ولما انحصرت هذه المواضع عند الأخفش، ورأى باب التعجب خارجا عنها، افتقر إلى أن يقدرها موصولة، ولكن على مذهبه، تنقص الجملة، وتفتقر إلى التكميل، إذ يصير التقدير: الذي حسن زيدا شيء، والإضمار على خلاف الأصل. وقد بينا أن السبب المحسن للابتداء بالنكرة في الشرط والاستفهام، موجود هاهنا.
وأما قوله: (والموصول: ما له بد من صلة). فالأمر كذلك، وحصر الصلة في الجملتين قد تقدم الكلام عليه، بل الجمل التي يصح أن تقع صفات، تقع صلات، ولابد من الصلة من راجع منطوق به أو مقدر. وقد قال الله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾. أي بعثه، وقال: ﴿الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾.فأظهر الضمير، وإنما افتقر إليه، ليربط الكلام. وأما لو قلنا: جاءني الذي عمرو منطلق، لم يكن كلاما. وسمع الخليل رجلا يقول: ما أنا بالذي قائل له سوءا، يريد هو [قائل].
قال الإمام: (فأما (أو) فهي (٤١/أ) للتردد والشك) إلى قوله (أو
[ ١ / ٥٥٨ ]
تقضيني حقي. معناه: إلى أن تقضيني حقي). قال الشيخ [أيده الله]: النحويون يقولون: إنها على أربعة أوجه: الشك، والإباحة، والتخيير، والإبهام. فالشك في الأخبار، كقولك: جاءني زيد أو عمرو. والتخيير فيما كان المخاطب ممنوعا من تناوله. فيقال: خذ من مالي دينارا أو درهما. والإباحة فيما ليس أصله للحظر، كقولهم: (جالس الحسن أو ابن سيرين). والإبهام في مثل قول القائل: جاءني زيد أو عمرو، وهو يعلم من جاءه منهما. ويمكن أن يكون قوله تعالى: ﴿مائة ألف أو يزيدون﴾. من هذا المعنى.
[ ١ / ٥٥٩ ]
وقوله: «وأم) في معناه، إلا أنه قد يقع في موضع الكلام مقرونا بالاستفهام). هذا الذي ذكره، لا تقتصر (أم) عليه، بل قد تقع بعد استفهام، وقد تقع من غير تقدم استفهام، فإن وقعت بع استفهام، سميت متصلة، أي تربط آخر الكلام بأوله. فإذا قال القائل: أزيد عندك (٩/أ) أم عمرو؟ معناه: أيهما عندك؟ فهو سؤال عن التعيين، كقولك: أيهما عندك؟ ولا يصح في هذا المكان أن يقول المجيب: أحدهما، بل الجواب: زيد [أو] عمرو بالتعيين.
ويصح أن يقول: زيد عندك أم عمرو؟ لا على طريق الاستفهام، وتسمى المنقطعة، أي انقطع عن الكلام الأول، واستأنف قضية أخرى. قال الله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه﴾. ولم يتقدم استفهام. ومن قول العرب: (إنها لإبل أم شاء)؟ . معناه: (بل أهي شاء)؟ وأما إذا قال: رأيت زيدا أو عمرا،
[ ١ / ٥٦٠ ]
فيصح أن يقول: أحدهما، لتردد السائل في أصل الرؤية، فهو يسأل عن أصلها.
أما قول الإمام: (إنه لا يصح أن يقول: زيدا أم عمرا). فقد بينا أنه
[ ١ / ٥٦١ ]
يصح على المنقطعة، وفي المتصلة على تقدير أن تزاد الهمزة. قال الشاعر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا بسبع رمين الجمر أم بثمان
وقوله: (لا يصح أن يقال: أرأيت زيدا أو عمرا؟). فقد قال أهل العربية: إنه يصح ذلك، ولا أعرف فيه خلافا.
وقد نصوا على قولك: أرأيت زيدا أو عمرا؟ وردوا الفرق بين (أم) و(أو) إلى ما ذكرناه من أن (أم) لتحقيق الأصل والتباس التعيين، وليس (أو) كذلك. وبقية ما ذكرناه واضح.
[ ١ / ٥٦٢ ]