مؤدى). فليس الأمر كذلك في ادعاء الإجماع. وقد ذهب بعض الناس إلى أنه لا يكون [ممتثلا] بحال، وهذا هو الذي يقتضيه قول من يعتقد أن الأمر على الفور، باعتبار وضع اللغة. فعلى هذا لو قال له: (افعل على الفور) وأخر، لم يكن ممتثلا. وكذلك إذا كان مقتضي اللفظ ذلك. نعم. لما غلب في الشرع قضاء المؤقتات بعد ذهاب الأوقات، ظن ذلك من مقتضي الطلب الأول.
وسيأتي هذا في مسألة أخرى، إن شاء الله.
قال الإمام [﵀]: (مسألة لفظية: ذهب القاضي في جماعة من الأصوليين إلى أن المندوب إليه مأمور به) إلى آخر المسألة. قال الشيخ: الذي ذهب إليه القاضي هو الصحيح. والحد الذي ذكره الإمام [للأمر] يتناول الندب، لأن الأمر: هو القول المقتضي الطاعة بالفعل. هذا حده عنده. وفاعل
[ ١ / ٦٨٩ ]
المندوب مطيع. وإذا وجد الحد، فكيف يتخلف المحدود؟ وأيضا فإنه شاع في ألسنة العلماء أن الأمر ينقسم إلى أمر إيجاب وأمر استحباب. وما شاع أنه انقسم إلى أمر إباحة وأمر إيجاب. وقد قدمنا أن (افعل) الذي هو لفظ الأمر، إنما يقتضي الطلب من غير زيادة.
وأما قول الإمام: إنها مسألة لفظية. إن أراد أنه لا فائدة لها في الأصول، فليس بصحيح. وإن أراد أن البحث [فيها] يتعلق باللغة، فالأمر على ما قال. وبيان الحاجة [إليها] في الأصول أنه إذا قال: أمرتكم، أو أنتم مأمورون. إن قلنا: إن لفظ الأمر يختص بالوجوب، كان اللفظ ظاهرا في ذلك، حتى يقوم دليل (٢٤/أ) على خلافه. وإن قلنا: إنه متردد بينهما، لزم أن يكون
[ ١ / ٦٩٠ ]
مجملا. وهذه المسألة خولف فيها من وجهين:
أحدهما- البحث العقلي، هل وجد في الندب حقيقة الأمر؟
والثاني- هل يسمى الندب أمرا؟ وهذا بحث لغوي. وقد نوزع في الأمر الأول. فقال الإمام فيما سبق: (والندب من ضرورته تخيير في الترك يفوت جزم الطلب). وهذا هو الذي حمل من صار إلى أن المندوب إليه غير مأمور به. وهذا (٥٥/أ) عندنا غير صحيح، والمندوب إليه [مطلوب] طلبا
[ ١ / ٦٩١ ]
محققا، لا تخيير فيه بوجه. فإن التخيير: عبارة عن استواء الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع. على ما سيأتي في حد المباح. وهذا المعنى غير موجود في المندوب إليه.
فإن قيل: بقيت له خيرة. [قلنا: خيرة] من جهة الدواعي والصوارف، أو من جهة الشرع؟ الأول مسلم، والثاني ممنوع. وتسلم الأول [لا] يضر في تحقيق الطلب، فإنه يتطرق إلى الواجب. وقد قال الله ﷾ في المحرمات: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾. هذه خيرة باعتبار الطباع، لا باعتبار الشرع، فلا يمنع من تحقيق الطلب.
قال الإمام: (مسألة: ذهب بعض أئمتنا إلى أن الأمر بالشيء نهي عن
[ ١ / ٦٩٢ ]