الشرائع، بلا لا يتصور أن يتصرف الشارع فيه بنسخ أو نفي أو إثبات، ولا يتصور أن يتغير حكمه.
فهذا القسم خاصة إذا لم يرد الشرع بحكم فيه، تختلف مذاهبهم فيه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
والذي تقتضيه أصولهم هو الجاري عليها الوقف. وغنما كان هذا هو الجاري على أصولهم، لأن الشرع عندهم إذا ورد بحكم في هذا، فإنه إنما يدر به بناء على صفة تقتضي معنى أو طلبا أو إذنا. فالشرع في معنى الكاشف لمعقول الصفة المستورة، لا منشئ [حكم] على الحقيقة.
وإذا كان كذلك، فما من فعل لم يظهر حسنه ولا قبحه، إلا ويتصور أن يرد الشرع بطلبه، فيتبين العقلاء أنه كان على صفة الحسنـ أو يمنعه فيظهر للعقلاء أنه كان على صفة القبح، أو بالتخيير فيه فيتبين للعقلاء استواء الأمرين وامتناع ترجيحه. وهذا المذهب الذي ذكرناه أنه أجرى المذاهب على أصولهم، هو الذي أغفل الإمام نقله. ومذهبنا نحن أيضا أن الأفعال قبل ورود الشرع على الوقف. ولكن المراد بالوقف عندنا غير ما أراده المعتزلة من الوقف،
[ ١ / ٣٢٧ ]
لالتباس الأحكام بسبب التباس الصفات. بل المتكلمون قاطعون بانتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع، بناء على استحالة تكليف ما لا يطاق عقلا.
ومن التكليف بالمحال عندهم التكليف من غير دليل. وأما نحن فنقف عن الحكم قبل ورود الشرائع، تقديرا لاحتمال أن يكون الله تعالى كلف الخلق وإن لم يجعل لهم إلى معرفة الحكم طريقا. لا لأن الأحكام تتبع الصفات، وهي ملتبسة، ولكن لما جاءت الشرائع أخبرت عن انتفاء حكم الله تعالى عن العباد قبل ورود الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. فمذهبنا يساوي مذهب المعتزلة في الحكم، ويفارقه في الطريق. وأما أصحاب الحظر، فيصح (١٤/ب) أن يتمسكوا بوجهين:
[ ١ / ٣٢٨ ]
أحدهما- أن الشيء إذا احتمل أن يكون حسنا، وأن يكون قبيحا، فيكف عنه، لما ألف عند العقلاء من قضية الاحتياط. ويشهد له من الشرائع تغليب أمر الحظر عند اختلاط الميتة والمذكاة.
الثاني- أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح، والله تعالى هو المالك، ولم يأذن. والإلزام من الإمام صحيح في حظر الشيء وضده، مع استحالة الخلو عنهما جميعا، (فإن حظروا جميعها، كان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإن خصصوا بالحظر شيئا عن شيء من غير تحسين العقل وتقبيحه، لم يخف سقوط هذا المذهب).
وقول الإمام: (وإن خصصوا الحظر بما يعتقدون جواز الخلو عنه أصلا
[ ١ / ٣٢٩ ]
لمستندهم أن التصرف في ملك الغير قبيح بغير إذنه). وهذا القسم الذي ذكره الإمام غير متصور عندي، بل ما من شيء يجوز العرو عنه أصلا، إلا وله ضد لابد من التلبس به. وتصوير شيء لا ضد له يصح العرو عنه محال.
وفرض أمر يجوز العرو عنه وعن ضده باطل. فما ذكره ليس بعذر، ولا يمكن تنزيل المذهب عليه.
[ ١ / ٣٣٠ ]
وقوله: (وأما أصحاب الإباحة، فلا خلاف على الحقيقة بيننا وبينهم) إلى آخره. ليس الأمر على ما قال. بل الخلاف قائم بيننا وبينهم، فإنا نقول: المباح اسم مفعول يستدعي مبيحا، فإن أسماء المفعولين تستدعي المصادر، وكذلك أسماء الفاعلين، والإباحة عندنا: هي التخيير من الله تعالى بين الفعل والترك، وذلك إنما يعرف بخبر الله تعالى، فإذا لم يخبر عنه، لم يتصور علم ذلك. والمعتزلة تزعم أنها توصلت بالعقول إلى الإذن، وذكروا وجوها نذكرها ثم نبين فسادها.
فمنها- أنهم قالوا: إن الله خلقها من غير غرض له فيها، مشتملة على منافع [علمناها]، فلا مضرة عليه في الانتفاع [بها]، إذ لا يتصور أن تنقص مملكته بسبب ذلك، فهذه أشياء كل واحد منها يدل على الإذن.
[ ١ / ٣٣١ ]
فنقول: هذه أوهام باطلة وخيالات فاسدة.
وأما قولهم: إنه لما خلقها نافعة، كان ذلك دليل الإذن، ففاسد، فإن إعلام المالك إيانا أن طعامه نافع لا يكون إذنا، وكذلك يمكن أن يكون إعلام الباري إيانا أنها نافعة ليس إذنا، بل ليدرك ثواب الاجتناب.
فإن قالوا: الباري ﷾ لا يتضرر، والواحد منا يتضرر بالتصرف في مخلوقاته، فإنه يجري مجرى التصرف في السراج بالاستضاءة، وفي الجدار بالاستظلال، ومنع ذلك قبيح. قلنا: إن صح ذلك، فليقبح من الله تعالى منع عباده من لذاتهم وقضاء أوطارهم، فإن ذلك لا يضره بوجه.
فإن قالوا: إنما منع الله سبحانه العباد مما يعلم أنه يضرهم، وإن كانوا لا يقفون على وجه ذلك. فلنا: فما من شيء إلا ويمكن أن تكون فيه مضرة خفية، لا جرم فتوقف الإذن على ورود الشرع.
فإن قالوا: فالله سبحانه قادر على أن يخلقها عرية عن الطعوم، وكان
[ ١ / ٣٣٢ ]
قادرا على أن لا يخلق فينا الذوق، فخلق الطعم فيها والذوق فينا، دليل على أ، هـ أراد انتفاعنا بها. قلنا: (١٥/أ) الأشعرية وأكثر المعتزلة مطبقون على استحالة عروها عن الطعوم. فمن سلم أن ذلك مقدور؟ وإن سلم، فلسنا نسلم أنه خلقها لذلك. فعله [خلقه] لا لعلة، أو لعلة خلقها لندرك ثواب اجتنابها.
ومن سلم أن أفعال الله تعالى كلها معللة؟ بل خلق العالم كله لا لعلة. ثم نقول: بما تنكرون على أصحاب الحظر إذا تمسكوا بأن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح؟ وبم تردون على أصحاب الوقف إذا توقفوا حتى يرد الشرع لا لالتباس الصفات؟ فلا يبقى مع القوم إلا محض التحكم.
والكلام في هذه المسألة والتي قبلها فرع من فروع التحسين والتقبيح. وفي بناء المسألتين على الأصل السابق كفاية في إبطال مذاهب القوم.
[ ١ / ٣٣٣ ]