تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
[وقد] ترد (الواو) في باب المفعول معه بمعنى (مع) تقول: استوى الماء والخشبة) إلى قوله (ولكنه للترتيب مع التراخي). قال الشيخ [أيده الله]: وقد قدمت الكلام على هذا بأنها تستعمل فيما [يعقل] [منه] الاجتماع، كما ذكرناه. وإذا قال: جاءني زيد أمس وعمرو اليوم، فقد صرح بضد الاجتماع، والكلام حقيقة لا مجاز فيه.
وقوله: إنها ترد في غبر غرض المسألة لغير العطف في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. قال الشيخ: (الواو) لا تصلح لنصب الفعل بحال. وسنتكلم عليه في باب (ما) إن شاء الله. وإنما يقع الانتصاب بعدها بإضمار (أن) وهي تضمر بعد خمسة أحرف: حتى، واللام، [و] (أو)، بمعنى (إلى)، و(واو الجمع)، و(الفاء)، بعد الأمر والنهي، والنفي والاستفهام
[ ١ / ٥٤٥ ]
والتمني والعرض. والضابط لذلك أن لا يكون الكلام ثابتا، كقولك: مررت حتى أدخلها، وجئتك لتكرمني، ولألزمنك أو تقضيني حقي، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن، واتيني فأكرمك، ولا تشتمني فأشتمك، وما تأتينا فتحدثنا، وهل لي من شفيع فيشفع لي. ولا يقع النصب إلا (بأن)، وإنما كان كذلك (٧/أ)، لأن الحروف الداخلة على الاسم والفعل لا تعمل في واحد منهما. والناصب أيضا للفعل لا يكون إلا ناصبا، وهذه قد توجد غير ناصبة. وإنما وجب في العوامل أن [تكون] على صفة واحدة، لأنها لو لم تعمل مرة، لم تعمل مطلقا. فلذلك قلنا: إن النصب لغيرها. وإنما اختص الإضمار بالنفي، لأن الكلام يحتمل معه جهات لا يحتملها الإثبات. وقد تتوسع العرب في النفي حتى قالوا: مررت برجل لا قائم ولا قاعد. ولا يقولون: مررت برجل قائم وقاعد. وربما جاء النصب بعد (أن) مضمرة في الإيجاب. قال الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم وألحق بالحجاز فأستريحا
وهو ضرورة. ولكن الذي حسنه عندي أنه غير ثابت من جهة المعنى، لقوله: سأترك، [وسألحق].
[ ١ / ٥٤٦ ]
وسننبه على لطيفة في العربية في هذا المكان، وذلك أنه لما تقدم في هذا الموضع الجملة الفعلية، وجهات هذه الحروف الصالحة للعطف، ولم يقصد الناطق العطف، تحول الكلام إلى الاسم، فلو بقى إعراب الثانية على حسب إعراب الأولى، لفهم العطف، فأرادت العرب إزالة اللبس بنصب الفعل الثاني، ليعلم أنه لم يقصد عطفا. وإنما يصير الكلام إلى الاسم عند وجدان الفعل، إذا رد إلى المصدر، وإنما يكون كذلك، إذا قدرت فيه (أن)، فيكون الفعل معها مقدرا بتأويل المصدر، فنصبوا لها الغرض.
ولكن يبقى في هذا نظر، وهو عطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية، وهو أيضا رديء، فيفتقر إلى تأويل الجملة الأولى. قال سيبويه: (لقولك: ما تأتينا فتحدثنا، معنيان:
أحدهما- ما تأتينا، فكيف (٤٠/أ) تحدثنا؟ أي لو أتيتنا لحدثتنا.
والآخر- ما تأتينا أبدا إلا لم تحدثنا، أي منك إتيان كثير، ولا حديث [معه]). فانظر كيف رد الجملتين جميعا إلى المصدر. وطريقه ما قررناه، ووجه الحاجة إليه ما بيناه.
ويمتنع إظهار (أن) مع كل هذه الأحرف إلا (اللام) إذا كانت لام (كي)، فإن الإضمار واجب تارة، وجائز تارة، وممتنع تارة. فأما الموضع الذي يجب فيه الإضمار، فإنه إذا كان الذي تدخل عليه [داخلة عليه] (لا)
[ ١ / ٥٤٧ ]
كقولك: كيلا [يعطيني]. ويجوز الإظهار إذا لم يكن الفعل كذلك.
وأما المؤكدة، فليس معها إلا التزام الإضمار، في مثل قوله ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾. ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾.
وقوله: ([وقد] ترد (الواو) في باب المفعول معه بمعنى (مع) تقول: استوى الماء والخشبة). كما قال، ولكن يشترط في انتصاب المذكور [بعد (الواو)] أن يكون الكلام الأول يشتمل على فعل أو على رائحة فعل. وأما إذا لم يكن كذلك، فليس إلا الرفع، كقولك: ما أنت وقصعة من ثريد. والنصب في الوجه الأول حسن، والرفع جائز، كقولك: استوى الماء والخشبة، أي تساويا. وإنما لم يجز النصب في الوجه الثاني، لأن الفعل تعدى إلى الاسم الثاني بواسطة (الواو). وهذا نظير الاستثناء في قولك: قام القوم إلا زيدا.
[ ١ / ٥٤٨ ]
وقوله: (فأما (الفاء) فإنها للترتيب والتعقيب والتسبيب (٧/ب)، وقد ترد بمعنى (الواو) للعطف). قال الشيخ: (للفاء) محلان عند النحويين: أحدهما- أن تكون عاطفة. والثاني- أن تكون جواب شرط صريح، كقوله: (من أحيا أرضا ميتة فهي له). أو مقدر، كقوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر﴾.
[ ١ / ٥٤٩ ]
وكذلك قوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم﴾.
فأتى بالفاء في معنى الجواب. وهي في كلا حالتيها لابد [فيها] من الترتيب.
واختلف النحويون، هل تكون زائدة؟ أنكره سيبويه، وأثبته الأخفش. واحتج بقوله:
وقائلة: خولان فانكح فتاتهم
وللتأويل فيه مساغ، إذ يمكن أن تكون عاطفة، [ويكون التقدير]: هذه خولان فانكح فتاتهم. وقد اعترض على هذا بقوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا﴾.
والبأس قيل: الهلاك. وله تأويلان: أحدهما- أن يكون المراد: أردنا إهلاكها.
[ ١ / ٥٥٠ ]